05-24-2012 05:27 PM

لجنة الوسيلة.... تكرّس القبلية في كردفان!

محمد التجاني عمر قش _ الرياض
[email protected]

كان السودان حتى وقت قريب يدار بواسطة إدارة مدنية لا علاقة لها بالشأن السياسي أو القبلي، بل كانت تمارس عملها بكل حياد و مسئولية ونزاهة. ولكن مع دخول البلاد في فترة الحكم الإقليمي في العهد المايوي بدأ ذلك النظام الراسخ يترنح أمام ضربات السياسة والقبيلة والجهة، حتى لقي مصرعه في الآونة الأخيرة. ولم يكن أي من الأقاليم يمتن بأنه يرفد الخزينة العامة بكذا من الأموال؛ ولو كان الأمر كذلك لحق لأهل الجزيرة أن يطالبوا الشعب السوداني بتعويضات مقابل ما كان يقدمه مشروع الجزيرة من عملات صعبة كانت هي عماد الاقتصاد السوداني. ولكن ها نحن نقرأ مثل هذه العبارات " ميلاد ولاية النهود يخلق مساحة للتطوّر ويقصّر الظل الإداري ويريح المنطقة من عبء ثقيل وهو الصرف على الفصل الأول للهيكل المترهل لولاية شمال كردفان، وهي الولاية الشاسعة مترامية الأطراف وشحيحة الموارد لا سيما الأجزاء الصحراوية".
ما هكذا تورد الإبل يا فضل الله رابح فلو أنّ كل منطقة صارت تفكر بمثل هذا المنطق لجعلنا من السودان دويلات كتلك التي شهدتها الدولة الإسلامية في آخر عهدها بالأندلس وحينها سيسهل على المتربصين الانقضاض على ما تبقى من هذا الوطن و سنعض أصابع الندم على ما فرطنا في حق الوطن بدعوى القبلية و الجهوية التي بدأت تطل برأسها على مسمع و مرأى من حكومة الإنقاذ الراعي الرسمي لهذا المنحى الخطير عبر ممارسات أدت إلى هذه المطالبات السالبة مسببة مزيداً من تكريس للقبلية و تراجع الإحساس بالانتماء الوطني وذلك هو أصل البلاء وأحد أسباب زوال الدول وفناءها. يحدث هذا بينما تسعى الدول من حولنا لتعزيز الاندماج الوطنى بدلاً عن الإثنية والقبلية.
نحن ليس لدينا اعتراض على تقسيم الولاية إذا كان ذلك يخدم المنطقة ويقدّم لها التنمية أو إذا كان ضرورة إدارية ملحة؛ ولكن أن يكون التقسيم نتيجة لنعرات قبلية فهذا أمر ينذر بالخطر الداهم ويضعف القدرة على دفع عجلة الانصهار و الاندماج في بوتقة الإقليم الواحد ناهيك عن الوطن الكبير. هذه المناورات لا تخفى على أحد ولذلك نرجو من إخوتنا الذين تجنبوا استخدام اسم القبيلة ورمزوا إليه بشيء من لوازمه أن يضعوا مطالبهم في غير هذا القالب ويسموا الأشياء بأسمائها. ومع تأييدنا " لحق الإخوة مواطني غرب كردفان في المطالبة بعودة ولايتهم التي قدموها مهراً للسلام" إلا أنني أرجو قراءة هذا النص بتأني حتى تكتمل الصورة ونفهم ما يمكن أن يترتب على مثل هذه التحركات التي يقف وراءها بعض محدودي النظر " ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل الظروف مهيأة لأن تصبح النهود العاصمة الأولى لولاية غرب كردفان أم مجرد منصب الوالي وتمثيلاً رفيعاً بجانب ضمان التنمية والخدمات يكفى لإرضاء حَمَر، وهل يقبل المسيرية أنفسهم هذا المقترح ؟ ومن جانبه يكشف سالم الصافي حجير عضو لجنة الشورى "بأن المسيرية الحُمُر طلبوا الانحياز لأبناء عمومتهم المسيرية الزُرُق لترجيح الكفة عندما تعلق الأمر بتذويب غرب كردفان، ممايعني أن الأمر في نهاياته لا يخرج عن دائرة الجهوية والقبلية التي وطنت لها قيادات بالمؤتمر الوطني". و إذا كانت هذه هي الحال والتناحر قبل قيام هذه الولاية أو الولايات فما هو المردود التنموي المتوقع في ظل هذا التطاحن الذي لن يقود إلا لمزيد من التشرذم والقبلية.إذاً لماذا لا نفكر في إعادة كردفان الكبرى إذا لم يكن ذلك يتعارض مع نصوص الدستور حيث المصلحة متحققة لا محالة وتسندها تجربة إدارية تزيد عن مئة سنة منذ العام 1821؟
إن هذا التحرك سيكون له تداعيات وعواقب وخيمة نعتقد أنها سوف توقف عجلة التنمية البطيئة في كل كردفان. كما أن فترة الشهر، التي نص عليها قرار التكليف الذي جاء فيه " على اللجنة أن ترفع تقريرها الختامي لرئيس الجمهورية في موعد أقصاه شهر من تاريخ مباشرة مهامها، فهي إذاً معنية بدراسة الأوضاع القانونية والاجتماعية والإدارية والأمنية واقتراح الخيارات والحلول المناسبة لها"، غير كافية إلا إذا كان الأمر " سلق بيض" أو أن قرارًا قد أتخذ في دهاليز السياسة وكل هذه التحركات إنما تأتي في سياق الإخراج ليس إلا. وكيف تستطيع لجنة بمقدرات بشرية محدودة للغاية أن تعالج المشاكل التي وردت الإشارة إليها من أوضاع أمنية وقانونية و أمور اجتماعية هي غاية في التعقيد؟
عموماً بما أن " خشم الريكة فاتح" وباب المطالبات لم يقفل بعد، وحيث أننا لا نرى أية إشارة للمناطق الأخرى من شمال كردفان التي تمتد من الأبيض شمالاً وحتى تخوم الولاية الشمالية، وهي تشمل المناطق الصحراوية التي أشار إليها الأستاذ فضل الله رابح، فنحن، سكان هذا الجزء من شمال كردفان بمختلف مكوناته القبلية، أيضاً من حقنا المطالبة بولاية تكون عاصمتها في أي من المدن ( بارا، سودري، أم بادر، جبرة أوغيرها) الواقعة في هذه المنطقة التي ليست هي صحراء كلها بل بها واحات و مساحات قابلة للاستثمار الزراعي بشقيه المروي والمطري و بها ثروة حيوانية تقدر بعشرات الملايين من الرؤوس حسب آخر إحصاء للثروة الحيوانية في الولاية وبها الصمغ العربي والمعادن والملح وأهم من ذلك كله الماء و ربما النفط في أقصى شمالها، وتقع ضمنها نقطة جمارك حمرة الشيخ التي تمر عبرها البضائع من و/أو إلى ليبيبا؛ وتتمتع باستقرار وتجانس لا يتوفر لغيرها، وفيها كوادر وكفاءات إدارية عالية، وهي بالتالي تملك مقومات توفر التمويل اللازم للصرف على تطويرها و تنميتها وإدارتها. كما أن بها عدداً من المحليات و نسبة من السكان تأهلها لأن تكون كياناً منفصلاً( ولاية بحري كردفان)، وهي وحدة إدارية معروفة تاريخياً ولكنها حرمت من التنمية و الخدمات مثل الكهرباء و الطرق والمنشآت الصحية والتعليمية على الرغم من إسهامها بقدر كبير في ميزانية الولاية؛ ولذلك يحق لأهلها المطالبة بمثل ما يطالب به الآخرون خاصة وأننا قد ظللنا عبر كل التشكيلات الولائية السابقة محرومين من المشاركة لأن أصحاب الشأن قد"وضعوا رؤوسهم في مخلاة غيرنا" واستخدموا أسلوب التواطؤ المكشوف خوفاً على مواقعهم ومكاسبهم الشخصية و القبلية. ومع ذلك فإننا لا نريد تمزيق الولاية على أساس قبلي و إنما سنظل نطالب بأن تنال كل منطقة نصيبها من الثروة والسلطة والتنمية دون إقصاء لجهة أو مجموعة على حساب الأخرى لأن الله إنما جعلنا شعوباً وقبائل لنتعارف لا أن "يتشاطر" بعضنا على بعض!





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1344

خدمات المحتوى


التعليقات
#379479 [قش]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2012 02:48 PM
لم يفتر حماس عدد من مواطني محليات ولاية شمال كردفان لجهة مطالبتهم بقيام ولاية اختاروا لها اسم النهود ومضوا في اتجاه أحقية المنطقة المذكورة باحتضان ولاية جديدة مستحدثة من شمال وجنوب كردفان والأخيرة تم الترتيب بأن تُنزع منها ولاية أخرى هي غرب كردفان التي ضُمت إليها عقب اتفاقية السلام.. هذه المطالبات وإن كانت مختلطة بين العاطفة والواقعية إلا أن الأمر يستحق الوقوف حياله سيما وأن مطالبات خجولة برزت قبل فترة من بعض مواطني محلية المناقل مطالبين بولاية مؤكدين أحقية المنطقة بالمطلب وتوفر مقومات قيام ولاية بمعزل عن ولاية الجزيرة.
وربما تبرز مطالبات جديدة في مقبل الأيام وكلها تأتي في سياق التسابق نحو السلطة والثروة خاصة أن نظام الحكم والإدارة الحالي سهل كثيرًا وأعان المواطن على قضاء حاجاته.
من حق المواطن وفي كل مكان أن يطالب بحقوقه شريطة أن لا تقوم تلك المطالبات على أساس تُشتم منه رائحة الجهوية مثلما يتضح الآن بشأن الولايات المذكورة بالإشارة إلى ما تم في دارفورمن تقسيم.


#376342 [ام الغايب]
0.00/5 (0 صوت)

05-27-2012 11:13 AM
نشكر الاخ التجاني علي هذا الاقتراح ولكن هل يجد اذن صاغيه فالحقيقه ليست في رؤية ماهو امام عينيك وحسب بل انمافي التكهنات التي ستحدث فيا قش مناطق شمال شمال كردفان هي من المناطق المهمشه تهميشا كليا وذلك لعفوية اهل تلك المناطق فالذين يمثلون مناطق دار حامد من داخل الحكومه كثر ولكن لاوجود لهم في ارض الواقع رقم الحصافه والثقافه والتعليم والقبول ولكن .............. مايو اتولد لهذه العنصريه والقبليه فلك التحيه


#374453 [ابو حازم]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2012 07:04 PM
لك التحية أخي محمد وأنت تحزن بل وتتفطّر جراء ما يصيب وطننا العزيز من التمزق والتشقق والتحلحل، ولقد قلت الحق في مقالك هذا لمن يسمع أو يعقل أو يعي إن كان موجودا! نعم إن حكومة الإنقاذ هي الراعي الرسمي لهذا المنحى الخطير ، منحى التشرزم القبلي ؛ فما ظهور ( الكتاب الأسود ) إلا ردة فعل مبكرة لهذا المنحى في تسعينيات الإنقاذ .
وهذا المنحى القبلي الجهوي محصور في ولايات بعينها تستهدفها الإنقاذ ؛ انظر إلى جارتنا ولاية دار فور التي كانت اقليما واحدافي السابق، بينما اصبحت الان خمس ولايات ، اما الاقليم الشمالي بمساحته الشاسعة فيضم ولايتين فقط الان ! لماذا لم يقصر فيه الظل الاداري ؟؟؟
أما كردفان ، فيتجه بها هؤلاء الانقاذيون - الذين لا يأبهون بالغرّابة - إلى التقسيم إلى خمسة أشطر ؛ شمال ، وجنوب ، وغرب ، وشرق ، ووسط، لتنطوي كل محموعة من القبائل على نفسها وتتقاتل مع جارتها في الحدود والرعي ،وينعم السلطان في الخرطوم بانشغال الناس عنه ، وهكذا هو المخطط ...


محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة