في


دروس طلحة جبريل
09-18-2010 09:55 AM

دروس طلحة جبريل

نورالدين لشهب
n.lechhab@gmail.com

\" والكتابة خاصة في هذا العصر وفي عالمنا العربي مليئة بالآفات. والذي يطرح أفكاره على الناس علنا عليه أن يتحمل تبعات ذلك\" الروائي الطيب صالح

هناك أربع شخصيات سودانية لها حضور لافت في المشهد الثقافي والسياسي والإعلامي بالمغرب: الروائي الراحل الطيب صالح صاحب \"موسم الهجرة إلى الشمال\" و\"دومة ود حامد\"، والدكتور عبد الله الطيب \" كوكل اللغة العربية\" كما يلقبه الطلبة بالجامعة، والدكتور حسن الترابي\" لينين الحركة الإسلامية\" والإعلامي طلحة جبريل صاحب مقولة \" الاستثمار في البشر بدل الاستثمار في الحجر\".

وإذا كان القارئ يعرف أو بدأ يتعرف على الصحافي طلحة جبريل من خلال كتابه الذي يُنشر الآن منجما في صحيفة المساء، فإن الكثير من الصحفيين المغاربة الذين عرفوه عن قرب يقدرونه ويحترمونه ويعظمونه أحيانا، بل تجد من عرفه عن قرب وخبر جوهره تصيبه الجذبة وهو يتكلم عن هذا الشخص فيفضل أن يسميه بالأستاذ... يعلم ويساعد من يريد أن يتعلم الصحافة كفن.. وليست كمهنة للمتاعب، فطلحة جبريل يسميها مهنة المتعة، فحين تعشقها تجد متعة في قضاء وقت طويل في الكتابة وتطوير الأفكار والبحث عن الأخبار ولو كانت في بلدة قندهار... محبة مجموعة من الأصدقاء الذين تتلمذوا على يد طلحة يجمعون على أن الرجل طيب المعشر ودمث الأخلاق، وإذا أردنا أن نختصر القول فيه حسب شهادة صحابتي يمكن أن نقول: إن الصحافي طلحة جبريل بابه مفتوح للجميع، وقلبه مفتوح للجميع، وعقله مفتوح للجميع، بل لا نزايد لو قلنا : حتى جيبه مفتوح للجميع !!

فكيف لإنسان ولد الناس، بتعبيرنا المغربي المتداول، أن يتطاول على شخصية هذا الرجل ولو اختلف معه المختلفون، اللهم إن كان لئيما ابن لئيم.... وأما أن طيبوبة هذا الرجل لم يكن مأتاها كونه رجل سياسة يريد أن يتعامل بالكياسة حتى ينال ناسه كما يفعل سياسيونا، وإنما هي أخلاق متأصلة في الشعب السوداني الطيب، وفي هذا الصدد يذكر الروائي الطيب صالح قصة جميلة ورائعة في قمة التسامح والتآزر بين الفرقاء السياسيين مهما باعدت بينهم القناعات والميولات السياسية والفكرية، القصة وقعت في السودان في القرن الفائت وما أكثرها القصص التي تشهد على طيبوبة الشعب السوداني، يحكي أن وفدا من الحزب الشيوعي السوفياتي كان سيزور السودان في استضافة من الحزب الشيوعي السوداني، فلما علم جد الصادق المهدي أمين عام حزب الأمة السوداني الحالي، وكان جده شيخ طريقة صوفية مشهورة ومعروفة في السودان وسياسي أيضا، فقال للمسئول في الحزب الشيوعي: أين سيقضي هذا الوفد زيارته، فقيل له: سنشرب كؤوس الشاي وسيعودون، فقال له هذا الرجل المتدين، أي جد الصادق المهدي: هذا الوفد سيزور السودان كبلد وليس حزبا في السودان وحسب، حين تفرغون من عملكم السياسي مرحبا بضيوف السودان... فتمت الاستضافة في مكان رحب وواسع وذبحت الأكباش .. وأحضرت الأطباق،وكؤوس الشاي المعتق..الخ. هي السياسة في أنبل تجلياتها، وهنا يمكن أن نضيف أن شقيقة الصادق المهدي الدكتورة وداد المهدي هي زوجة الدكتور حسن الترابي، فحين كان زوجها في السلطة كان أخوها معارضا لزوجها، ولما اعتقل الترابي كانت تقف مع زوجها... وهناك أمثلة كثيرة على طيبوبة أهل السودان.

إن من يتابع حوارات الأستاذ طلحة جبريل مع جريدة المساء يلحظ قيمة التسامح والعفو عما مضى، فلا نجد في كلامه حقدا دفينا تجاه شخصية معينة أساءت إليه في يوم من الأيام، بل تجده يترحم على الموتى، وحين يتذكر من أساء إليه يعود فيذكر حسناته فينصفه، ولما يسأله مصطفى الفن عن أحداث معينة يذكر اليوم والشهر والعام والحدث كما هو دون زيادة ولا نقصان، سألته عن التوثيق، فقال لي بأنه يكتب مذكراته كل يوم، وهذي طريقة تبدو صعبة شيئا ما ولكنه ألفها منذ سنوات وأفادته كثيرا في كتابة مذكراته المعنونة ب\" أيام الرباط الأولى\" والآن يسجل كل ما جرى له طيلة اليوم ويسجله في مفكرة الحاسوب، وأضاف بأن مسؤولا أمنيا مغربيا رفيع المستوى أعرب له عن إعجابه بكيفية توثيق الحدث، وقال له بأنه يشتغل معه رجال للأمن مهنيون ولكنهم لا يقدرون على وصف الأشياء بدقة متناهية كما يفعل هو.... أنا شخصيا استغربت فطفق يشرح لي: شف أنت الآن معي ..جلسنا في تلك الطاولة..جاء النادل..تلبس كذا..قلت لي فأجبتك..كنت أود أن أسمع لك فوجدتني أتحدث وأنت تنصت..هذه الورقة سأضعها في جيبي..وأقول لك هذي للذكرى..اعلم أني سأذكرك حين تنسى....بهذي الطريقة استطاع طلحة جبريل أن يتذكر الحدث ويسرده بشكل واضح إلى درجة اعتبره البعض فاضحا، وفي هذي النقطة سألته عما إذا كان أحدهم اغتاض مما يقدمه من شهادته عن الصحافة التي تأكل أبناءها، وذكرت له اسم عبد الكريم بنعتيق كما بلغني، فقال لي : نعم لقد اتصل برشيد نيني وقال له كيف سمح لسوداني أن يكتب عن تاريخ المغرب، رشيد نيني لم يبلغه بهذا الأمر، ولكن طلحة أجابني بأنه لا يكتب عن المرابطين ولا عن الموحدين، هو يكتب فقط عن تاريخه هو بالمغرب، وزاد بأنه تعمد أن يكتب إيميله وصفته كصحفي سوداني بالمغرب، ولو أراد الجنسية المغربية أو سعى لها في يوم من الأيام لنالها أيام الحسن الثاني يرحمه الله. أما عن شهادته في صحيفة الشرق الأوسط، وهل أغضب البعض، فقال: أنت جئتني ووجدتني في المكتب، كما أن نقدي لم يكن موجها للأشخاص بل للمؤسسة.

وأما عن الصحافة التي تأكل أبناءها، فهل هناك صحافة لا تأكل أبناءها؟ هو سؤال وجيه كما عبر عن ذلك الأستاذ طلحة جبريل، والتمييز بين الصحافة التي تأكل أبناءها والتي لا تأكل أبناءها، كون الأولى تنشأ عن حب عارم وشوق متدفق للعمل في هذي المهنة، والصحفي المهني الذي يعشق هذي المهنة يكون غالبا عرضة للتهميش والطرد وتلفيق التهم وتحريض البعض وسهام الإشاعات الكاذبة والوشايات المغرضة تطارده كما وقع له عام 1996 لما تعرض للطرد من صحيفة الشرق الأوسط، وكان أبناءه في المدرسة يسمعون بأن أباهم لص ومحتال، كانت هذي الاتهامات التي لا تستند على أي دليل تسيء لأطفاله قبل أن تسئ له، لقد عانى كثيرا حين كان يرى أبناءه يعانون..والقصة معروفة لدى القارئ... أما عن الصحافة التي لا تأكل أبناءها فهي غرضها إما البحث عن موقع اجتماعي خاص، أو البحث عن ما هو مادي صرف.

هناك درس آخر يمكن أن نستشفه مما يقصه علينا كقراء، وهو الحفاظ على مصدر المعلومات، فحين نشر خبر عن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وكان مصدر خبره هو الكاتب عبد الجبار السحيمي، وكان الخبر بمثابة \"سكوب\" هز السياسيين بالمغرب ومعهم القصر كذلك، لم يكشف عن هذا المصدر لأي كان، وقال لي بأن الحسن الثاني سأله عن مصدر خبره هذا، فقال له يا سيدي المجالس أمانات، والحسن الثاني لم يعد سؤاله لأن الحسن الثاني، كما قال طلحة، ملك وليس بوليسي.(ا).

كما نجد في معرض الحوار مصادر للأخبار لم يكشف عنها إلا بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة، وهذا درس أخلاقي رفيع. حبذا لو يحتذي بهذا الدرس بعض الصحفيين من قبيلة الصحافة التي لا تأكل أبناءها.

الأستاذ طلحة جبريل كما نعرفه، وكما صرح في أكثر من مناسبة، له علاقة سيئة بالمال، فهل استطاع أن يجد طريقة للتخلص من هذي العلاقة السيئة ؟ أكيد لقد وجدها، ويحكي أن كاتبته في مكتبه الخاص السيدة نادية هي من يعطيها كل مدخوله وتصرف عليه وعلى أسرته داخل المغرب والسودان. هل يستطيع أحدنا أن يثق في أحد ويمنحه مدخوله الشهري لينفق على أسرته؟؟ هذا درس آخر يكشف عن طيبوبة هذا الرجل، فالسيدة نادية اشتغلت معه منذ كان عمرها 16 سنة والآن تبلغ من العمر 32 سن ومتزوجة وربما أم... باختصار إنه درس في الأخلاق عظيم.

هناك أشياء كثيرة هي دروس وددت ألا أذكرها حتى لا أفسد على القراء متعة القراءة في جريدة المساء، أما آخر الدروس وهي أنه سبق له أن التقى بالملك الحسن الثاني يرحمه الله، وحاوره، وكان الحسن الثاني يوحي له بأن يطلب منه المسكن، ولكنه لم يفعل أبدا، قد يقول البعض بأنه ترفع أو سما بنفسه وتعفف، ولكن طلحة يقر بأنه مرتاح بهذا الوضع، والحسن الثاني من أكرم الملوك إطلاقا كما يقول فلو شاء لكان صاحب فيلات، على عكس عثمان العمير الذي أضحى من الأغنياء هنا بالمغرب بفضل ما أخذت يساره دون أن علم يمينه..

سألته عن حسن الترابي الذي حاول طلحة جبريل أن يطيح به وتوسط لبعض الضباط والعساكر السودانيين لدخول المغرب للترتيب للانقلاب، فقال عن الترابي: أنا أختلف معه بشكل مطلق، وحاولت أن أدبر انقلابا على حكمه، ولكن الدكتور حسن الترابي رجل استثنائي، لم تنجب أم سودانية مثله، هو مفكر كبير ومنظر عظيم... رجل قاد انقلابا كأول زعيم إسلامي في العالم العربي في الوقت الذي كانت الانقلابات يقودها عساكر فقط، هذي المرة قادها مفكر إسلامي ومنظر كبير... إني أختلف معه بشكل مطلق وأحترمه بشكل مطلق !!

يمكن أن نختم بدرس مهم يتعلق بقيمة الاختلاف في الرأي، فطلحة جبريل اتفق مع جريدة المساء بأنه بعد انتهاء السلسلة الحوارية ، طلب من الجريدة أن تفتح لمن بان له أنه أسئ إليه أو اختلف معه في قضية ما أن تفتح له مساحة التعبير عن رأيه.... كان هذا شرط بينه وجريدة المساء كما صرح لي!!


هسبرس

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1566

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نورالدين لشهب
مساحة اعلانية
تقييم
4.07/10 (31 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة