كان ياما كان .. والحاصل الآن !
06-04-2012 12:38 PM

كان ياما كان .. والحاصل الآن ..!

محمد عبد الله برقاوي..
[email protected]

ربما يعتبر الكثيرون العودة الى الماضي ولو باجترار الذكريات ، حلوها ومرها هو ضرب من النكوص و هروبا الى الخلف من الحاضر ونائيا مضاعفا عن استشراف المستقبل!
لكن وللحقيقة ، فلسنا هنا في موقف التحجر في الماضي لمجرد الحنين ، اذ اننا ندرك أن ما مضى لن يعود ، هذا بالطبع قياسا الى القاعدة العامة ، بيد أنه في جزئية تنظيم الحياة فان قراءة سطور من الماضي لا ضرر فيها بل لابد ان نحن أمعنا النظر بعيون العقل فلابد أن نجد فيها من الدروس والعبر ما يساعد في مراجعة نمط الحياة الحالي ويؤسس لبناء مستقبل أفضل !
حينما رحل الاستعمار عن سوداننا الذي يفترض أن استقلاله الوطني كامل الدسم بالنظر الى كونه ينشد نحن جند الله جند الوطن صباحا ومساءا ويرتفع علمه فوق ساريات الدوائر والقصر والسفارات!
ترك ذلك الاستعمار تقسيما اداريا للسودان قوامة تسع مديريات يقوم على رئاستها محافظ من الخدمة المدنية ، ولكنه بهيبة رئيس دولة ، يتدرج تحته ضباط مجالس وعدد قليل من الأفندية يعاونهم رجال الادارة الأهلية من النظار والعمد ومشايخ القرى والدساكر والفرقان فيما يتعلق بجمع القطعان والعشور والعتب و حتى في حفظ الامن!
وكانت الحياة تسير في دقة الساعة وللعمل الحكومي وقاره واحترامه دون ارهاب أو خوف ، لان المواطن كان يتلقى خدماته كحق أصيل مقابل ما يقدمه من واجبات !
الدواء يصل الى الشفخانات ونقاط الغيار والمدخلات الدراسية تأتي دون أن يتعقبها الناظر ولا غيره من المواطنين الى درجة الترف في المعدات الرياضية ومجلات عمك تنقو للتثقيف ، والداخليات تأوى الطلاب القادمون من القرى البعيدة ويوفر لهم متعهد الأغذية الأكل المدعم بالفاكهة ، والمستشفيات مسئؤلة عن صحة المريض استضافة ودواء واغذية ونقله باسعافها ! دون أن يطلب منه توفير ثمن الوقود !
سار ت الحياة على هذا المنوال ولم تغير فيه فترة الديكتاتورية الأولى ايام الفريق عبود ، الا مسمى المحافظ الذي أصبح الحاكم العسكري وبقيت كل التركيبات الادارية الأخرى على حالها ، واستمر الوضع بعد ثورة أكتوبر !
ثم جاء حكم النميرى وأبقى عليه الى حين ، ثم بدأت سكين التقسيم للغرض السياسي تفعل افاعيلها ، لاسيما بعد أن انقلب النميري على اتفاقية أديس ابابا التي أرست دعائم السلام لعشر سنوات ، وقبلها لعب قليلا الدكتور جعفر محمد على بخيت بسياسة ما سمي بالحكم الشعبي الاقليمي الذي هو من حيث التنظير لا بأس به ولكنه أخفق في الجانب التطبيقي لان المرامي السياسية وليس توصيل الخدمات كانت من أهم دوفع نشأته وقد صوّر لهم شيطان المغازلة بالخلود في السلطة أن تقطيع الأوصال يفضي الى دوام الحال ، الذي هو من المحال بالطبع !
الان الانقاذ جعلت من جسد السودان حقلا لتجارب عملياتها الجراحية المؤلمة ، تارة بدعوى تقصير الظل الاداري الذي اصبح طوله أضعاف حائطه المائل ..و صار ما تبقى من أرض وشعب السودان المستقل شكلا والمستعمر مؤتمريا في مضامينه وسرقة امكاناته ، مقسمين الى ما يقارب العشرين ولاية ( ولسه جكسا ماشي ) يقوم على كل ولاية ، والى ، ومجموعة من المعتمدين والمستشارين وعشرات من أعضاء المجالس التشريعية والوزراء الولائيين وجيش عرمرم من الموظفين والعربات ذات الأعلام والعلامات و صفوف من الارتزاقيين المحسوبين كمثليين شعبيين ويتقدمهم كوادر الحزب الحاكم بالالاف ، هذا فضلا عن حكومة مركزية من عشرات الوزراء ووزراء الدولة وبرلمان اتحادي ومجلس ولايات بعدد طلاب جامعة من جامعات الرواكيب التي ملأت المدن حتى الصغيرة منها !
هذا فضلا عن وكلاء الوزارات والمساعدين لهم ، ومع ذلك فلا خدمة واحدة تصل الى المواطن يتناولها من هذا الجيش المهول !
رغما عن كل هذا تتحدث الدولة الرسالية عن رفع الدعم الوهمي أصلا عن المحروقات ، وما المحروقات الحقيقية الا قلوب الشعب من كل هذا العذاب الاداري والمناصب السياسية والترهل التشريعي و شواغر الترضيات التي تمتص المال والمحروقات وتضيع زمن الوطن بالخطب والضحك على المواطن !
نريد أن نعود الى عهد التسع مديريات والعدد القليل من الضباط الادارين وعد مخلص من الوزراء المركزيين ، فالتقشقف الحقيقي يبداء بالجانب الراسي من الدولة ثم يتنزل على الصعيد الأفقي لجماهير الأمة !
صحيح نحن نعلم أن تعداد المواطنين أختلف عن ذلك الزمان وعدد المدارس ليس كما كان ولا أعداد الطلاب ولا مرضى المستشفيات ونوع مسببات المرض وفقع المرارة تكالب على الأجساد والأرواح أضعاف ما كان عليه قبلا ، ولكن ليس من المعقول أن يكون السلم الادارى أطول من كل تلك السقوف وبكل هذه الكلفة ، ثم تأتي الدولة ببساطة لتضع كل ثقل قدح مونة تلكفتها على كاهل المواطن الضعيف وتطلب منه الصعود به وحيدا لترقيع سباليق وسقف اقتصادها المتهالك !
لم نسمع في بريطانيا التي تركت لنا ارثها من الخدمة المدنية والادارية أن قامت بالحياد عن عراقة نظامها لا عتبارات سياسية ولا مزاجية !
كل شيء ظل ثابتا في اطاره العام بغض النظر عن تبدل الحكومات بين الحزبين الكبيرين، نعم هي تتطور فيه تماشيا مع متطلبات الظروف والزمن ولكن دون المساس بجوهره أو زيادة تكلفته ، بل بالضغط عليها حتى لا يتطاير رذاذها ايذاء للمواطن في جيبه أو التأثير على انسيابية خدماته كما وكيفا !
اذا كانت الدولة الخالدة حكما وحزبا وجماعة جادة فيما تقول أو حتي خائفة على بقائها على الأقل فلتبدأ بنفسها بدءا برئيس الجمهورية ، وليخرج لنا ويقول أنه خفض مرتبه ومخصصاته وقلص عدد الوزراء الاتحاديين الى عشرة ودمج الولايات وعصر المعتمديات ولّصق المحليات و اقال كل جيوش التبطل و اعاد عرباتهم و بيتوتهم وبدلاتهم الى بيت مال الخلافة !
ولن نزود المحلبية بان نطلب منه تسريح الجيش والدفاع الشعبي مرة واحدة لاننا لن نبلغ درجة سويسرا التي ليس فيها حروب ولم تبشر بزال أمريكا عن الخارطة برفع الأصابع وتنكيس السلاح المصوب فقط لأطراف الوطن !
طبعا كل ذلك الكلام هو بندق في بحر ، والانقاذ ستنفذ ما تريد ، فوزير المالية ، صاجاته جاهزة لعواسة القرارات، والبرلمان أكفه الدافئة على أهبة الاستعداد للتصفيق الحار بيد على ظهر الحكومة تربيتا ، وأخرى على خد الشعب استفزازا ، أما ظهر الشعب فعلي انحناءاته الطويلة ، فليس أمامه الا حمل المزيد من الأعباء انابة عن كوادر النظام المرطبة ، والمجهدة بالسير الطويل خدمة للمواطن من خلال الظل الادارى البارد ، تاركة لبقية الشعب كل مساحات الشمس الحارقة ، جزاها الله عنا ما يناسبها من جزاء هو أعلم به سبحانه تعالى ..
، انه المستعان ..
وهو من وراء القصد..

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1691

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#383720 [ابو كوج]
0.00/5 (0 صوت)

06-04-2012 07:59 PM
علي فكرة تعليقي لا صلة بالموضوع غير اجترار الذكرى كما ارادها البرقاوي ولكم اجتراري
ظل رجل ولا ظل حيطة
قلت لها ما بالك لو وجدتني وقد عدت سنوات الي الوراء يوم ان كنت في ليلة الزفاف مثلا ’ أكنت تقبلينني بعلا لكي قالت وبلهفة ودون تفكير (هو أنا أطول ) ولما ألقت علي نفس السؤال وهي تشترط على قسم الصدق قلت لها ربما ولما تذكرت بقسم الصدق في ردي قلت أصدقك القول لا لم أكن لأقبل ان اربط عمري بواحدة أكل عليها الدهر وشرب هكذا إذن قالت ممتعضة أدركت انزعاجها قلت يا حبيبتي أتدرين أن الله حينما خلق البشر بدا خلقه بآدم أي بالرجال ثم خلق من الرجال شقائقهم فكانت حواء قبلها آدم وهام بها لأنها كانت يانعة بديعة ولا شك أنها كانت تصغره سنا ورقة وهكذا‘‘‘‘ولهذا تجدين النساء يقبلن الرجال في أي عمر وفي أي هيئة فشروطهن أن يجدن الأمان والحنان من بعولهن أما الرجال فأنهم يشترطون في حلائلهم أوصاف خارجية مثل جمال العينين وسواد الشعر والقوام القد والخصور الضامرة وهكذا ولما تنزوي هذه المظاهر البالية يمل بعض الرجال ويبدؤون بحثا عن تلكم الصبايا صغيرات العمر فارعات الطول ذوات الخدود الندية والوجوه البهية والقوامات الغض تأملت في وجهي مليا فأردفت حامدة شاكرة لله هكذا آذن الحمد لله الذي أطاح أسنانك واسقط شعر راسك والم بك أوجاع الظهر وضعف النظر حتى أكون لك حليلة الي مثواك الأخير ضحكت وقلت إما قلت لك أنكن تقبلون الرجال ما بقينا أحياء حتى ولو فقدنا اعز ما لدينا صحيح قولكن ظل رجل ولا ظل حيطة وحاولت ان أداعبها إلا أن النعاس كان قد غلب علينا فنمنا كما ينام الأطفال
ابوكوج


ردود على ابو كوج
United States [مصطفى..] 06-04-2012 09:08 PM
برضو يجي منك ومن قصتك القصيرة الظريفة في اجترار ذكريات الفحولة والزمان الغض .. وهي تصب في مجرى الموضوع كضربة حرة غير مباشرة ، ليست ببعيدة عن اجترار وجع القلوب الذي كتب قدرا على ناس البرقاوي وعلينا .. لكم جميعا تحياتي ..


#383612 [وحيد]
5.00/5 (1 صوت)

06-04-2012 04:57 PM
حتى المستشفيات التي كان لها مدير واحد و مدير طبي اصبح بها عشرات المديرين، فلكل قسم مدير طبي بمخصصات مدير و عشرات المدراء الاداريين من متبطلي الحزب الحاكم بكامل عرباتهم و مخصصاتهم و كلهم يصرف عليهم من ميزانية المستشفى و يزداد الصرف عليهم كل عام بينما يقل الصرف على خدمة المريض! انظر الى حال اي مؤسسة و عدد المديرين فيها و عدد مهول غيرهم ليس لهم مسميات وظيفيو محددة و لا وصف وظيفي واضح و لكن تجدهم يسيرون الهوينا على طريقة تمكنا و يصرفون الحوافز و يركبون سيارات حكومية بنمر بيضاء يملكونها لهم لاحقا و ياخذون وقودها على حساب المصلحة الحكومية!
و لا تسل عن مستشاري الرئيس و مستشاري الولاة و مستشاري المعتمدين و لا تسل عن المساعدين و لا تسل عن الخبراء الوطنيين و لا مديري مكاتب المديرين و السكرتاريا .. اصبحت ميزانيات المؤسسات الحكومية بالكاد تكفي مخصصات هؤلاء... و اصبحت كل المؤسسات الحكومية لخدمة التنظيم و مواليه و لا تكلف نفسها عناء التفكير حتى في خدمة الشعب.....
هل ذكرت شيئا عن الذين يجمعون عدة مناصب كما يجمعون عدة زوجات؟


#383409 [الزول الكان سَمِحْ]
5.00/5 (2 صوت)

06-04-2012 01:27 PM
يا جنا البرقو

كان ياما كان فى جميل الأيام ..بلد إسمو السودان ..قدحاً للضيفان

فأصبح فى هذه الزمان ( السوء دان ) وقبراً للإنسان


محمد عبد الله برقاوي.
 محمد عبد الله برقاوي.

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة