07-20-2012 10:41 PM

حكاية سودانية سورية بحروف الأمس واليوم !

محمد عبد الله برقاوي ..
[email protected]

مناخات مدينة العين الاماراتية الصحراوية، ليست كأجواء بقية المناطق القريبة من سواحل الخليج ، فهي تتمنع في كبرياء الا ما ندرعن استضافة الرطوبة التي تتطفل علي خضرتها ، وهو ما يجعل الفرصة أمام الكثيرين من قاطنيها سانحة للتمتع بجلسات الحيشان الواسعة فيها .
بيني وبين جاري السوري من اهالي درعا سور بالكاد يستر تحت علوه المتوسط شعيرات الرأس هنا وهناك ، ولكنه لا يمنع تسلل الأصوات من كلا الناحيتين ، ولايتأبى طوله المتواضع عن تسلق أطفالنا من الطرفين وقد سبروا أغوار بعضهم لهجة ولعبا ربما بالقدر الذي استعصى علينا نحن الكبار في غمرة المشاغل والمكابرة خلف الاعتداد بالذات والعادات !
وفي تلك الليلة اكتظ حوش داري بالمعزين في وفاة جدتي الحبيبة التي ربتني على حلو الحكايات واقراض الشعر،عليها الف رحمة .
وما أن ينتهي الداخل الى المجلس من رفع الفاتحة بعد أن تدلف من معه الى مكان جلوس السيدات بالمنزل ، حتى تتعالى اصواتنا مرة أخرى كعادة السودانين مواصلة لجدل السياسة وقد كنا وقتها لم نفق بعد من صدمة خروج خازوق الانقاذ من فوهة المدفع ، فينقسم الناس بين فريق يندد بالأحزاب مسميا قادتها الذين اسأءوا ادارة دفة الديمقراطية وجناح آخر يهلل مستبشرا بالخلافة الجديدة ، وأخرون يكتسون اللون الرمادي هازين برأس الموافقة اذا ما شدهم ذاك الفريق أو هذا الطرف من ثوبهم لمناصره منطقه، وكلما تعالت الأصوات هنا ، انخفضت منصتة في حوش جاري السوري يلفها الخوف من ( كشة ) محتملة قد نجلبها للحي كله !
بعد الحادية عشرة ، لم يعد من ضجيج عندي الا صوت الأواني يردها أطفالي الى الداخل وقد انفض جمع المعزين تباعا !
خرج جاري ، ملتصقا بالحوائط وهو يلملم خوفه في ارتعاشات أنامله ويتفحص ببصره الذائغ موقف السيارات الفسيح خلف مسجد نا التي تفصله عن منزلينا المتلاصقين خطوات قليلة !
وطرق بابي ، مستعلما عن الحاصل ، فقام بواجب العزاء وجلس على طرف المقعد ( داب وردة ) تحسبا لاي طاريء يقتحم علينا الدار !
ثم سالني وهو يرتشف فنجال القهوة في عجل، الا تخافون وأنتم تتناقشون هكذا ؟
قلت له نحن فينا ديمقراطية شعبية فطرية لا تمنح من حاكم ، ولا يستطيع نزعها عنا مهما كان ديكتاتورا!
وهذا دأبنا في مجالس الأفراح والأتراح وحتى في الأماكن العامة وأحيانا في حضور الحكام انفسهم داخل أو خارج بلادنا ، وقد احترمت بلاد المهجر فينا تلك الخصلة طالما أنها لاتخرج عن شأننا الخاص وهي التي صارت من عاداتنا وقد انتقلت في عقولنا وقلوبنا قبل حزم حقائبنا للترحال!
نظر صاحبي نحو الأرض وكأنه يعتذر في خجل وهو يقول لي !
يا جاري العزيز لا تظن انني لا أصلي !
باعتبار أني لا أرتاد المسجد القريب مع رجال الحي!
قلت له ذلك شأن خاص بينك وبين ربك !
ضغط على يدي وهو يقول ، يا أخي ، نحن غيركم ، فانا أخشي أن أصلي بقرب أحد وأمد له يدي قائلا ، تقبل الله ، فيكون من جماعة أمن حافظ الأسد الذي يطلقهم وراءنا قي كل بلاد الغربة !
قلت له ، أتخافون من الأسد ، أكثر من الله ؟
قال وهو يرفع حاجبيه دهشة من غرابة السؤال !
أخي .. ان الله غفور رحيم ، لكن ذلك الثاني لا يرحم !
ثم انصرف مودعا تسبقه التفاتات الحيطة والترقب !
ولست أدري اين هذا الجار تحديدا ، فقد
فرقّت بيننا الأيام اندياحا طويلا و تنقلا كثيرا في احياء المدينة التي اتسعت ، وابتلعتنا الدنيا في لجة مشاكلها التي لا تهدأ !
ولكني أكاد أراه الآن في مقاربة و مفارقة غريبة ،فأتخيل خطوات ابن درعا الواجفة المترددة نحو باب داري وقد ، انطلقت جريئة في مدينته التي انفللت شعلة الثورة من عيون أطفالها !
فيما أرى جرأتي في الجدل الديمقراطي وصوتي العالي كسوداني قد تأخر كثيرا عن انكسار حاجز الخوف في الانسان السوري الذي أوقف قادة الدول العظمى راقصين على الواحدة والنصف ينتظرون منه الاشاره ليدخلوا اليه منتصرا، مادين كف تبادل المصالح في عهده الجديد بلا خوف ، حيث يستطيع الآن وهو المقاوم الجسور أن يهتف مكبرا في عقر دار أمن النظام ، قبل أن يمد سكينه لذبح جلاديه الذين فشلوا في حماية أنفسهم قبل الضحك على
رئيس نظامهم المتهالك بفرية حمايته الى الأبد ، وهم الذين طالما بثوا الرعب في السورين حتى من هم خارج البلاد بان لا يرتادوا المساجد التي هي بيوت الله ، فيما كانوا يجبرون أسراهم على ترديد الوهية حافظ ألأسد التي ورث وهمها شبله الحائر الآن عند مخارج العرين الموصدة من كل جانب!
هي حقا معادلة محيرة ومدهشة !
شعب يخرج فجاة من قمقم الحبس الأزلي البعثي الأسدي منتفضا بقوة وعناد بحثا عن ذاته ، لان الحياة بالنسبة له هي الكرامة الانسانية التي مبدأوها حرية الكلمة ولم تعد فقط علفا وفتاتا من الخدمات المشروطة يوفرها الحاكم كمنحة أو منة ، ولكن في زريبة يمنع فيها الكلام و لو همسا مع جارك في المربط !
وبين شعب كان يستطيع ان يصرخ باعلى صوته وفي أي مكان وزمان ، داخل الزريبة ، وهو شبه ممنوع عنه العلف وكل أنواع الخدمات بأمر الخليفة الذي يشد وثاقه الى أوتاد الدين قسرا بالنفاق ويطلب منه الرضاء بالقضاء والقدر حامدا الله على نعمة الابتلاء ، طالما أنه في ظل حكم فقد رشده وأهليته كونه مستهدف في عقيدته !
ولكن نقطة الالتقاء بين الشعبين ، هي بلوغ قصب السبق وملامسة خط الانتصار في نهاية الرهان!
بينما تظل أوجه الشبه في خاتمة المطاف مابين السجان والجلاد ، انهما لا يعيان الدرس الا بعد ، فوات الآوان !
ومثلما يقال ، فان لكل وقت آذانه ، حيث اتمني أن التقيك صديقي السوري وأنت تصلى جهرا دون خوف ، مثلما رمي سيدنا بلال جرة الحذر التي كان يملؤها بانفاس صوته الايمانية ، فانطلق من بعد الأمان النبوي آذانه الى القلوب والعقول قبل المسامع ليتردد صداه في كل الأرجاء!
والله ناصر الحق في كل زمان ومكان دون تفرقة بين انسان وانسان ، طالما أن الظلم واحد وان تعددت ألوانه ولبوسه!

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1378

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#432525 [MUSTAF]
5.00/5 (1 صوت)

07-20-2012 10:52 PM
مقال فى غاية الروعة والعمق واسال الله ان يزيح عن سوداننا العظيم هذا الكرب


محمد عبد الله برقاوي
 محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة