07-19-2012 01:49 PM

احتجاز دون مسوغات للصحفيين.. حجب من النشر

صاحبة الجلالة في السودان.. اوان كسر القيود
الخرطوم: ماجد محمد علي

ماجد محمد علي
[email protected]

خصص منتدى الصحافة والسياسة رقم (87) الذي ينظمه مكتب رئيس حزب الامة السيد الصادق المهدي، ساعات المنتدى بالامس " الاربعاء" لتناول واقع الحريات الصحفية في السودان، وطرق المشاركون من رجال السياسة والفكر والصحافيين على كافة جوانب القضية، بخاصة وان تجليات هذا الواقع لم تعد تخفى على احد؛ وتزامن المنتدى مع انطلاق اول اضراب جزئي لصحفي البلاد عن العمل، كلل بنجاح منقطع النظير مما عد مؤشرا على مدى التزام الجماعة الصحفية وتضامنها من جهة وادراكها العميق لما تمثله الاجراءات الاستثنائية ضدها من خطورة على المهنة وعلى رسالتها في المقام الاول.
وقدم المهدي كعادته في مبتدأ الحوار ورقة ضافية اوضح من خلالها قيمة الحرية لدى الانسان في مختلف صورها، باعتبارها هبة قدسية من المولى عز وجل، خص بها الانسان عندما منحه " عقل" مفكر دون سائر المخلوقات،وهى المزية التي من شروطها حرية الاختيار، واشار رئيس حزب الامة الى ان الحرية " كل لا يتجزأ"، مشددا على ان لا سبيل لكفالة حرية الصحافة ما لم يصحب ذلك كفالة حريات العقيدة والتعبير والتنظيم، وهو الامر الذي شرطه بالنص عليها في الدستور، وعلى ان تنظمها كذلك قوانين لا تصادرها كما تفعل قوانين الطغاة بالحقوق الدستورية للناس.
وعرض المهدي الى درجة التزام السودان بالحريات الصحفية وفقا للتصنيفات الدولية المستقلة نهجا وتمويلا، مشيرا الى ادراج منظمة صحافيون بلا حدود في تقريرها الاخير بشأن الالتزام باتاحة الحرية الصحفية في المركز رقم " 170"، من بين "179" دولة خضعت للتقييم، وهو المركز الذي يضع السودان في مؤخرة جميع دول المنطقة، ماعدا دولة اريتريا التي تقبع اسفل القائمة تماما. وانطلق المهدي من هذا التصنيف ليبدي تبرمه من الممارسات التي وضعت البلاد في هذا الموقع المعيب من ناحية حريات الصحافة، وهو الوضع الذي اكد انها تستحقه عن جدارة حققتها عدة عوامل اولها الابقاء على القوانين الشمولية التي تصادر الحقوق والحريات في الدستور المنبثق عن اتفاقية السلام الشامل، فضلا عن اعطاء الحزب الحاكم اغلبيات تشريعية وتنفيذية ابقت على القوانين القمعية حتى يومنا هذا؛ وخلص المهدي الى انه ما لم تجرى عملية اصلاح قانوني يزيل تلك القوانيين والممارسات المترتبه عليها، لا سبيل لكفالة حرية الصحافة في السودان. وذهب رئيس حزب الامة في حديثه الى حضور المنتدى الى استعراض انواع الرقابة والممارسات ومنها ايقاف الصحف والصحافيين عن الكتابة، بالاضافة الى الاستجواب والاعتقال ومصادرة الادوات الصحفية والتعذيب، واكد على وجود كنترول من نوع اخر على حرية الصحافة، يستخدم وسائل ،افاض في شرحها، منها الحرمان من الاعلانات والملاحقات القانونية، مما يجعلها " كالايتام في موائد اللئام".
وقبل ان يترك المهدي المنصة لغيره من المتداخلين الكثر، اكد على ان حزبه يرى ان الحالة السودانية" بلغت الان اقصى مداها من السوء"، مما قاد لانطلاق عدد كبير من اجندات الاطاحة بالنظام، وان " الامة" الان يدعو لنظام جديد يحقق سلاما عادلا شاملا وتحول ديمقراطيا كاملا، مشددا على ان النظام الذي ينشده حزبه " ملتزم بتصفية كافة القوانيين المقيدة لحرية الاعلام من صحافة وبث اذاعي وتلفزيوني وانترنت، وهذا ــ كما يتابع المهدي ـــ مع اصدار قوانيين تنظم حرية الصحافة والاعلام تتسق والمواثيق الدولية.
ولان رئيس حزب الامة استبق ورقته بالاشارة الى ان " الظروف ليست هادئة"، مما يستتبع ان لاتكون مشاركته على النقيض من ذلك، فقد وجه رسالة تضامن قوية مع الصحافة والصحفيين، اكد من خلالها على ان موقف " الامة" مفتوح ، والحال كذلك ـ لاوسع درجات المشاركة وتابع قائلا : نبدي ترحيبنا باية مقترحات لكفالة حرية الصحافة يقترحها المشاركون في المنتدى.
وهو الاعلان الذي انتهى بعد تداول بين المشاركين من الساسة والصحفيين الى انطلاق مبادرة لحماية الحريات الصحفية، توالت على الفور عمليات التوقيع عليها، على ان يصاغ نصها لاحقا قبل تقديمها للجميع.
ولكن قبل ذلك واصل المتحدث التالي الدكتور بخاري الجعلي بالتأكيد على اهمية اتاحة الحريات الصحفية، والنص على ذلك في كل المواثيق الدولية التي صادق عليها السودان، غير انه لم يلتزم باقرارها بين الناس. ورأى الجعلي ان الدستور الحالي بالرغم عنه انه منقوص لانه عبارة عن اتفاق بين طرفين اقر بحكم الامر الواقع، احتوى على نصوص تكفل تلك الحريات ثم مضى متسائلا : اين الواقع الان من هذا الدستور، وما هو موقع واقع الصحافة السودانية من ذلك؟. ولفت الدكتور بخاري الجعلي الى ان قائمة المحظورات في النشر تخطت الحزب الحاكم لتمتد الى شؤون الاحزاب الاخرى، معتبرا ذلك التوجه تطورا يؤكد ان الحريات الصحفية تدخل بشكل متسارع في نفق اشد اظلاما.
وعد الكاتب الصحفي عبدالباقي الظافر ، من خلال مداخلته في منتدى الصحافة والسياسة، الى ان ما يطالعه القراء في الصحف اليومية الان" لا يعبر عن صحفي السودان"، وقال الظافر : هذه اسوأ فترة مرت على الصحافة في عهد الانقاذ. ورأى الظافر ان المطلوب في هذه المرحلة مبادرة سودانية لكفالة الحريات الصحفية، يتم التوقيع عليها من قبل رموز المجتمع.
وقدمت شبكة الصحفيين السودانيين في المنتدى بيانا للرأى العام استعرضت من خلالها القيود المفروضة على العمل الصحفي، بداية من الرقابة القبلية ومرورا بالايقاف غير القانوني للصحف والصحفيين واحتجاز بعضهم من دون مسوغات قانونية والتضييق الاقتصادي والمطاردة من خلال الضرائب والرسوم. وقال ممثل الشبكة خالد احمد ان الاساليب تلك اتخذت اشكال اكثر قسوة عبر استهداف صحفيين بعينهم ومنعهم من مزاولة المهنة والكتابة، منوها الى ان خطوة الاضراب الجزئي عن العمل التي نفذها الصحفيين امس، تأتي في اطار الاحتجاج على كل تلك القيود والاجراءات القاسية. وطالب المتحدث باسم شبكة الصحفيين السلطات المعنية باطلاق سراح الصحفيين المعتقلين دون مسوغات، ووقف الرقابة القبلية على الصحف ، فضلا عن السماح للصحف الموقفة بالصدور، وكذا فك الحظر عن الصحفيين الممنوعون من الكتابة، هذا مع ابتدار معالجات لاوضاع المؤسسات الصحفية، والغاء نيابات " الصحافة" في الولايات.
على ان الامين العام لاتحاد الصحفيين الفاتح السيد يرى ان الصحف تحتوى على الكثير من القضايا الموضوعية، متمنيا ان تمثل خلالها كافة الجوانب ووجهات النظر؛ وقال الفاتح السيد للحضور ان على الصحافة السودانية مهام عديدة، يرى مراقبون انها اسهمت فيها وقدمت من الجهد الكثير، مشيرا من جهته الى مايراه اسهاما من الصحافة في مجالات العمل الوطني، وتابع السيد بالقول" انا منحاز لهذا الدور لانه قد جعل المواطن اكثر تميزا عن رصفائه في المنطقة". وذهب الامين العام لاتحاد الصحفيين من بعد ذلك الى موضوع المنتدى فقال " دائما ما تكون الازمات فرصة للتعرف على حقائق الاشياء"، ثم اضاف الفاتح السيد : لا اقول ان الصحافة مبرأة من العيوب، وهي دوما رائدة في غياب المؤسسات الكبرى. واشار امين عام اتحاد الصحفيين الى واقع الصحافة في العقود الماضية، مبينا انه كان لها في عهد مايو اسهامات واضحة في حركة المجتمع على كافة الاصعدة والمجالات، ثم عاد واكد على " ضرورة البناء على قضايا معلنة، فلا يمكن ان تتبع الصحافة لاخرين او لاهداف انية". واشار الامين العام لاتحاد الصحفيين على ايمانه بان الحرية واجب ديني وثقافي وفكري ووطني، وهذا دون مزايدات .. او محاولة لاغتنام البعض الفرصة، مضيفا " لن يصيب احد الهدف ان كانت اهدافه غير سليمة". وهذا قبل ان يعبر الفاتح السيد عن عدم رضائهم في الاتحاد عن هذا الواقع، رغم التقدم الذي حدث بعد الانقاذ، مشدد على " هذا ليس مبتغانا".
وشكلت مداخلة الامين العام لاتحاد الصحفيين نقطة انطلاق جديدة للحوار حول القضية المثارة، فالرجل عبر عن عدم رضى الاتحاد عن مستوى الحريات الصحفية المتاحة، لكنه اشار الى التقدم الذي تحقق في هذا الاطار، ثم انه تحدث عن ضرورة عدم استخدام الصحافة كاداة من اخرين، او وسيلة لانجاز اهداف انية لدى البعض، ثم انه امن على اهمية دور الصحف في ادارة الحوار الوطني حول قضايا البلاد. والاشارات المبطنة في حديث الفاتح السيد جرت مداخلات متعددة انصبت في انتقاد دور اتحاد الصحفيين على صعيد مناصرة الصحفيين المحتجزين والدفاع عن الحريات الصحفية وحماية المؤسسات من الاستهداف. وهى النقطة التي انطلق من الصحافي الخارج من اعتقال توا ، انور عوض، مشيرا الى مواقف الاتحاد في محكات تعرضت حرية الصحفي خلالها للاهدار، وعرج عوض على موقف الاتحاد السلبي الان من الصحفيين المحتجزين والصحف المغلقة دون مسوغات قانونية، معتبرا ان التجاوزات التي تتم لا تتوافق مع كل المواثيق والقوانين المحلية والدولية المعنية بحرية الصحافة والتعبير، وتابع انور : ليست هناك حريات صحفية في البلاد، واما ان تكون هنالك صحافة حرة او لا صحافة على الاطلاق.
ومضي رئيس تحرير التيار في ذات الطريق مؤكدا على ان الاسلوب الذي تم من خلاله ايقافها " استثنائي " غير انه وصفه بالمجرب في بلاد اخرى تكمم الافواه. وشرح عثمان ميرغني بسخرية مريرة كيف ان صحيفته تلقت مكالمة تلفونية تعلمها بوقفها عن الصدور، دون اية تفصيلات او توضيحات؛ ثم تناول ميرغني تجارب الدول المجاورة ومنها "مصر مبارك" في التعامل مع الصحف، مشيرا الى عدم اغلاق مبارك لصحيفة واحدة، رغم معارضتها بشدة لنظام حكمه. وتساءل رئيس تحرير التيار بدوره عن الضمانات التي تمنع ايقاف الصحيفة، مرة اخرى ، حال السماح لها بالصدور بذات اسلوب المكالمات التلفونية.
بينما قال الدكتور عبدالملك النعيم، من جانبه، ان هنالك حريات صحفية نسبية، الا ان اشار ايضا الى ارتباط هذه القضية بجوانب اخرى تختص بالعمل الصحفي ومنها اصلاح المؤسسات وتدريب الصحفيين وترقية الاداء ، ويري النعيم ان كل ذلك على رباط وثيق.
ومع اتساع رقعة المشاركات التي امتدت للكثير من الساسة والصحفيين، فان بعضها اتجه لقضايا اخرى لا تمت لموضوع المنتدى بصلة، لكن اغلبها انصب على القضية المطروحة، فقد شددت الصحافية فاطة غزالي على اهمية " فك الارتباط المصلحي" بين بعض الناشرين ورؤساء التحرير من جهة ودوائر النفوذ ومراكز القوى المختلفة داخل الحكومة، واشارت غزالي الى خطورة التأثيرات الناجمة عن ذلك على حرية العمل الصحفي ومعالجة القضايا بشفافية وصدق، فيما طالبت الناشطة رشا عوض بالاستعاضة عن الصحف في عملية الاتصال بالجماهير، على ضوء هذا الخراب الذي يتنكبها، بانشاء قنوات فضائية اواذاعات.
ورغم ان المنتدى ، الذي اداره الصحافي محمد لطيف، انتهي الى اعلان "مبادرة حماية الحريات الصحفية في البلاد"، المشار اليها انفا، فانه لم يطرح الا مزيدا من الاسئلة حول كيفية كفالة حرية التعبير والنشر، وصيانة حقوق الصحفيين وتجنيبهم الاعتقال، وقبل ذلك اطلاق من هم تحت قيده الان" مروة التجاني، محمد الاسباط ، امل هباني" ؛ الا ان خلاصة الحوار بالامس جددت التأكيد على ان الكرة ، في هذا المضمار، لازالت وستظل في ملعب الجماعة الصحفية في السودان؛ وهى الحقيقة العارية التي تعيدنا لاشارة المتحدث باسم شبكة الصحفيين السودانيين بان الاضراب الجزئي يظل "بالون اختبار له ما بعده" ، وهو ما قد يكون الطريق الوحيد ان صدقت الكلمات بالافعال.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 683

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ماجد محمد علي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة