07-05-2012 09:45 PM

قراءة ثانية لأزمة المناطق المهمشة فى السودان :
جبال النوبة والفونج ودارفور ... قضايا أرض وهوية – (6-9)

عادل إبراهيم شالوكا
[email protected]

إعتذار وتصويب واجب :-
تُعتبر قضايا الأرض والحواكير وملكيتها واحدة من أكثر مشاكل البلاد تعقيداً, ولا سيما فى المناطق المهمشة بصورة عامة ودارفور على وجه الخصوص التى شهدت صراعاً ونزاعاً حاداً حول الأرض والموارد مما جعل حسمه فى غاية الصعوبة طيلة الفترة الماضية منذ إندلاع الحرب فى العام 2003م, فقد وُقِّعت العديد من الإتفاقيات والمعاهدات دون أن تراوح الأزمة مكانها, وفى إطار هذا الملف الذى أعددناه لملامسة أكثر القضايا حساسيةً بقدر متواضع من الجرأة والوضوح, فقد وردت بعض الأخطاء فى المقال رقم (3-9- ب) بتاريخ الأربعاء 27 يونيو 2012م, مما أدى إلى إحداث ربكة وسط أهلنا بدارفور حيث فُهم من السياق أن بعض المجموعات المُكونة للإقليم هى المالك الوحيد للأراضى والحواكير بإعتبارها الأكبر حجماً, ومسألة حجم المجموعات السكانية - برغم ورودها فى بعض المراجع مثل (السودان : حروب الموارد والهوية – للدكتور/ محمد سليمان محمد) - يُعد محل جدال مستمر ما لم يتم إجراء تعداد سكانى علمى حقيقى يعترف به الجميع, أما مسألة الحواكير فقد تطرقنا لحواكير المناطق الواقعة فقط فى جنوب دارفور كضرب مثال, وكان يلزم التطرق للمناطق الأخرى بشكل واضح والمجموعات السكانية المالكة للأراضى والحواكير فيها, وهذا تقصير وخطأ مرده شح المراجع والمصادر الموثوقة, ولكن وجب عليه الإعتزار والتصويب, وننوِّه القُرَّاء بإن المراجع التى إعتمدنا عليها فى هذه الملفات منذ البداية (1-9) سنوردها فى خاتمة المقلات (9-9), والنقطة الثانية : ليس كل المجموعات المحسوبة على الحكومة قد شاركت فى الفظائع التى وقعت فى الإقليم, بالإضافة إلى إن بعض المجموعات التى تعرضت لهذه الإنتهاكات قد شارك أبناؤها أيضاً فى هذه الكوارث مثل المجرم أحمد هارون الذى أثار دهشة أوكامبو وهو يصفه فى صحيفة الإتهام التى رفعها لمحكمة الجنايات الدولية بإنه ينتمى للقبائل الزنجية فى دارفور التى تعرضت للإبادة والتطهير العرقى ..!! ولا زال "هارون" يمارس نفس السياسات فى جبال النوبة, ولكن فى النهاية تظل الحقائق التاريخية كما هى لا يمكن تغييرها, ولا يجب تحميل مسئوليتها للجميع طالما هنالك من يقف ضدها ويرفضها من جانب كافة الأطراف, وهذا هو موقفنا, نشكر رابطة أبناء دارفور بدولة جنوب السودان المتابعين للملف بإهتمام الذين أفادونا وبعثوا إلينا الكثير من المعلومات المهمة سنقوم بإستعراضها لاحقاً, و هذه المحاولة هدفت فى المقام الأول لإلقاء حجر صغير فى بركة المياه الساكنة لتحريكها ومن ثم فتح النقاش والحوار حول هذا الملف الحيوى الدقيق للوصول إلى الحقائق رغم الإختلاف حولها حالياً, ولكن بمرور الزمن حتماً سيصل الجميع إلى قواسم ومواقف توافقية تفتح الطريق نحو الحل الشامل للأزمة التاريخية بالإقليم, كما نُشيد بتجربة الرابطة الفريدة والمتميزة فى جمع وتوحيد جميع مُكونات الإقليم فى كيان إجتماعى عملاق يعنى بشئون أبنائه ويعكس تراثه وثقافاته ويُوحد جهودهم نحو بناء وإعمار دارفور, متمنياً أن يتم نقل هذه التجربة المتميزة إلى بقية دول المهجر ومن ثم نقلها إلى الإقليم, كمبادرة للحقيقة .. والإعتراف .. والمصالحة .. والتعايش.
حروب مستمرة و أرض محروقة – (Burning Land) :-
لقد واجهت مناطق جبال النوبة والفونج ودارفور حروب إبادة وتطهير عرقى فى إطار سياسة الأرض المحروقة (Burning Land) بصورة مستمرة منذ الحرب الأولى فى جبال النوبة والفونج (1984 – 2005) والحرب الثانية (يونيو 2011 - جبال النوبة) و (سبتمبر 2011 - النيل الأزرق), والحرب فى دارفور منذ العام 2003 , حتى وصل الأمر درجة مواجهة رموز الحكومة الحالية للعدالة الدولية لما إرتكبوه من جرائم بشعة فى حق هذه المناطق, ويقدر عدد القتلى والنازحين واللاجئين فى هذه المناطق على النحو التالى :-
أولاً : دارفور :
يُقدَّر عدد القتلى فى دارفور فى الفترة بين (2003 – 2007م) بحوالى (300,000) حسب الإحصائيات الرسمية للأمم المتحدة, وعدد النازحين على النحو التالى :
شمال دارفور : 508,499.
غرب دارفور : 747,912 .
جنوب دارفور : 141,074.
وتشمل هذه الأرقام النازحين بالمعسكرات داخل ولايات دارفور, واللاجئين فى الدول المجاورة.
النيل الأزرق :
يبلغ عدد النازحين داخل مناطق النيل الأزرق على الحدود الأثيوبية بحوالى (19,000) نسمة, أما عدد اللاجئين فيوجد فى منطقتى بنى شنقول والقُمز الإثيوبيتين, حوالى ( 36,527) لاجئى, وتُقدر المفوضية السامية لشئون اللاجئين مجمل أعداد اللاجئين الذين فروا إلى جنوب السودان وإثيوبيا بحوالى (200,000) ألف لاجئى.
جبال النوبة :
يوجد فى معسكر " ييدا" بولاية الوحدة بجنوب السودان, حوالى (55,000) لاجئى منهم حوالى (7,000) طالب بمرحلة الأساس وحوالى (4,000) طالب بالمرحلة الثانوية, وهؤلاء تم حرمانهم من المدارس بصورة كاملة, كما يوجد حوالى (75,000) لاجئى فى ولاية أعالى النيل, وفى الولايات الإستوائية بدولة جنوب السودان أيضاً يوجد حوالى (10,000) لاجئى آخر منهم حوالى (1,200) من الخريجيين وحملة الشهادات فقدوا وظائفهم وعملهم بولاية جنوب كردفان وبقية الولايات بدولة السودان عموماً, وتقدر المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أعداد اللاجئين من ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق معاً, بحوالى (1,000,000) واحد مليون لاجئى فروا من الحرب الدائرة فى الإقليمين إلى دول الجوار وخاصة دولة جنوب السودان.

المصدر : (وكالة ( آجي) الإيطالية للصحافة - روما ) بتاريخ : 20/06/2012, و (منظمة إيمد إميونيتى بجنوب السودان) .

وجميع الأرقام الواردة فى هذه المناطق تعتبر غير دقيقة بصورة كافية وذلك لإعتبارات إستمرار الحرب فيها وتغيير الواقع على أرض من وقت لآخر نتيجة للعمليات العسكرية والقصف الجوى لمناطق المدنيين الذى لا زال مستمراً إلى يومنا هذا , ويجدر ذكره هنا إن معظم المناطق التى فر منها المواطنين قد تم نهبها بواسطة المليشيات الموالية للحكومة, وبعضها تم إحتلالها بواسطة الجيش وأُستخدمت كمعسكرات وثكنات, وبعضها تم توطين مجموعات أخرى فيها بعد أن أُحرقت ودُمِّرت تدميراً كاملاً.
حكومة الصادق المهدى و تسليح المليشيات :
إن الدليل على كون الحرب بالنسبة للنخب الحاكمة فى المركز هى سياسة إستراتيجية – هو إن حكومة إئتلاف ما يُسمى بالديمقراطية الثالثة برئاسة الصادق المهدى هى أول حكومة قامت بتجييش بعض المجموعات العربية والزج بها فى دورة الحرب ضد الجيش الشعبى لتحرير السودان الذى كان يقاتل الحكومة المركزية وليس القبائل, وكان هذا الأمر قد تُرك لفضل الله برمة ناصر الذى كان وزيراً للدفاع آنذاك, حيث قام بتسليح هذه القبائل لتقوم بالحرب ضد النوبة بدواعى وجودهم فى الجيش الشعبى من جهة و دعمهم لل"تمرد" من جهة أخرى, كان ذلك عام 1987م بعد سقوط النميرى وتولى حكومة الإئتلاف (حزب الأمة - الإتحادى الديمقراطى) السلطة بعد الفترة الإنتقالية وإجراء الإنتخابات فى 1986م, لم يتغير الحال كثيراً عن فترة حكم جعفر نميرى, فقد إستمرت الحرب فى الجنوب وجبال النوبة التى أصبحت جزءاً من الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان منذ العام 1984م والنيل الأزرق فى عام 1985م, وأُجهضت جميع محاولات حل المشكل السودانى والوصول إلى تسوية شاملة لقضايا هذه المناطق كما ذكرنا فى مناسبات سابقة, وفى هذه الفترة قامت حكومة الصادق المهدى بتبنى إستراتيجية جديدة للحرب ضد الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان, فقد قام وزير الدفاع (فضل الله), بتسليح مليشيات للقبائل العربية وتنظيم قوات (المراحيل) التى قوامها نفس هذه القبائل, وبدأ تدريب المتطوعين في الميادين العامة بمدينة كادقلي وفي جبال شيبون, وبالتالى تم تجييش بعض القبائل العربية وإدخالها فى دورة الحرب لمنع تمدد الحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان شمالاً.
الحرب فى عهد الإنقاذ :-
وفى عام 1988م عندما قاد الميرغنى مُبادرة السلام السودانية التى عُرفت ب(إتفاقية الميرغنى - قرنق) قامت الجبهة الإسلامية القومية بإنقلاب 30 يونيو 1989 لقطع الطريق أمام أى حلول تُفضى لسلام دائم وشامل وقامت بتصعيد العمليات العسكرية وعسكروا جميع المواطنين وفتحوا معسكرات التدريب ووضعوا قانوناً للدفاع الشعبى, وأسسوها كمؤسسة رسمية تعمل جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة, وفعلوَّا الخدمة الوطنية وربطوها بالجيش والعمليات, وجعلوا الحرب دينية (الجهاد) وأصدروا الفتاوى الدينية أشهرها فتوة (الأُبيض) التى أُصدرت بواسطة أئمة المساجد في 27/4/1992م يكفرون فيها مسلمي جبال النوبة الذين إنضموا للجيش الشعبي لتحرير السودان, ويبيحون قتلهم وسبيهم ومصادرة أموالهم, وبعدها صعَّدوا العمليات العسكرية فى المنطقة وإرتكبوا إنتهاكات جسيمة تم توثيقها بواسطة منظمة (أفريكان رايتس – African Rights) العاملة فى مجال حقوق الإنسان, فقد تم تقنين الدفاع الشعبي، الذى أُعتبر جيش جهاد، وتمت التعبئة من الدولة، والتحريض لفتح جبال النوبة و(نشر الإسلام) فيها بالقوة !! وأُعتبر النوبة أعداءً للحكومة، مما أدى لرد فعل عنيف زاد من أبناء النوبة وسط الحركة الشعبية، مما ألحق بجيش الحكومة خسائر فادحة .. وحين حاول بعض رجال الإدارة الأهلية في المنطقة، إجراء مصالحات بين القبائل، وقَّف ممثلو الحكومة فى المنطقة من المهووسين دينياً، هذه المحاولات، وأصروا على قتال وإبادة (الكُفار) .. بما فيهم والي كردفان آنذاك اللواء بحري/ سيد الحسين عبد الكريم، الذى أجهض جميع محاولات السلام، وعمد لإعتقال كل من عمل لإحلال السلام بدعوى التآمر مع الحركة الشعبية، وجلب الخيل وسلَّح الفرسان، وحشد بعض القبائل العربية للتحرك نحو جبال تلشي لدحر قوات الحركة الشعبية، وقد فتح بذلك، باسم الإسلام، باباً من الفُرقة، لم يغلق حتى اليوم مع بعض مجموعات البقارة التى لا زالت تمارس نفس الممارسات السابقة فى الحرب الأولى خاصة فى مناطق الفيض أم عبد الله وأم برمبيطة وأبوكرشولا وتلودى والليرى وأبو جبيهة والعباسية ، حيث تمزق النسيج الاجتماعي بطريقة لا يمكن معالجتها في الأمد القريب، ودخلت المنطقة في معاناة الفقر جرَّاء الحرب . وبعد أن تحوَّرت الجبهة الإسلامية وغيَّرت جلدها وصارت المؤتمر الوطنى, واصلوا نفس النهج فى الحرب إلى أن تم توقيع إتفاقية السلام الشامل 2005, وبعد إقتراب إنتهاء الفترة الإنتقالية للإتفاق فى يونيو 2011م حاولوا نزع سلاح الجيش الشعبى لتحرير السودان فى جبال النوبة بالرغم من علمهم سلفاً بان هذه الخطوة ستكون نتيجتها المؤكدة الحرب مع الجيش الشعبى والحركة الشعبية لتحرير السودان, ولكنهم قرروا المضى قُدماً فى الخطوة طالما ستخلق وضعاً مأساوياً فى جبال النوبة وتُمكنهم من تنفيذ سياساتهم فيها وهى خطة مدروسة, وفيما بعد (1 سبتمبر 2011) قاموا بمهاجمة الجيش الشعبى فى الدمازين وتقدموا إلى الكرمك وإحتلوها وفرضوا حالة النزوح واللجوء على سكان النيل الأزرق مثلهم مثل شعب دارفور وجبال النوبة . وقرار الحرب فى جبال النوبة والنيل الأزرق تم إتخاذه منذ توقيع إتفاقية نيفاشا عام 2005 وطيلة الفترة الإنتقالية كانت الحكومة تحشد الجيوش فى جبال النوبة والنيل الأزرق وتوزع السلاح على المليشيات من المجموعات السكانية الموالية لها, وكان المؤتمر الوطنى نفسه من قبل قد وقَّع إتفاقاً فى أبوجا عام 2006 مع حركة جيش تحرير السودان بقيادة منى أركو مناوى ولكنهم أجبروه مرة أخرى على العودة إلى الحرب بعدم تنفيذه الإتفاقية .
إضطهاد المجموعات العربية فى الهامش بواسطة الحكومات المركزية :-
بالرغم وجود شعور عام وسط المجموعات العربية الموجودة فى الهامش بإنها حليفة للمركز وإن المركز يعبر عنها – على الأقل ثقافياً - إلا إن الحكومات المركزية المتعاقبة على السلطة بصورة عامة لم تكن تكترث لظروف وأوضاع هذه المجموعات كثيراً بقدر ما كانت تنظر إليها بإعتبارها "وقوداً للحروب "تلجأ إليها فقط عند الحوجة إذا قررت إشعال حرب فى منطقة ما, فقد قام المركز بإضطهاد وتهميش هذه المجموعات بصورة كبيرة خلال سنوات ما بعد خروج الإستعمار وخاصة فى أواخر الثمانينات وتمثَّل ذلك فى الآتى :
1/ قامت الحكومات المركزية بتجييش بعض هذه المجموعات والزج بها فى الحروب الأهلية مع جيرانهم من المجموعات الزنجية وإستخدمتهم كمخلب قط ودروع بشرية, وكانت النتيجة الدمار والقتل وفقدان الممتلكات (الأبقار) والأرواح (الأهل) أثناء هذه الحروب.
2/ نتيجة لذلك ساءت علاقتهم مع جيرانهم من المجموعات الزنجية فى (دارفور – جبال النوبة – النيل الأزرق) وبالتالى فقدت هذه المجموعات الثقة فيهم مما أضر بمصالحهم الإستراتيجية وعرضت سبل حياتهم ومعيشتهم للخطر بإعتبار إن أبقارهم وبهائمهم ترعى فى فصل الصيف فى مناطق هذه المجموعات أو تمر عبرها .
3/ فى الوقت الذى تسارع فيه الحكومات المركزية بمدهم بالسلاح والزخيرة بأى كمية يريدونها, لم تهتم الحكومات بتوفير الخدمات الرئيسية من تعليم وصحة والخدمات البيطرية للحيوانات وبنيات تحتية تحسن سبل حياتهم ومعيشتهم, وذلك لرغبة المركز فى بقائهم على هذه الأوضاع السيئة من فقر وبؤس وجهل ليسهل إستخدامهم فى أوقات الحروب التى يستفيدون منها فى جمع الغنائم ونهب الممتلكات.
4/ نتيجة لهذه السياسات فقد تفشت ثقافة العنف والحروب وسط هذه المجموعات وصارت لا تقبل بغير أجواء وظروف الحرب وإذا لم تتوفر إستخدموا السلاح فى النزاعات الداخلية فيما بينهم, وقد فقدوا الكثير من أبنائهم نتيجة لإنتشار السلاح وسطهم كما حدث مرات عديدة بين بطون الحوازمة الرواوقة فى الريف الشرقى لكادقلى, وبطون المسيرية (أولاد هيبان ضد أولاد سرور) فى المناطق حول الفولة والمجلد (كجيرة) وفى إتجاه (الخرسانة).
5/ مُورس التطهير العرقى ضد هذه المجموعات بواسطة إستخدامهم فى القتال, وإفقارهم عبر تبديل مهنة الرعى بالحرب والقتال, لمصلحة مجموعة صغيرة فى الخرطوم تنعم بالسلطة والثروة.
6/ الحكومة المركزية " المؤتمر الوطنى" فى تقيمها للحرب الدائرة فى جنوب كردفان على سبيل المثال, ترى : (أنها لم تخسر شيئاً سوى السلاح والزخيرة), فى إشارة منها إلى الموت الذى يتم فى الولاية بين الجيش الشعبى والقوات المسلحة والذى يتكون غالبيتهم من الهامش وخاصة قبائل النوبة والبقارة وبعض المجموعات من دارفور .
إشراقات الغد :-
من إشراقات المستقبل المشجعة, إن المجموعات العربية فى الهامش بدأت تتفهم طبيعة الصراع ودور النخب المركزية فى تأجيجها وتصديرها للهامش فى إطار سياسة (فرق – تسد) لتضمن بقائها فى السلطة وسيطرتها المطلقة على الآخرين, وعلى مفاصل السلطة والثروة بلا منازع ليظل المُهمشون جميعاً سوا كانوا من المجموعات الزنجية أو العربية فى أدنى مراتب السلم الإجتماعى, مشغولين بالحروب والنزاعات الأهلية فيما بينهم حتى لا يلتفتوا إلى مظالمهم والبحث عن حقوقهم المشتركة, وهو الأمر الذى يجعلهم يبحثون عن مصدر هذا الظلم والجهة التى صادرت حقوقهم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية وبالتالى الإتفاق والتحالف ضده, وهو الأمر الذى حاولت النخب الشمالية المتعاقبة على حكم السودان تجنبه بإستمرار طيلة الفترات السابقة فى كل الحقب والحكومات, فما أن تخمد حرب ما, حتى فكروا فى إشعال أخرى جديدة وبإستخدام نفس الأدوات والآليات العنصرية التى تضرب النسيج الإجتماعى وتُفتِّت المجتمع وتُقسِّم القبائل, والشاهد إن المجموعات العربية وخاصة المسيرية, رفضوا التصويت لصالح المؤتمر الوطنى فى إنتخابات جنوب كردفان 2011م, وقبل ذلك لم تشارك فى السجل الإنتخابى بفاعلية بل بعضهم قاوم تزويره ورفضوه, وقاموا بحراسة السجل ثم حراسة صناديق الإقتراع حتى لحظة فرز الأصوات, وعندما إندلعت الحرب تنظَّمت مجموعات كبيرة منهم فى صفوف الجيش الشعبى لتحرير السودان وتحالفوا مع إخوتهم النوبة ضد الحكومة المركزية التى همَّشتهم وأدخلتهم فى الحروب التاريخية معهم, وبنفس القدر, هذا ما حدث أيضاً لبعض المجموعات العربية فى دارفور الموجودة فى صفوف حركات الثوار المسلحة, وبعضها كانت قد تنظمت فى صفوف الجيش الشعبى لتحرير السودان منذ توقيع إتفاقية السلام الشامل 2005م , فالمد الفكرى والثورى وسط هذه المجموعات يمضى فى تنامى وتطور مستمر وهو مؤشر جيد وإيجابى لإستشراق مستقبل وغد أفضل, فهذه المجموعات تعايشت مع أصحاب ومُلاك الأرض التاريخيين فى كل من جبال النوبة والفونج ودارفور لفترات طويلة منذ دخولهم السودان عبر الهجرات التاريخية المعروفة, وتعايشوا وتصاهروا ودخلت بعضها فى أحلاف إجتماعية مع هذه المجموعات وإكتسبوا ثقافات البعض, ولكن بفعل سياسات الحكومات المركزية التى سبق ذكرها, بالإضافة إلى عوامل التدهور البيئى وشح الموارد والتى كان يمكن السيطرة عليها بتنظيم العلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية بين هذه المجموعات وتبنى سياسات تنموية إستراتيجية لإحتواء الظاهرة الطبيعية, نشأت الصراعات التى كانت محدودة فى البدايات ولكن النُخب المركزية أججتها بواسطة الحروب وتجييش البعض ضد الآخرين, وهو الأمر الذى كان يمكن مقاومته بواسطة هذه المجموعات منذ البداية لو أدركوا المخطط الذى يهدف إلى زرع الفتنة والكراهية بين إخوة الأمس الذين أحسنوا إستضافتهم فى ديارهم, وطلبوا من الحكومات أن تطور مناطقهم بدلاً عن مدهم بالسلاح الذى صار وبالاً عليهم, وهذا الفهم هو ما يحدث الآن فى ديار المسيرية فى جنوب كردفان الذين قاطعوا المؤتمر الوطنى ووقفوا ضده فى الإنتخابات أولاً, ثم الآن فى الحرب.

المقال القادم :
قضايا الأرض فى إتفاقيتى نيفاشا وأبوجا.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 739

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل إبراهيم شالوكا
عادل إبراهيم شالوكا

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة