المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
مــن تـجـارب الشعــوب.. التجربة الهندية
مــن تـجـارب الشعــوب.. التجربة الهندية
09-26-2010 03:21 PM

راي 4

مــن تـجـارب الشعــوب.. التجربة الهندية

ابراهيم الامين

الدولة الوطنية في آسيا وأفريقيا مواجهة بأزمات كثيرة ومعقدة أخطرها... هشاشتها وعدم قدرة بعضها على حماية وحدة ترابها وتماسك مجتمعها، والأمثلة كثيرة ففي نيجيريا تمكنت الدولة المركزية مع قلة مواردها (قبل اكتشاف البترول) من إنهاء التمرد في بيافرا، والمدهش حقا ًأن للسودان الذي قدم لها طائرتين مقاتلتين دور في انتصاراتها، وحافظت الكنغو على الأقل شكلياً على وحدة أراضيها... وفقدت الصومال مع تجانس شعبها لغياب الدولة المركزية... القدرة على حماية وحدة الأراضي الصومالية المتنازع عليها من قبل لوردات الحروب وزاد من تعقيد الأزمة الصومالية تدخل دول الجوار والأسرة الدولية إضافة إلى أصحاب الآيديولوجيات المتطرفة. ومن التجارب التي تحتاج منا نحن في السودان لدراسة معمقة... تجربة العراق، ففي العراق حالة شبيهة إن لم نقل مطابقة لما يحدث في السودان.. الجغرافيا.. تدخل دول الجوار... قضايا المياه... التعدد الأثني والتنوع الثقافي.. مشكلة كردستان.. والترتيبات التي قامت بها الولايات المتحدة لحماية مصالح الأكراد قبل وبعد غزو العراق.. ولممثل الولايات المتحدة الحالي في السودان دور في حماية سماء كردستان العراق قبل، حرب الخليج الثالثة في عام 2003م. وفي السودان اليوم توصف منطقة أبيي بأنها كركوك السودان!!
أما التجربة التي سيتناولها هذا المقال بالتفصيل لأهميتها هي التجربة الهندية، وكما هو معروف فإن الخريجين في السودان قد تأثروا بتجربة المؤتمر الهندي، وتعرَّضَ مؤتمرهم في السودان لنفس الانقسامات التي أصابت حزب المؤتمر الهندي وإن اختلفت الأسباب.
ففي شبه الجزيرة الهندية بدأ الصراع بين المسلمين والهندوس لأسباب اجتماعية وليست دينية، لأن الهندوسية نظام حياة وليست ديانة بالمعنى التقليدي. ففي الهند ساعد تحول سلاطين المغول إلى الإسلام في انتشار الإسلام وفي زيادة شوكة المسلمين الذين تولوا مناصب قيادية وتمكنوا من التحكم في التجارة والاقتصاد إلى أن جاء الإنجليز لشبه القارة الهندية في عام 1858م وأخضعوها للتاج البريطاني. عندها حدث التحول في مراكز القوة لصالح الهندوس.
رفض مواطنو شبه القارة الهندية للوجود الأجنبي توج بتأسيس حزب المؤتمر الهندي الذي قاد المقاومة في عام 1885م ومنح المسلمين والهندوس فرصة تاريخية للانصهار في بوتقة واحدة حيث جمعهم في ذلك الوقت الشعور المشترك ضد الهيمنة البريطانية، وكما هو الحال في كثير من الأحزاب التي قادت النضال ضد المستعمر لوجود تيارات في داخلها وهذا شيء طبيعي. حدث انقسام في حزب المؤتمر الهندي عام 1907م حول السياسات الواجب اتباعها تجاه الاستعمار البريطاني. وخرج من عباءته جناح معتدل قاده جوبال كريشنا جوخال وآخر مشدد بقيادة بال خانجار دار تيلاك. ودخل الجناحان في صراعات وجدت التشجيع والرعاية من البريطانيين، معها ضاعت قضية التوحيد بين المسلمين والهندوس وفي عام 1913م حدث تطور جديد كان له مردود سلبي على وحدة الشعب في شبه القارة الهندية ففي هذا العام انسحب محمد علي جناح من حزب المؤتمر الهندي وأعلن عن انضمامه إلى حزب الجامعة الإسلامية المدافع عن حقوق الأقلية المسلمة في شبه القارة الهندية التي كان تعدادها قد وصل آنذاك إلى 70 مليون مسلم وذلك بسبب المخاوف التي انتابت المسلمين من الأغلبية الهندوسية.. وفي عام 1916م تم اختيار محمد علي جناح رئيساً لحزب الجامعة الإسلامية وهو العام الذي بدأت تتبلور فيه فكرة إقامة دولة مستقلة للمسلمين في شبه القارة الهندية وفيه تم الوصول إلى اتفاقية «لوكناو» بين الهندوس والمسلمين وكانت بمثابة التدشين الفعلي لعملية التقسيم.. نظراً لأنها أقرت بأن تكون هناك دوائر انتخابية خاصة بالمسلمين لضمان تمثيلهم في البرلمان.
وبعد عام من تولي محمد علي جناح لقيادة حزب الجامعة الإسلامية انعقد مؤتمر استكهولم الذي أضاف بعداً جديداً لقضية الانقسام في شبه القارة الهندية ففي المؤتمر طالب وفد مسلمي الهند بإقامة دولة مستقلة للمسلمين.. دون أن يجد هذا الطلب أي استجابة من بريطانيا التي قدمت لها شبه القارة الهندية دعماً مادياً وبشرياً في الحرب العالمية الأولى.
أما التطور الأبرز في تاريخ الهند الحديث هو ظهور أعظم قادتها على الإطلاق.. المهاتما غاندي.. وتوليه زعامة حزب المؤتمر الهندي في عام 1920م.. قيادة غاندي وهو صاحب رؤية كانت نقطة تحول أساسية في مسيرة الهند، حاول الرجل منذ اليوم الأول جمع كلمة مواطني شبه القارة الهندية، فالقضية المركزية في نظره هي مقاومة الاحتلال، ولضمان تحقيق هذا الهدف لا بد من توحيد الهندوس والمسلمين، لذلك رفع غاندي هذا الشعار وبذل جهوداً مقدرة لإقناع زعماء المسلمين وفي مقدمتهم محمد علي جناح للعودة إلى حزب المؤتمر الهندي.
لم تنجح محاولات غاندي رغم موضوعيتها لتشدد بعض القيادات من الجانبين. فالهندوس من جانبهم رفضوا أن تكون اللغة الأوردية التي يتحدث بها معظم المسلمين أن تكون واحدة من اللغات الرسمية بعد الاستقلال، ورفضوا أيضاً تقديم أي تنازلات قد تصبح بسببها الوحدة جاذبة كما نردد نحن هذه الأيام.. تنازلات تقنع مسلمي الهند للوقوف مع الوحدة.
أدى هذا التشدد من الجانبين إلى زيادة حدة الخلافات بينهما وإلى أن تلعب بريطانيا صاحبة المصلحة فيها دور في تعميقها وفي جني ثمارها.
وصلت هذه الخلافات إلى ذروتها في الحرب العالمية الثانية عندما قرر حزب المؤتمر الهندي بزعامة غاندي... وتلميذه جواهر لاي نهرو الوقوف على الحياد وعدم تأييد بريطانيا والحلفاء... بينما وجد حزب الجامعة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح أن مساندة بريطانيا أمر ضروري... أملاً أن يدفع هذا الموقف بالسلطات البريطانية... لتقسيم شبه القارة الهندية وهذا ما حدث فعلاً عام 1947م... فقبل ذلك التاريخ وفي عام 1946م اضطر الزعماء الهندوس الإقرار بمبدأ تقسيم شبه القارة الهندية عندما اكتسح حزب الجامعة الإسلامية المؤيد لهذا المبدأ جميع المقاعد المخصصة للمسلمين في الانتخابات التي جرت في ذلك العام... وأحسوا أيضاً باستحالة بقاء الهندوس والمسلمين في كيان واحد، فاضطروا للقبول بفكرة التقسيم والدخول في مفاوضات شاقة مع اللورد لويس مونتباتن الحاكم البريطاني...وتم ميلاد دولتي الهند وباكستان في أغسطس 1947م.
كما هو متوقع فإن انفصال الدولتين لا يعني نهاية الأزمات في البلدين... فقد كانت الولادة عسيرة إذ جرت على أساس فصل الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة عن نظيراتها الهندوسية مما اضطر الأقليات الهندوسية في المناطق المسلمة... والأقليات المسلمة في المناطق الهندوسية... للنزوح... وبالتالي شهد العالم أكبر عملية نزوح جماعي في التاريخ شملت حوالي 17 مليون نسمة مازال بعضهم حتى اليوم يشعر بالغربة في موطنهم الجديد... ففي باكستان ملايين من الأشخاص في منطقة البنجاب يطلق عليهم حتى اليوم اسم المهاجرين... وهناك دليل آخر على أن الانفصال لا يعنى نهاية سعيدة هو ما حدث بين الهند وباكستان من حروب وقضية كشمير مازالت معلقة وقابلة للانفجار في أي لحظة... ومن آثار الانقسام السلبية على باكستان أنها تشكلت من إقليمين... منفصلين أحدهما في الشرق والثاني في الغرب وكانت هناك صعوبة في توحيدهما... هيمنة الجناح الشرقي من باكستان على الغربي الذي توجد فيه أغلبية من القومية البنغالية... زاد من حدة الصراع بين الإقليمين لينتهي الأمر في عام 1971م بظهور دولة جديدة في باكستان الشرقية «دولة بنغلادش».
في باكستان نتيجة للتدخل المستمر للقوات المسلحة في السلطة تعرضت الأنظمة التي حكمتها ديمقراطياً إلى هزات عنيفة أثرت سلباً على استقرارها وأدت إلى تعثر مشروعاتها التنموية... أما في الهند التي توصف بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم... نجد أن الوضع مختلف... لقد اكتسبت الديمقراطية الهندية شهرتها من كونها أثبتت زيف الربط بين غياب الديمقراطية وبين الاستقرار السياسي وتأكيدها على معنى أن الديكتاتورية والشمولية ونزعة التسلط السياسي والثقافي ليست قدراً معلقاً في أعناق الشعوب الفقرة وذلك برغم كل ما يموج به المجتمع الهندي من تناقضات اجتماعية ودينية وعرقية ولغوية ونزعات انفصالية... ومن ثم كانت الديمقراطية الهندية مثلاً يحتذى به في دول العالم الثالث حيث أثبتت فعاليتها... وتميزت بالآتي:
1. التداول السلمي للسلطة... بفضل احترام الأحزاب والقوى السياسية الهندية لقواعد اللعبة السياسية... ففي عام 1975م شهدت ولاية كيرلا في الهند انتقال السلطة فيها من حزب المؤتمر إلى الحزب الشيوعي الهندي بعد فوزه في الانتخابات وهو الأمر الذي اعتبر في حينه أول تجربة في العالم يتولى فيها حزب شيوعي الحكم في ظل نظام برلماني... وتوالت عملية انتقال السلطة في الولايات في أعقاب وفاة نهرو وتدهور مكانة المؤتمر في ظل قيادة أنديرا غاندي ومن بعدها راجيف غاندي... هذه الظاهرة تبلورت ملامحها بوضوح في تسعينات القرن الماضي بفضل العديد من العوامل ذات الصلة بانتهاء ظاهرة الحزب المسيطر في السياسة الهندية وتصاعد نفوذ الأحزاب الإقليمية وهي الظاهرة التي كانت لصيقة بحزب المؤتمر الهندي منذ الاستقلال مما جعل الديمقراطية الهندية أكثر تنافسية ومشاركة بفضل ما تفرضه من قيود على سلوك الأحزاب.
2. نزاهة الانتخابات... تتسم الانتخابات الهندية بصفة أنها دورية ومنتظمة وتنافسية إذ يتنافس فيها أكثر من 20 حزب على المستوى القومي... إلى الحد الذي جعل الهند حالة نادرة في العالم الثالث... ومن ميزاتها أيضاً خضوعها لإشراف لجنة قومية يتمتع رئيسها وأعضاؤها بصلاحيات واسعة وبحصانات وضمانات تمكنهم من أداء عملهم على الوجه الأكمل ومن بينها النظر فيما يحدث من تجاوزات أو ممارسات غير قانونية خلال العملية الانتخابية. ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به اللجنة من إعادة عملية الاقتراع في دائرة ميهام الانتخابية بولاية هاريانا... عندما اتهم نجل رئيس الوزراء في حكومة الأقلية التي تزعمها فيشوانات براتاب سينغ بالتزوير في نتائج الانتخابات التي أجريت في فبراير 1990م لضمان فوزه بمنصب حاكم الولاية خلفاً لوالده الذي اشترك في الحكومة الفدرالية... وفي انتخابات 1993م ببعض الولايات الشمالية للهند... وكان للإجراءات التي اتخذها رئيس لجنة الإنتخابات... واشكان المشهور بصرامته أثرها في زيادة نسبة التصويت في ولاية أوتار براديش بنسبة 10% حيث قام بفرض إرادته على القيادات الأمنية وإجبار الوزراء والحكام على الالتزام بالقوانين ومن أبرز الأدلة على نزاهة الانتخابات في الهند هزيمة السيدة أنديرا غاندي... في دائرتها في انتخابات 1977م بولاية أوتار براديش أمام منافسها ومرشح المعارضة راج ناريان... وكذلك فوز المتهمين بقتلها في عام 1989م.
3. التزام القوات المسلحة في الهند بالحياد في العملية السياسية... فالهند لم تشهد أية محاولة من قبل العسكريين للتدخل في السلطة... حيث التزمت القوات المسلحة بمبدأ خضوع الجيش للقرار المدني ومن ثم طالبوا الحكومة الهندية بعدم استخدام الجيش في التعامل مع الأحداث الداخلية للحيلولة دون تسييسه... خوفاً من تؤدي تعقيدات المجتمع الهندي وتناقضاته في ظل نظام شمولي تسلطي إلى تفتيت المجتمع بإدخاله في دوامة العنف والحروب الأهلية... وفي الذاكرة تجربة باكستان وبنجلادش.

الاحداث





تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1359

خدمات المحتوى


التعليقات
#27314 [سيف]
0.00/5 (0 صوت)

09-26-2010 09:53 PM

نسأل ونستفسر من المختصين واهل العلم الرائ - لكي يطمئن قلبي - لماذا لم تنجح الديقراطية في كل الدول الاسلامية ، وحتي اذا وجدت فهي ديمقراطية مزيفة .
نرجو الافادة


ابراهيم الامين
ابراهيم الامين

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة