المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
كيف إندلعت الحرب في جنوب كردفان / جبال النوبة- (1-2)
كيف إندلعت الحرب في جنوب كردفان / جبال النوبة- (1-2)
07-10-2012 02:38 PM

كيف إندلعت الحرب في جنوب كردفان / جبال النوبة- (1-2)

عبدالرحمن إسماعيل أحمد
[email protected]

إنشغل الرأي العام والشارع السياسي السوداني كثيراً بالأحداث المأساوية التي تعيشها ولاية جنوب كردفان/جبال النوبة، بسبب القتال الدائر بين القوات المسلحة من جهة والجيش الشعبي لتحرير السودان من جهة أخرى. وقد سُكب الكثير من المداد عبر الصحف السودانية وعلت الكثير من الأصوات في محاولة لإلقاء اللوم على الحركة الشعبية لتحرير السودان وإتهامها بالتمرد والبدء بالعدوان في الولاية. وكُنا نأمل أن يكون من بين هؤلاء من يتصف بالعقل والحكمة والموضوعية وبالعدل حتى ولو على نفسه، وأن يكون بينهم من يعمل على تلمس الحقائق على أرض الواقع بهدف وضع الحقيقة كما هي أمام المواطن، كما كنا نأمل منهم إعمال الحكمة والعقل عند تناول قضايا النزاعات والحروب في الوطن، وإعانة المواطن على فهم حقيقة ما يجري حوله، وما يتخذ بإسمه من قرارات من ناحية، وبغرض إسداء النصح لزمرة الحاكمين ومساعدتهم على إتخاذ القرار السليم والشجاع لمعالجة الأمور على أرض الواقع بدلاً عن العمل على طمس حقائق الواقع وتضليل الرأى العام، والعمل على صب المزيد من الزيت على النار المتقدة في الولاية والتي إمتدت لتأكل الأخضر واليابس ليس في جنوب كردفان/جبال النوبة فحسب وإنما في كل السودان، وكلنا يعلم إن ذلك لا يصب في مصلحة الوطن المتهالك بالنزاعات.
وقد كان حرياً بكل من أمتشق يراعاً ليكتب به كلمة أن يضع في إعتباره أن الكلمة أمانة ومسئولية في المقام الأول، وإن ما نكتبه أو نتفوه به فنحن محاسبون ومساءلون به ، وأن كلمة الحق لا يصدع بها إلا الأقوياء الأحرار، وهم قلة في هذا الزمان. ولأجل أمانة الكلمة في الكتابة في مختلف الوسائط، فعلى من ينبري للكتابة لابد له التأكد من صحة المعلومة التي يهم بتناولها أولاً، لا أن يتلقي المعلومة كيفما كانت ومن أي جهة كانت ويرسلها على عواهنها عبر الوسائط المختلفة ليسير بها الركبان على غير هدىً، كما أن على الكاتب أن يحترم عقل القارئ وثقة ذلك القارئ في قلمه.. فعليه ألا يستخف بعقله وألا يستغل ثقته في قلمه، وهو ما جعل من الصحافة بحق سلطة رابعة.
مضى عامٌ من إندلاع الحرب في جنوب كردفان/جبال النوبة، وتناول خلاله كثير من الساسة، أصحاب الأقلام الصحفية وبعض المفكرين في الساحة السودانية أسباب الصراع الدائر في ولاية جنوب كردفان/جبال النوبة ومآلاته. وقد حمّل الغالبية العظمى منهم، عدا قلة مسئولة، الحركة الشعبية لتحرير السودان مسئولية تدهور الأوضاع في ولاية جنوب كردفان/جبال النوبة. وكنا نتوقع في كل من تناول الأسباب التي قادت لإنفجار الوضع في الولاية شئ من الموضوعية والحكمة التي يمكن أن تسهم في إيجاد معالجة موضوعية وجذرية للنزاع القائم في جنوب كردفان/جبال النوبة بعيداً عن الإنتماءات السياسية، العرقية، الفكرية، الجهوية أو الدينية. وأن يتم تناول الأمور التي تهمنا في هذا الوطن بتجرد، بشجاعة، بصدق وبموضوعية بهدف أن نسهم معاً في معالجة المشاكل التي يعاني منها السودان ومن بينها الإشكال القائم الآن في جنوب كردفان/جبال النوبة، لحساسيته وتعقيداته. وسألقي حجراً لتحريك الماء الساكن في البركة وأرجو ألا يكون إنتمائي العرقي أو السياسي أو الجهوي حائلاً بين ما أكتب وعقول البعض إن كنا حقاً نريد أن نبني معاً وطناً معافىً من الغبن ومن جراحات الماضي دون أن نعيد إنتاج الأزمة بوعي أو دون وعي منا.
في تقديري الشخصي، ومن خلال معايشتي عن كثب للأوضاع في جنوب كردفان/جبال النوبة، فإن النزاع الذي وقع في الولاية كان أمراً لابد منه، طال الزمن أم قصر، وذلك لتوفر الكثير من الأسباب الموضوعية التي يمكن أن تقود لذلك في الولاية ومن بينها الغبن من عدم تنفيذ بروتوكول حسم النزاع في الولاية والمغالطات التي دارت حول مفهوم المشورة الشعبية ومآلاتها. وأن هذا النزاع كان ضرورياً ولازماً لأجل الوصول إلى حل نهائي للنزاع السياسي في الولاية، خاصة في ظل التعقيدات السياسية التي أفرزتها العملية الانتخابية الأخيرة - مايو 2011م.
وقد بدأت بوادر إعلان الحرب في جَنوبِ كُردُفانْ/جِبال النوبة (كلامياً) عنِدماْ صرحَ السيد عُمر حسن أحمد البشير رئيس جمهورية السودان المطلوب لدى المحكمةِ الجنائيةَ الدولية (لإرتكابه جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية، في إقليم دارفور) في مدينة المُجلد في يوم 26/4/2011م، بخطابهِ الشهير الذي ألقاه في حملةِ تدشين المؤتمرِ الوطني للإنتِخاباتِ التكميليةَ بِولايةِ جَنوبِ كُردُفانْ/جِبَالِ النوبة، دَعماً لمُرشحَ حزبِه لِمنْصِب الوالي بِولايةِ جَنوب كردفان/جِبالِ النوبة، السيد أحمد هارون المطلوب الاَخر لدى المحكمةِ الجنائية الدولية، والذي قالَ فيه: "نِحنَ الولاية دي لومافُزنا فيها بصناديقِ الإقتراع حنفوز فيها بصناديقِ الزخيرة، ونطارِد النوبة، جبل جبل، كركور كركور، ومنِ الليلة لاكركور، ولاكجور، ولاخمور" هذا الخِطاب العُنصري غير المسؤول بينَ إستبطان نية المؤتمر الوطني لإشعال الحرب في ولايةِ جَنوب كًردُفُانْ/جِبالِ النوبة وعلى لسان رئيسه. وقد كان حرياً برئيس الجمهورية وقتها، بصفته هذه، أن يوجه الجميع بالنأي عن كل ما من شأنه أن يهدد الأمن، لا أن يكون هو جزءاً منحازاً في إثارة السلوك المهددة للأمن والإستقرار في الولاية، وذلك بإعتباره رئيساً للجميع والمسئول الأول عن أمن البلد وسلامة المواطن ونجاح الإنتخابات، خاصة وأنه زار المجلد بصفته رئيساً للجمهورية وليس رئيسا للمؤتمر الوطني، رغم مشاركته خلال هذه الزيارة تخالف قانون الإنتخابات في الحملة الإنتخابية، ولا شك في أن لذلك أثر في حدة الإحتقان السياسي في الولاية.
وكَما بدأ واضحاً أن النِظام الحاكم في السودان يُراوغ بعمليةِ الإنتخابات التكميلية بالولاية مُنذ التِعداد السُكاني الخامس (الأخير) في السودان. ذلك التعداد الذي تمْ التلاعُبَ بِه منِ أجل تغيير الحقائق الديمُغرافية، وتعزيز الثقل الإنتخابي لصالحه. لذلك جاءَ تعِداداً فاشلاً غَير مبني على حَقائِق الواقِع، وَعَديمْ الجَدَوى في التخطيط الإستراتيجي للدولة على مستوى الإقتصاد والتنمية. ولمْ يُقْدِم بيانات صحيحةً وكَامِلةً عَنْ حالةِ السُكان، فقاطعته الحركة الشعبية لتحرير السودان بولايةِ جَنوبِ كُردُفاَن/جِبالِ النوبة لِمْاَ سَيؤول إليه من تزييف لإرادة الشعب وتزوير للإنتخابات المصيرية في الولاية، هذا ماوضحَ جَليْاً منِ خِلال إجراءات العملية الإنتخابية، منِ تَغْييرٍفي تَرسيمْ الدَوائرِ الجُغرافية، والتَلاعُب بإجراءات السِجل الإنتخابي، منِ مَراكِز ونقاط إقتراع، وتسجيل الناخبين ونشر الكشوفات.
وَعَلى الرغم منِ ذلك لمْ تستسلم الحركة الشعبية لتحرير السودان في خوض مغامرة الإنتخابات التكميلية بالولاية لأنها كانت تدرك أنها حق شعب الولاية في كيفية إختيار مَنْ يمثله وينوب عنه في المجلس التشريعي الولائي لإستكمال إستحقاق إجراءات المشورة الشعبية التي جاءت بها إتفاقية السلام الشامل، فبدأت منِ إعادت التعداد السكاني الثاني والذي أوضح مدى زيف طغمة الأقلية الحاكمة في الخرطوم لأن التعداد الأول تم فيه تقدير عدد سكان الولاية ب(1,400,450)، أما التعداد الثاني فجاء دقيقا نسبياً، وتم فيه عد سكان الولاية الذين كان عددهم (2,508,268فرداً)، ولمْ يُعلِنْ المؤتمر الوطني نتيجة التِعداد السُكاني التي كَانْ يُريد أن يزورها، وَمَاطلَ كثيراً حتى لاَ يَعَلمْ النَاسُ الحقيقةَ إلا بعد ضغوطٍ شديدةً، ثُم جَاءتْ مرحلة تَرسيمْ الدَوائر الجُغرافية الإنتخابية، التي أثارت السخط وسط المواطنين والأحزاب السياسية لأن النِظام غيرَ الدوائر الجُغرافية الإنتخابية، وَرَسَمْ وأضاف دوائر جديدة ركز فيها على مناطق ثقل مؤيديه خاصة في المحليات التي أنشأها في عهد حكمه، مثل: محلية السلام، والسنوط، وأصبحت الدوائر الجُغرافية الإنتخابية (32) دائرة ولائية بدلاً منِ أن تتم قسمة القاسم المشترك مابين تعداد سكان السودان وتعداد سكان الولاية لكي تكون النتيجة عدد الدوائر القومية في الولاية وهي (10) مبنية على التعداد الأول المرفوض والملغي، وعدد الدوائر الولائية (20) لأن الدائرة القومية تساوي دائرتين ولائية وهذا أمر لايستقيم!! كيف ترسم الدوائر الولائية على الدوائر القومية التي جاءت وفقاً لتعداد لاغي؟ وتكون هناك دوائر ولائية جديدة وهي (32) دائرة!! مبنية على تعداد ثاني قيل أنه صحيح نسبياً؟ وتلت هذه المرحلة، مرحلة السجل الإنتخابي التي أصر الحزب الحاكم أن يكون هو نفس السجل القديم الذي رفضته الحركة الشعبية لتحرير السودان لأنه معيب، وصاحبته مجموعة من الأساليب الفاسدة، والأخطاء المتعمده، مثل: (أن يسجل شخص إسمه في الدلنج يظهر في نشر كشوفات السجل في تلودي)، فإتفق الطرفان على إلغاء السجل القديم والعمل بسجلٍ جديد وفقاً لإجراءات جديدة، ولكن المؤتمر الوطني كما عودنا دائماً رجع وخرق الإتفاق على السجل الجديد وأصرعلى العمل بالسجل القديم مما جعل سكان الولاية يحتجون ضده في مسيراتٍ عمت أرجاء الولاية، شملت أكثر من (11محلية) بالتقريب من جملة ال(19 محلية) بالولاية، كما صحبتها تسليم مذكرة للجنة العليا للإنتخابات بالولاية والمفوضية القومية للإنتخابات في السودان، فضلاً عن أن هذه الإحتجاجات الشعبية أجبرت المؤتمر الوطني على التراجع وقبول السجل الإنتخابي الجديد المُتفق عليه، ثُمْ تَلتْ مرحلة السجل الإنتخابي مرحلة في غايةِ الأهمية ألا وهي مرحلة الحملة الدعائية الإعلامية الإنتخابية (تدشين الإتنخابات) وهي التي ظهرت فيها بصورة صريحه ما سيُقدم إليه النظام منِ فعلاً في الولاية وكان ذلك من خلال خطاب الرئيس في المُجلدْ والذي ذكرناه في بداية المقال. وعندما بدأت عملية الإقتراع (التصويت) لمْ نتفاجأ بأن المؤتمر الوطني سيعمل جاهداً في تزوير الإنتخابات، لأن السجل الموازي الذي أقترحته الحركة الشعبية لتحرير السودان ووافقة عليه القوى السياسية كاَلية مراقبة لضبط السجل الإنتخابي، بالإضافة إلى المراقبة الفعالة كشفتا عن الجهد الذي بذله الحزب الحاكم في التخطيط من أجل تزوير الإنتخابات التكميلية بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة، وكأنموزج لذلك تم تسجيل (26) تلميذةً قاصرةً في الصف السادس والسابع بمدرسة الليري غرب الأساسية بنات في السجل الإنتخابي، تلك اليافعات اللائي لمْ تتجاوزْ أعمارهنَ ال(17) سنةً، بالرغم من أن قانون الإنتخابات حددَ سِن التَرشيحَ والتَرشُحِ والإقتراع ب(18) سنةً فما فوق (أهلية الاداء أو الأهلية القانونية)، هذا غيرَ أنهُ في أول يوم من أيام الإقتراع وفي أول سَاعةٍ ضُبطت أربعة صناديق في دكان بجوارِ مركز للإقتراعِ بحي كليمو بالدائرة (9) كادقلي المدينة، هذا فضلاً عن أن الغرفة الطارئة للإنتخابات بالحركة الشعبية لتحرير السودان قبضت على أكثر من (150) صندوقاً مزوراً، من خلال الأيام الثلاث التي حددت للتصويت، وقدمت طعون بذلك، ولكن للأسف لا اللجنة العليا للإنتخابات بالولاية ولا المحكمة الإدارية (ذات الإختصاص التي كونت من أجل النظر في الطعون المقدمة من قبل الأحزاب السياسية المشاركة في الإنتحابات ضد أي حزب يخالف قانون الإنتخابات أويقوم بممارسات فاسدة)، نظرت في تلك الطعون - هذا غير المماطلة التي وجدوها مقدموا طلبات الطعون. كما أن عملية فرز وعد الأصوات كانت هي القشة التي قسمت ظهر البعير، لأن الحركة الشعبية لتحرير السودان قدمت مقترحا بتكوين أربعة لجان، فأصر المؤتمر الوطني على لجنة واحدة، علماً بأن عدد الدوائر التي كانت يجب أن تفرز وتعد أصواتها (32) دائرةً، وعملية الفرز والعد نفسها مقيدة بفترة زمنية محددة، فكيف يستقيم الأمر أن لجنة واحدة تفرز وتعد أصوات عدد (32) دائرةً في فترة زمنية وجيزة كهذه، لم تقتنع الحركة الشعبية لتحرير السودان على مقترح لجنة واحدة ولكنها وافقت بذلك حتى لاتكون حجة عليها، وبدأت اللجنة عملها وفرزت وعدت في اليوم الأول حتى الساعة الرابعة (4) عصراً اصوات دائرة واحدة فقط! وفي اليوم الثاني من الفرز والعد رجع المؤتمر الوطني وإقترح أن تكون هناك ثلاثة (3) لجان، لأن لجنة واحدة لاتستطيع إنجاز مهمة الفرز والعد، لم توافق الحركة الشعبية لتحرير السودان على المقترح وإنسحبت من غرفة الفرز والعد، إلى أن دخل الطرفان في تفاوض، كانت نتيجته الإتفاق على إستمرار عملية الفرز والعد بلجنتين (2) إثنتين كسباً للوقت وتسهيلاً للمهمة، وبينما تجرى عمليات فرز وعد أصوات الدوائر إكتشف تيم الحركة الشعبية لتحرير السودان أن هناك لجنة رابعة تعمل في الخفاء دون علمهم، فسألوا رئيس اللجنة العليا للإنتخابات بالولاية، لماذا وجود هذه اللجنة بدون تمثيل الأحزاب السياسية؟ وماهي الجهة المسؤولة من تكوينها؟ فرد إذا كانت هناك أي خروقات يجب تقديم طلبات طعون بذلك؟ وعندما قدم طلب طعن لجهة الإختصاص، وشكوى مقدمة له بإعتباره رئيس اللجنة العليا للإنتخابات بالولاية، رفض إستلام الشكوى، وقال: "نحن لانستلم ولاننظر أي إعتراضات ولا شكاوى ولو في أي جهة متظلمة تضرب للمفوضية في الخرطوم" (المفوضية: يقصد بها المفوضية القومية للإنتخابات في السودان)، بالإضافة إلى إصرار المؤتمر الوطني على إعلان النتيجة قبل الفصل في الطعون المقدمة، وهذا ما لا يستقيم عقلاً ولا قانوناً لأن النظر في طلب الدعوى وسير إجراءاتها أولاً ثم الفصل فيها، فكيف تعلن النتيجة قبل الإنتهاء من عملية الفرز والعد وقبول طلبات الطعون والفصل فيها من جهة الإختصاص؟ لم يعير النظام أهتماماً لهذه الدعاوى والإعتراضات الحاسمة، وأعلن مباشرة أنه فائز بنتيجة أنتخابات ولاية جنوب كردفان/جبال النوبة أثناء المشكلات والتعقيدات التي صاحبت عملية الفرز والعد. هذه المواقف والمماحقات وتعطيل سير إجراءات العملية الانتخابية جعلت الحركة الشعبية لتحرير السودان تنسحب من عملية الفرز والعد وتقاطعها، إلى أن أتى المؤتمر الوطني بقياداته النافذة إلى الولاية والتي بدلاً من أن تعالج موضوعات الخلاف أصبحت تتفاوض من أجل الوصول لتسوية سياسية، هذا بعد أن تأكدوا من عدم فوزهم حتى بعد محاولات التزوير التي إنتهجوها وخططوا لها بشتى الطرق، فكان رد الحركة الشعبية لتحرير السودان: " نحن دخلنا الإنتخابات دي من أجل أن يقرر الشعب وينتخب من يمثله وينوب عنه، وليس بغرض التسوية السياسية، إذا فزتوا حنبارك ليكم وإذا فزنا تباركوا لينا" لم يحتمل قادة المؤتمر الوطني هذا الكلام وعادوا أدراجهم يجرجرون أذيال الخيبة والفشل بعد أن كانوا يريدون توريط الحركة الشعبية لتحرير السودان مع الشعب بموضوع التسوية السياسية، بعد أن أدلى الشعب بأصواته لها وفوزها، فقط كان ينتظر إعلان النتيجة للإحتفال بها.
وبعد ذلك عقدت الحركة الشعبية لتحرير السودان مؤتمراً صحفياً بينت فيه الاتي:
- مقاطعة عملية الفرز والعد،
- رفض نتيجة الإنتخابات،
- عدم المشاركة في الحكومة الولائية القادمة،
- عدم المشاركة في المجلس التشريعي الولائي،
- عدم الاعتراف بالحكومة والمجلس التشريعي،
- ستظل الحركة الشعبية لتحرير السودان بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة حزباً معارضاً، يمارس نشاطه السياسي عن طريق الاَليات المدنية والديمقراطية.
إستمرالمؤتمر الوطني في عملية الفرز والعد لوحده، إلى أن أعلن نتيجة الإنتخابات للمرة الثانية في الخرطوم بأن الفائز لمنصب الوالي بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة هو (المجرم) أحمد هارون مرشح حزبه. وعلى الرغم من أن الرسالة التي أرسلتها الحركة الشعبية لتحرير السودان لحزب المؤتمر الوطني بأنها رافضة لنتيجة الإنتخابات ولاتريد المشاركة في السلطة بهذه المهزلة حتى يفقد الشعب الثقة فيها، إلا أنه كان مُصر على جرجرتها إلى جحيم الحرب تكتيكياً، فبدأ حشد قواته المدججة بالسلاح، وجلب تعزيزات عسكرية عالية، مما خلق توتراً أمنياً عالياً في الولاية وأنذر بالكثير لكنه لم يؤدِ إلى تفجر الأوضاع في الولاية. وقد تركت الحركة الشعبية لتحرير السودان الباب مفتوحاً لتدارك الأزمة، وهذا ما أعلنت عنه في أكثر من مرة بضرورة معالجة الأزمة عن طريق الحوار، وكونت من جانبها لجنة سياسية لإدارة هذه الأزمة، وقد تأكد موقفها في البيان الذي أصدره رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال الفريق مالك عقار أير عقب زيارته الأخيرة لولاية جنوب كردفان/جبال النوبة، قبل تفجُّر الأوضاع فيها، في مسعىً منه لنزع فتيل الأزمة والشروع في وضع معالجات لها مع الأطراف المعنية، وكانت بعد ذلك مبادرة مجلس شورى الحوازمة الذي إجتمع مع القائد/ الفريق/ عبد العزيز اَدم الحلو ولجنة إدارة الأزمة، كما إجتمع أيضا بالسيد أحمد هارون وقيادات المؤتمر الوطني في الولاية، وطالب مجلس شورى الحوازمة الأطراف بضرورة ضبط النفس لحين تسوية الأمور في الولاية، وقد التزم مجلس شورى الحوازمة بالعمل على تطوير مبادرته لحل الأزمة في الولاية والتزم رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان بجنوب كردفان/جبال النوبة القائد/ الفريق/ عبد العذيذ اَدم الحلو أمام مجلس شورى الحوازمة الزائر للولاية بالحفاظ على الأمن لحين تسوية الخلافات المتعلقة بنتيجة الانتخابات.
في ظل هذه الظروف، كانت جهات عدة تسعى لنزع فتيل الأزمة،وأخرى تعمل على معالجة الأوضاع السياسية المتأزمة في الولاية، وفي تطور دراماتيكي متعمد للأحداث في الولاية وبتاريخ 23/5/2011م دفع الفريق/ عصمت عبد الرحمن، رئيس هيئة الأركان، بخطاب للفريق/ جيمس هوث، رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان، طلب فيه سحب قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان العاملة ضمن القوات المشتركة من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى جنوب خط 1/1/1956م، في موعد أقصاه 31/5/2011م، وأنه بعد هذا التاريخ ستشرع القوات المسلحة في نزع أسلحة قوات الجيش الشعبي المتواجدة شمال حدود 1/1/1956م.
إستناداً على ما جاء في الخطاب أعلاه أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة بياناً أعلنت فيه رفضها التام لما جاء في خطاب الفريق/ عصمت عبد الرحمن، معلنة تمسكها بما جاء في إتفاقية السلام الشامل، وأنها لن تسحب عناصرها في القوات المشتركة من الولاية، وأنها لن تسلم أسلحتها لأي جهة مهما كانت إلا وفق الترتيبات الأمنية التي حددتها إتفاقية السلام الشامل، خاصة البنود الخاصة بإنشاء وفك إرتباط القوات المشتركة، والتي تسمح لقوات الحركة الشعبية ضمن القوات المشتركة بالتواجد داخل حدود 1/1/1956م، ضمن القوات المشتركة حتى يناير 2012م. هذا الموقف يتسق ونصوص إتفاقية السلام الشامل التي تعتبر نصوصها جزءاً من دستور السودان القومي الإنتقالي لسنة 2005م بموجب المادة 225 والتي تنص على الآتي: " تُعتبر إتفاقية السلام الشامل قد ضُمنت كلها في هذا الدستور، ومع ذلك فإن أي أحكام وردت في إتفاقية السلام الشامل لم تضمن صراحة في هذا الدستور تعتبر جزءً منه." الأمر الذي يلزم كل الأطراف بإتباع الإجراءات التي نصت عليها إتفاقية السلام الشامل والتقيد بما ورد فيها بما في ذلك جداول التنفيذ التي سنتطرق لها لاحقاً.
تنفيذاً لما جاء في الخطاب أعلاه، قام قائد الفرقة الخامسة مشاة بولاية جنوب كردفان/جبال النوبة، اللواء/ بشير مكى الباهى, بإخطار رئيس وأعضاء لجنة الأمن في الولاية، برئاسة وزير الموارد المائية/ تاو كنجلا، بإن القوات المسلحة تنوي إعادة الإنتشاروالتسليح في الولاية، وإنها ستشرع في نزع أسلحة الجيش الشعبي المتواجد شمال حدود 1/1/1956م، إعتباراً من اليوم 1/6/2011م.
بالنظر إلى إتفاقية السلام الشامل، خاصة بروتوكول الترتيبات الأمنية وتلك النصوص المتعلقة بترتيبات وقف إطلاق النار, المرفق(1) وسائل تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية وملاحقه نجد أنه نص على المراحل الزمنية لإنشاء القوات المشتركة حتى تكوين القوات المسلحة القومية في حالة الوحدة أو حل القوات المشتركة حال الإنفصال.
فقد جاء في الجزء الأول من المرفق (1) المتعلق بترتيبات وقف إطلاق النار, وفي الفقرة ( 7 ) منه والمتعلقة بمدة ومراحل أنشطة وقف إطلاق النار الرئيسية, حيث ورد فيها ما يلي:
7-1 تنقسم مدة وقف إطلاق النار إلي أربع مراحل:
7-1-1 المرحلة الأولي: مدة مرحلة ما قبل الفترة الإنتقالية 6 أشهر (الموعد المحدد + 6 أشهر) تبدأ أنشطة وقف إطلاق النار (حسب القوائم المرفقة طيه) بما فيها إعادة نشر القوات المسلحة السودانية من الجنوب إلي الشمال والبدء بتسريح ونزع السلاح والدمج والمصالحة وإعادة نشر قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من شرق السودان والتشكيل والإقامة المشتركة في موقع ومراكز التدريب وتدريب الوحدات المشتركة/المدمجة ومراقبة الأمم المتحدة.
7-1-2 المرحلة الثانية : النصف الأول من مدة الفترة الإسنتقالية 36 شهــراً ( الموعد المحدد + 6 أشهر (الموعد المحدد 42 شهراً) تغطي هذه المرحلة استكمال نشر الوحدات المشتركة/المدمجة وإعادة نشر قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من شرق السودان إلي الجنوب وإعادة نشر قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق إلي الجنوب وإعادة نشر القوات المسلحة السودانية من الجنوب إلي الشمال، وتستمر أنشطة نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وتبدأ المفاوضات كذلك حول التقليص النسبي في هذه المرحلة.
7-1-3 المرحلة الثالثة : النصف الثاني من مدة الفترة الإنتقالية 36 شهراً (الموعد المحدد + 42 شهراً إلي الموعد المحدد + 78 شهراً) وإستمرار عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والتدريب وعملية المراقبة . تطوير خطط وطرق تحويل الوحدات المشتركة/المدمجة إلي قوات موحدة.
7-1-4 المرحلة الرابعة : مدة ما بعد الفترة الإنتقالية 6 شهور (الموعد المحدد + 78 شهراً إلي الموعد المحدد + 84 شهراً) القيام بتشكيل القوات المسلحة القومية السودانية في حالة الإبقاء على الوحدة أو حل الوحدات المشتركة/المدمجة في حالة الإنفصال . "
" الفقرة 7-1-4 المرحلة الرابعة " أعلاه, هي التي تهمنا في هذا المقام، فقد أوضحت هذه الفقرة أن هنالك فترة 6 أشهر بعد إنتهاء الفترة الإنتقالية (تم التعبير عنها بــ "مدة ما بعد الفترة الإنتقالية 6 شهور" .. في هذه الفترة يتَّمُ تشكيل القوات المسلحة القومية السودانية في حالة جاءت نتيجة الإستفتاء لصالح الوحدة، أما إذا كانت نتيجة الإستفتاء لصالح الإنفصال يتَّمُ حل الوحدات المشتركة، وجميعنا يعلم إن الفترة الإنتقالية تنتهي بتاريخ 9/7/2011م, وبالتالي فإن الـ 6 أشهر التي أشارت إليها الفقرة 7-1-4 أعلاه تبدأ من 10/7/2011م وتنتهي في 9/1/2012م, وفي أثناء هذه الفترة يتم فك الإرتباط بين القوات المشتركة والإنتهاء من كل الترتيبات والإجراءات المتعلقة بهذا الأمر وبهدوء, لأن هذا ما تقول به الترتيبات الأمنية التي نصت عليها إتفاقية السلام الشامل.
نواصل فى المقال القادم ..





تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 4408

خدمات المحتوى


عبدالرحمن إسماعيل أحمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة