المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
هل تستحق الشرذمة المأزومة أن نهجر لها الأوطان؟!!
هل تستحق الشرذمة المأزومة أن نهجر لها الأوطان؟!!
08-02-2012 10:22 AM

هل تستحق الشرذمة المأزومة أن نهجر لها الأوطان؟!!

تيسير حسن إدريس
tai2008idris@gmail.com

"المُهَجَّرَة" بين هجير الوطن وصقيع المنافي!!
(1)
من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها قطاعٌ عريض من الشباب ومن بينهم نخب فكرية وإبداعية مقدرة في حق الوطن في بداية عهد نظام الإنقاذ ذاك القرار الدراماتيكي بالهجرة الجماعية وفق برنامج إعادة التوطين فلقد تخلوا عن الوطن في لحظة حرجة كان فيها أحوج ما يكون لطاقاتهم ومجاهداتهم وخبرتهم في مقارعة الأنظمة الدكتاتورية ولا أجد لهذا القرار الجماعي بالتخلي عن المسئولية الوطنية وخيانة ذوي القربة وتركهم نهبا لجماعة معلومة التوجه والهوى سوى وصف "الهروب" تجملا.
(2)
لقد كانت فاجعة الانقلاب الإنقاذي مزلزلة، وخيانة الأحزاب لميثاق "الدفاع عن الديمقراطية" وفشلها في تعبئة الجماهير للوقف والتصدي للانقلاب المشئوم كانت القشة التي قصمت ظهر صبر طائفة مقدرة من الشباب الذي ناضل وقاسى الآمرين من أجل إزالة النظام المايوي المقبور ليفاجئه بتجربة ديمقراطية عليلة عنوانها الأبرز هو الفشل وأعادت إنتاجه مما أحدث شرخا عميقا في الوجدان الوطني دفع الفرد لطلب النجاة بجلده وهو يهتف يا روح ما بعدك روح غير عابئ بالنتائج التي ستترتب على قرار الهروب الكبير.
(3)
تركت سلطة الشيوخ الباب مشرعا أمام أسراب الطيور المهاجرة فجوهر سياسة السلطة الخبيثة الدفع بأكبر كتلة جماهيرية معارضة للخروج طوعا أو كرها بسياسات الفصل التعسفي والاعتقال والتعذيب لدرجة أنها قد رفعت أسماء المحظورين سياسيا من السفر -دون إعلان- من كافة موانئ ومخارج البلاد!! فالمهم في تلك المرحلة "مرحلة التمكين" أن يغادر المشاغبون المحبطون من سخف التجربة الديمقراطية الفاشلة ويخلو الجوى لبغاث الطير لتتمكن وتعيث في الوطن فسادا.
(4)
وإذا ما أردنا اليوم وقد مضى على بداية النزيف الوطني زهاء الربع قرن أن نزن بموازين الربح والخسارة تبعات قرار الهجرة الجماعية على أولئك "المُهَجَّرَة" وتأثير ذلك على الوطن فلا شك نجد أن كفة الخسران المبين هي الراجحة في الميزان ويمكن رصد معالم هذا الخسران على الصعيدين "الخاص" الشخصي و"العام" الوطني فلقد تشعبت أوجه الخسارة على كلاهما.


(5)
فعلى الصعيد "الخاص" أدت هذه الهجرة الانفعالية إلى ضرب نظام "الأسرة الممتدة" رمانة ميزان استقرار المجتمع السوداني وأمانه في مقتل فاغلب "المُهَجَّرَة" كانوا شعب وركائز تلك الأسر التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها خالية الوفاض من الدعم المادي وعارية تماما من السند المعنوي ، "فالمُهَجَّرَة" المعاد توطينهم قد أضحى أمر معاشهم يعتمد على إعانات بالكاد تفي احتياجاتهم الضرورية وقد أضر هذا الوضع نفسيا ومعنويا بهم كما أضر بأسرهم الصغيرة والممتدة أبلغ ضرر خاصة في السنوات الأولى من المهجر في بلاد قصية وقاسية القسمات المناخية والثقافية.
(6)
أما الخسارة على الصعيد "العام" الوطني فأكثر فداحة وتكاد تتجاوز حدود تماس الخطأ بالخطيئة ، كون الضرر كان أشمل ووقع على الفئات الضعيفة والبسيطة من الشعب التي ظلت طوال تاريخها تقدم التضحيات مخلصة لقضايا الوطن كما ظلت طوال الوقت متشبثة بطلائعها النخبوية وقياداتها التاريخية تضع بكل ثقة وأريحية مصيرها ومستقبل أبنائها بين يديهم فيغدر بها ويتم خذلانها والتخلي غير المبرر عنها وعن قضاياها وتترك فريسة سهلة لسنابك خيل التتار الجدد بينما القيادات المعول عليها تفر ناجية بجلدها لا تلوي على شيء وهو ما يفسر اليوم عدم الثقة الضاربة بإطنابها وسط عامة الشعب وانعدام تلكم الثقة ساعد النظام الباغي في الترويج لبضاعته الخاسرة (سؤال من هو البديل؟!!) الذي ما فتئت السلطة تروِّج له وتكسب عبره ومن خلاله المزيد من الوقت.
(7)
أدخل قرارُ -النخب بالهجرة الجماعية- الجماهيرَ في دائرة مفرغة من الحيرة ووضعها أسيرة معتقل الشك القاتل الذي لم تستطع إلى اليوم منه فكاكا فقد أحست بمرارة الخذلان وفداحة ظلم النخب لها ومدى انتهازيتها وطاف شريط من ذكريات التضحية والبطولات التي اجترحتها في مصادمة الدكتاتوريات المختلفة وخلصت لخلاصة مفادها أن لا فائدة ترجى من قيادات ونخب تفر وتهرب عند الصدام وتكر راكبة على ظهر الجماهير حين المغنم وهذا ما يفسر تقاعسها – أي الجماهير- اليوم عن مؤازرة الشباب المنتفض رغم رداءة وسوء الأوضاع المعيشية التي لم يشهد لها السودان مثيلا في تاريخه القريب.
(8)
ليس من حق النخب اليوم أن تلوم الجماهير على خنوعها فلقد غرر بها مرارا ولدغت من "الجحر" تكرارا مثنى وثلاث وتم هجرها في رابعة النهار والهروب لفضاءات الحلول الفردية من قبل نفس النخب والتي طبقت عمليا مقولة (كل زول يأكل نارو) الغارقة في الذاتية والأنانية، إذن فلتشرب من نفس كأس المر الذي أثملت به الجماهير وأفقدتها الوعي بإضاعة قيم التكافل المجتمعي وجرح الوجدان الوطني ، فهدم جسور الثقة أسهل بكثير من إعادة بنائها ووصلها وقد كان يمكن تلافي كل تلك الآلام والمرارات التي عانى منها الجميع فقط لو صبرت النخب وفعَّلت القيادات ميثاق "الدفاع عن الديمقراطية" في حينه وقادت الشعب لمقارعة الانقلاب وهزيمة عملية السطو في مهدها صبيحة 30 يونيو 1989م.
(9)
لقد حان الوقت لتعلم القيادات التاريخية والنخب المتباكية على حال الوطن والعاجزة اليوم عن حشد "كتلة التغيير" الجماهيرية كضرورة لنجاح العملية الثورية أن للجماهير ذاكرة وقَّادة شديدة النقاء ما زالت تختزن مرارة الخذلان يوم هجرتها النخب هربا للمنافي ولن يطيب جرح الخاطر المكسور إلا ببذل مزيدٍ من الجهد الصادق لإخراجها من عتمة نفق الشك وذلك بنشر الوعي والمزيد منه في أوساط العامة وتقديم أمثلة حية تدلل على توبتها النصوح من منكر الهرب الجماعي وانحيازها المخلص لقضايا وهموم الشعب وليس أقل من أن تقدم اعتذارا عمليا عما بدر منها من "هجر" بالخروج العلني من قواقع دورها ومراكزها الحزبية وتسلم زمام قيادة الحراك الثوري وتقدم الصفوف ميدانيا وعندها ستسترد الجماهير ثقتها في نفسها وفي قياداتها وتندفع كل السيل العرمرم لتقتلع السلطة الباغية والنظام النخر من جذوره وتلقي به مثلما ألقت من قبل بأمثاله في مذبلة التاريخ.
(10)
إن السؤال المحير الذي يدمي القلب ويرهق ضمير كل من غادر الوطن هربا تاركا بقية أهله وشعبه في جوف الجب ومبعثرا خطاه في وحل ذل المنافي هو: هل تستحق هذه الطائفة الضالة التي سطت بليل على البلاد أن يترك لها الجمل بما حمل وألوذ بصقيع التوحد والاشتياق المضني مخلفين الأب والأم والخالة والعم ووطن بأكمله لوحش سلطة ضالة وفكر مستبد وعاجز حتى عن المحافظة على وحدة التراب ومخلفين أيضا شعبا طيب الأعراق قد أخذ من الأفارقة والعرب أحسن خصالها وزاد عليها باختلاط أمشاجه التي غدت إنسانا نيرا متفردا لا يشبه ما من حوله من الشعوب؟!! لا ورب الكعبة ... لا ورب محمد والمسيح ما كان الأمر يحتاج منا كل هذه المعاناة والألم ولا كل هذه السنوات العجاف من الذل والهوان فقد كان قرار الهروب من وجه الطائفة الباغية جرم وكارثة وطنية يجب على من اقترفوها أن يتداركوها اليوم قبل أن تلعنهم الأجيال القادمة التي خلفوها في المنافي غريبة الوجدان واليد واللسان.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.








تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1293

خدمات المحتوى


التعليقات
#442532 [ابوجميلة]
5.00/5 (1 صوت)

08-04-2012 01:45 AM
صدقت اخي في كل ماسطره قلمك.فنحن هربنا من مواجهة واقع بلدنا التي هي في اشد الحوجة لابنائها من المفكرين والعلماء والناشطين واصحاب الهمم العالية.وطني لك العتبى حتى نعود اليك ونسهم في الاعلاء من شأنك.ورفعتك وطنا نفخر به بين الامم.
شاء الكيزان ام ابوا فالبقاء دائما للحقيقة وان طال الامد.
سيكون الحساب في ذاك اليوم ولد باذن الله.
لكن ماعلمتنااياه الايام ان ليل الظلم مهما طول فان لابد من الاصباح.


#442329 [المنير]
5.00/5 (1 صوت)

08-03-2012 05:33 PM
هذا من أحسن ما قرأته لك، ودائمابتضرب في الوتر الحساس ، ولازم تواصل في كتاباتك وتوضح أكثر كيف نناضل من خلال الغربة، ونحن مستعدين نكفر عن أخطاء الهروب بكل ما نملك عشان الحرية ويعيش الوطن عزيز.


#441870 [صلاح الدين عمر]
5.00/5 (1 صوت)

08-02-2012 07:56 PM
لكن يا سيد تيسير.. ماذا تراهم (أي المهجرين) فاعلون؟! أعطيك الأستاذ بشرى الفاضل كمثال، فبعد أن تم اعتقاله في سني الانقاذ الأولى، وبعد أن خرج من السن، سرعان ما تم فصله من وظيفته كأستاذ محاضر في كلية الآداب جامعة الخرطوم، وجد نفسه عاطلاً عن العمل لا يستطيع أن يسد رمقه، ناهيك عن أهله.. في هذه الحالة ماذا كان سيفعل الأستاذ بشرى.. يجلس بلا عمل، ويطلب من المساعدة من الأهل والأصدقاء.. أم يهاجر في بلاد الله الواسعة؟؟!!!!!! وغيره كثيرين.


#441746 [sudani]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2012 03:34 PM
الله يرحم الحرية في السودان وحقوق الانسان والمساواة , ان الحرية والمساواة التى وجدها السوداني المهاجر في بلدان المهجر لاتساوى بثمن وكل المهاجرين يساعدون اهلهم واسرهم من الكوارث الاقتصادية التى خلفها النظام المدمر الذي جفف البلد من كل منابع الخير والرحمة وكثرة اراقة دماء الابرياء من الاطفال والنساء من عير جرم . سياتى يوم يعود المهاجرين الى اوطانهم بعزة وكرامة مرفوعوا الرؤس


#441689 [ابن السودان حافى]
5.00/5 (1 صوت)

08-02-2012 02:12 PM
صدقت والله العظيم مع تمنياتى ان لايجف قلمك عن الرأى السديد لنفضح الشرذمه الباغيه وانهزمهم بأذن الله وذلك ليس ببعيد


#441585 [مواطن]
5.00/5 (1 صوت)

08-02-2012 12:25 PM
قلناها يااخي مليون مرة هؤلاء العصابة لا ينفع بالتحاور معهم الا لغة السلاح


#441568 [fatmon]
5.00/5 (1 صوت)

08-02-2012 12:08 PM
هم والله وتالله لا يستحقون ولكن ابناؤنا يستحقون وكنا كالمستغيث من النار بالرمضاء لم يكن لدينا أي خيار غير مغادرتهم ينطحون في جسد الوطن الذي تكالبوا عليه وأصبحوا يتفنون في قتله والموت البطئ كان نصيبه وينتفون جسده ويقتاتون حتى فاحت رائحتهم وأزكمت كل الأنوف حول العالم
ولا حول ولا قوة إلا بالله


#441551 [شليل]
5.00/5 (1 صوت)

08-02-2012 11:45 AM
لك التحية ، بلا شك تأثر المشهد بهذا الغياب الكبير فمن تبقى صار مؤلفاً قلبه يقتات من فتات السلطان و يتمرغ في اوحاله ، يزايد عليهم في كل شيء ، صاروا يكذبون أكثر مما يُطلب منهم و يتشدقون بهراء يقتل الهمة و يغتال النفوس الطامحة لعمارة الدنيا ، حسناً فعل بعض الهاربين إن صحت التسمية فهم سفراء لهذا الشعب و أسهموا في فضح كثر من ممارسات العصبة !!
نحتاجهم اليوم و غداً ليكونوا في كابينة القيادة و ينبغي أن نقف بقوة في وجه أؤلئك الذين ناموا في حضن النظام و سبحوا بحمده .


تيسير حسن إدريس
تيسير حسن إدريس

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة