08-02-2012 07:24 PM

(كلام عابر)



عطـية الوزيـر

عبدالله علقم
[email protected]

كثيرا ما يطلب من الطالب الجامعي وهو في سنته الدراسية الأخيرة إعداد بحث أو بحوث في مجال دراسته، وقد يقوم بذلك منفردا وقد يقوم به مع مجموعة من زملائه من ذات الدفعة والتخصص الدراسي. وكثيرا ما يتطلب البحث الاستعانة بالتقنيات الحديثة من أجهزة اتصال وكمبيوتر وغيرها لتوفير مواد البحث وترتيب وتصنيف وتحليل البيانات والمعلومات وطباعة وتغليف البحث ، وقبل ذلك القيام بالزيارات الميدانية المختلفة التي يتطلبها البحث والتي قد تتم لمناطق بعيدة نوعا ما من الجامعة مقر البحث وما قد يتخلل تلك الزيارات من الاستبيانات واستطلاعات الرأي. العملية مكلفة ماليا وذهنيا ،وفي معظم الحالات لا تتوفر للجامعات الميزانيات اللازمة لمثل هذه البحوث فيضطر الطلاب للبحث عن جهات أخرى داعمة من خارج الجامعة وتتفاوت درجات النجاح في الحصول على الداعمين.
التجربة التي نحن بصددها في هذه السطور جرت أحداثها قبل نحو أربع سنوات في جامعة حكومية معروفة، وكانت قائمة قبل ما أسموه مؤخرا بثورة التعليم وهجمة الجامعات، وجرت كذلك في وزارة مركزية معروفة . فكّر الطلاب الذين سيجرون البحث وكان عددهم أربعة في اللجوء لجهة داعمة لم يحددوها بعد لمواجهة شح امكانات جامعتهم، ولكن أحدهم فاجأهم عندما قال لهم إنه يملك الحل. الحل ليس عنده تماما ولكنه يعرف المدخل إليه، وكان المدخل هو خاله الوزير المركزي. جاءهم ابن أخت الوزير في اليوم التالي وطلب إليهم تحرير طلب للوزارة بالدعم المطلوب دون تحديد رقم بعينه كما قالوا له ، ثم لم ينقضي يومهم حتى عاد إليهم بالبشارة السعيدة. تمت الموافقة على طلبهم ، ليس ذلك فحسب ولكن خاله الكريم جدا وافق على منحهم مبلغ خمسين مليون جنيه(بالعملة القديمة) بالتمام والكمال ، وهو مبلغ يفوق كل توقعاتهم إذ أن ما يقل عن ربع ذلك المبلغ كان كافيا لهم. وإزاء هذه (الثروة) التي هبطت ،أو ستهبط ، عليهم من السماء كان لا بد لهم من جلسة يراجعون فيها خططهم ومشروعهم البحثي ، وقرروا بناء على المعطيات الجديدة توسيع نطاق البحث ليشمل محاور جديدة وقرروا كذلك تمديد الجانب الميداني في البحث ليشمل ولايتين بعد تقسيم مجموعتهم إلى مجموعتين كل مجموعة تختص بالدراسة الميدانية في ولاية واحدة لتكون النتيجة النهائية بحثا متميزا من جميع الأوجه تحفظه لهم سجلات الجامعة.
في صباح اليوم التالي ذهبوا للوزارة لاستلام المبلغ الموعود حيث قاموا بالتوقيع على ما طلب منهم من أوراق دون أن يدققوا كثيرا في محتواها سوى مبلغ الخمسين مليون وجلسوا في انتظار اللحظة السعيدة، ولكنهم وجدوا أم المفاجآت عند مرحلة الصرف فقد اختفى صفر كبير من الخمسين مليون وتحول المبلغ بقدرة قادر إلى خمسة ملايين فقط ، فعقدت الدهشة ألسنتهم ولكن أحد العالمين ببواطن الأمور نصحهم باستلام الخمسة ملايين حتى لا تختفي هي الأخرى وتلحق بإخواتها الخمسة وأربعين لأن من ابتلعوا الخمسة وأربعين لن يتورعوا من ابتلاع الخمسة غير آبهين بأحد، وسيطول بهم،أي يالطلاب، الانتظار إذا اختاروا طريق الشكاوي وينقضي الزمن المخصص لإنجاز البحث. فعملوا بالنصيحة وغادروا الوزارة ولسان حالهم يلهج بالشكر والثناء للسيد الوزير وللسادة والسيدات العاملين في الوزارة وانصرفوا إلى خطة بحثهم الأصلية وتكييفها مع المتغيرات الجديدة والفرحة المجهضة.
الحق لله لم يكن للوزير نصيب من الخمسة وأربعين مليونا، ليس بسبب طهارة يد الوزير أو نقاء سيرته، ولكن لأن مثل ذلك المبلغ (الهايف) لا يقع في نطاق اهتمامه، فضلا عن أن المبلغ يخص ابن أخته وزملائه، والذي حدث هو أن المبلغ خلال رحلته الورقية الطويلة من مكتب الوزير إلى جيوب الطلاب تعرض للسطو المنظم من قبل شبكة متمكنة وجريئة تمارس نشاطها داخل الوزارة بلا حظ من حياء أو خلق .

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1093

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#442897 [شهاب ثاقب]
0.00/5 (0 صوت)

08-04-2012 04:05 PM
كنت من المعتقدين أن الفساد الحكومي في السودان منذ الحصول على الإستقلال وحتى الآن سببه أو جزء منه إلى الحكم التركي في السودان ولقدترك أُثرا واضحا على المجتمع السوداني
ما يخيفني هو رد فعل المجتمع السوداني تجاه الشخص السوداني الفاسد حكوميا حيث نري أن المجتمع بكل فئاته يضع الشخص الفاسد في مكانه إجتماعية لايستحقها رغم علمهم بفسادة المالي
بل نري كسير ثلج شديد لأخونا الحرامي من أسرته وأقاربه وجيرانه وزملائه هذا يعني أن الجميع يشارك في ذلك أقول إن أخطر ما حدث من ثورة الإنقاذ هو التدهور الإجتماعي والفساد الأخلاقي وللأسف كل هذا يتم باسم الدين وأكيد هذا الوزير الحرامي سوف يكون خلف الرئيس الراقص ليقول هي لله
الفساد لم يكن ليستشري لو لم نكن نحن نملك بذرة الفساد في داخل كل ســــــــــــــــوداني


#442412 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

08-03-2012 10:38 PM
لنا تجربة مع وزارة المالية لتحصيل استحقاقات دراسية.... بعد مشاوير طويلة من الجري و المساسقة و اللف و الدوران تنازلنا عن 30 بالمائة من المبالغ لمافيا وزارة المالية فاستخرج المبلغ في غمضة عين... بس في الخمسين مليون الجماعة كتروها شوية


عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة