المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب
أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب
07-24-2012 12:13 PM

أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب

فضل المرجي إبراهيم
[email protected]

أسرد لكم هذا الحدث أعزائي القراء لتشهدوا معي أن الناس في بلادنا خيار وفقوس، وقد عشت هذا الحدث بكل تفاصيله لحظة بلحظة. بطل قصتنا شاب قرويٌ نشأ يتيماً وفقيراً ودخل كلية الطب بجامعة الخرطوم في العام 1987م يوم أن كانت الفرص لدخول الجامعة متكافئة بين جميع أبناء السودان ، لا ببطيء الفقير عنها فقره ولا يسرع بالغني نحوها ثراءه، يوم أن كان طلاب الأمصار يتصدرون قوائم المقبولين بكلية الطب التي أضحت عزيزة أو قل مستحيلة إلا لمن تزمل بالدروس الخصوصية وتدثر بالمدارس الخاصة مدفوعة الملايين. دخل ابن القرية المتواضعة كلية الطب وأكمل سنواتها الست، لم يتعثر خلالها ولم يتتعتع. تخرج طبيباً احتفلت به قريته على طريقتها الخاصة كيف لا وهو أول طبيب من أبناء القرية. عمل صاحبنا طبيب امتياز بمستشفيات الخرطوم _ ودمدني _ المناقل _ ودالنورة وكان متفانياً في عمله حاذقاً ومجيداً لمهنته.. مارس مهنة الطب بكل أبعادها الإنسانية، فقد تبرع بدمه لمريض كانت حالته لا تحتمل انتظار المتبرعين .. أنقذ حياة سيدة كانت أقرب للموت منها للحياة فأجرى لها عملية قيصرية غير معهودة بمستشفى ود النورة المتواضع لأن غرفة العمليات بالمستشفى لا تسمح بإجراء هذا النوع من العمليات وقتئذٍ وعندما هم صاحبنا بالأمر أخبره محضر العملية بأنه لا توجد خيوط للقرز فأرسل الدكتور رسوله لبيطري القرية فأحضر منه الخيوط وتمت العملية بنجاح. أكمل صاحبنا سنتي الامتياز وتم إيقافه ريثما يؤدي الخدمة الوطنية. انخرط في صفوف الخدمة الوطنية وحزم حقائبه وولى وجهه شطر الجنوب في يناير 1997م وعمل طبيباً بمستشفى جوبا العسكري يداوي الجرحى ويشافي المرضى .. في 19/2/1997م تم إرساله لمنطقة كايا بالقرب من الحدود السودانية الأوغندية ليقود الفريق الطبي العامل بالمستشفى العسكري هناك .. في 11/3/1997 سقطت منطقة كايا في أيدي المتمردين وسقطت معها أحلام القرية التي توارى ابنها عن سمعها وبصرها حتى تاريخ كتابة المقال .. سألنا عنه طوب الأرض ولم نجد إجابة.
مرت السنون ووالدته المكلومة غارقة في دموعها تنتظر البشارة مع فجر كل يوم جديد، وقد هرمت قبل أوان الهرم، وحتى اليوم لم يحضر إليها مسؤول يطيب خاطرها ويقول لها تقبل الله شهيدكم أو رد الله أسيركم أو جمع شملكم بمفقودكم ولقد رأينا مدارس تشيد ومستشفيات تنشأ وطرق تعبد تحمل أسماء من هم أقل منه علماً ونفعاً والسبب ببساطة لأنه لم يكن يحمل بطاقة الحزب ولم يشفع له أنه كان يحمل بطاقة الوطن .. أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب.
أما قريته التي كان يحلم بالنهوض بها فما زالت تفتقد لأبسط الخدمات وليس بها سوى مدرسة أساس مهترئة وبائسة المباني بناها الأهالي بما استقطعوه من حصتهم التموينية في ثمانينات القرن الماضي. فمازالت يلفها الظلام الدامس بالرغم من أنها على مرمى حجر من شبكات الكهرباء العالية منها والمنخفضة وقد حفيت أقدام مواطنيها من مطاردة السراب. وحتى شركة النفط التي حلت بديارهم واستقطعت جزءاً عزيزاً من مرعاهم وساهمت بقدر كبير في تلويث بيئتهم ونفوق حيواناتهم ولا ترى في شبابهم إلا عمالاً تستخدمهم وقت الحاجة في أعمال الحفريات بدراهم معدودات وتلفظهم بعد ما تقضي منهم وطرا. حتى هذه الشركة لم تقدم لهم أدنى خدمة مقابل ما أخذته منهم وقد نصبت لافتةً كبيرةً على شارع الأسفلت وكتبت عليها (مشروع مياه قرية الغنامة) الذي لم يرَ النور حتى اليوم لأسباب نجهلها مع حاجة القرية الماسة لمياه الشرب.
عفواً أهلنا في أطراف السودان فإن التهميش لم يكن من فعل الجغرافيا لأننا على بعد 130 كيلومتراً جنوب الخرطوم ولكنه من فعل الإنسان الذي تعمد تغييب عدالة التنمية ولسنا إلا حالة من آلاف القرى والبوادي التي ترزح تحت وطأة التخلف على امتداد وطننا الحبيب. أخيراً ألم أقل لكم أعزائي القراء إن الناس في بلادنا خيار وفقوس.

فضل المرجي إبراهيم
[email protected]

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1336

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#436745 [Kambalawi]
0.00/5 (0 صوت)

07-26-2012 09:43 AM
هذا كله من انجازات نظام الجبهة الاسلامية وهو تدمير كل منطقة الجزيرة. هذه القصة جعلتني ابكي لحالة هذه الام' ارجو من الله ان يعينها في محنتها هذه.
قادتني الصدفة ولاول مرة في حياتي لزيارة قرية في الجزيرة تسمى ود للميط، والغرض من الزيارة كان زيارة استاذ الرياضيات السابق لنا في مرحلة الثانوية... هذا الاستاذ وهب نفسه لخدمة القرية. ... لكن الشى الموسف ان ابناء القرية وحلوا في وسخ هذا النظام ونسوا اهلهم،،،،و مثال لاحد هؤلال د. كرار التهامي؟؟؟؟ اتمني من هذا الدكتور ان يتبرع بما يصرفه علي نصاعة جلاليبه و عممه لاقامة نقطة غيار في هذه القرية،،، وهو احد ابنائها ،،، واللهم اني صائم


#435963 [almo3lim]
5.00/5 (1 صوت)

07-25-2012 04:26 AM
((( مرت السنون ووالدته المكلومة غارقة في دموعها تنتظر البشارة مع فجر كل يوم جديد، وقد هرمت قبل أوان الهرم، وحتى اليوم لم يحضر إليها مسؤول يطيب خاطرها ويقول لها تقبل الله شهيدكم أو رد الله أسيركم أو جمع شملكم بمفقودكم ولقد رأينا مدارس تشيد ومستشفيات تنشأ وطرق تعبد تحمل أسماء من هم أقل منه علماً ونفعاً والسبب ببساطة لأنه لم يكن يحمل بطاقة الحزب ولم يشفع له أنه كان يحمل بطاقة الوطن .. أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب. )))
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نسأل الله أن يعظم اجر أسرته المكلومة و أن يعوضها بخير من مصيبتها ...

مئات الجثث تنتشر في أحرش الجنوب حتى تاريخه( بدون دفن) أو تعريف و للأسف لم نسمع في أي يوم أو أي مرحلة أن أهتمت الدولة بالبحث عن ( شهداءها المفترضين) أو بمخاطبة أي من المنظمات الدولية للبحث عنهم أو حتى الإستعلام من ( شريك الحكم لمدة 5 سنوات ) عن قتلانا في معارك الجنوب ..!!!؟؟

الدول التي يسمونها بدول(البغي و الاستكبار) !!! لا تخرج من أي معركة قبل أن تخلي جرحاها و قتلاها من أرض المعركة و تعيد الكرة مرات للحصول على أفرادها الذين سقطوا في أرض المعركة و حتى إسرائيل اليهودية بادلت حزب الله بـ( رفات قتيلها الطيار ) مقابل خمسائة ( سجين حي) في سجون إسرائيل !!!
و نحن لا نسأل عن مسلم واحد إلا من كان لنا غرض في تمجيده بعرس الشهيد من أجل إزكاء المشروع الإسلامي أيعقل أننا لا نعلم شيئا عمن فقدناهم في حرب (يزعم ) أنها ( جهادية) ..!!!؟؟؟

عار علينا .. عار علينا .. عار علينا ..


#435629 [سيف الدولة عباس]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 04:36 PM
...


#435576 [Seifeldin Taha Yousif]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 02:57 PM
I think he is my colleague Dr Mehdi . If I am right then the story how he was sent where he did not come back , and how he was left for his faith is a real tragedy


#435573 [ابو ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2012 02:53 PM
أمثال هذا الطبيب لا ثواكل لهم في دولة الحزب
صدقت


فضل المرجي إبراهيم
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة