المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
شهادتي أمام اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي
شهادتي أمام اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي
08-04-2012 09:24 AM

شهادتي أمام اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي
بروكسيل، بلجيكا 20 يونيو 2012

عمر قمرالدين إسماعيل*

بادي ذي بدء أود أن أشكر الرئيس، ونواب الرئيس، وأعضاء اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي لمنحي شرف الادلاء بشهادتي أمامكم اليوم. وحقا أنا ممتن، نيابة عن شعب السودان وجنوب السودان، لدفاع اللجنة الفرعية عن حقوق الإنسان منذ فترة طويلة وهذه اللجنة تضطلع بدورها على أكمل وجه لخدمة الضحايا الأكثر تضررا.
عقب إنفصال جنوب السودان عن الوطن الام ليصبح أحدث دولة فى العالم فى (يوليو 2011)، تدهورت حالة حقوق الإنسان في كلا البلدين كثيرا، وذلك بسبب القضايا العالقة بينهما. وأدت أعمال العنف التي اندلعت نتيجة للخلافات حول ترسيم الحدود، والمواطنة، وعائدات النفط، والوضع الأمني العام إلى تضييق الخناق على المعارضة الداخلية في البلدين بهدف تعزيز الوضع الداخلي المحتضر في كلا البلدين.
ففي واقع السودان، صادرت الحكومة بعض الصحف وأغلقتها وسجنت الصحافيين وقادة المعارضة، ووصفت بعض معارضيها بانهم "طابور خامس" وخونة. والحال هكذا لحظنا في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان القصف الجوي، والعنف ضد المرأة، واستخدام الغذاء كسلاح في حرب بلا هوادة.
أما في جنوب السودان فحالة حقوق الإنسان ليست بأفضل حالا من تلك التي نشهدها في السودان. وقد شابت سمعة البلد الوليد مزاعم بتزوير الانتخابات، وإساءة معاملة المدنيين من قبل قوات الأمن، وتعاظمت الحملة على الحريات الأساسية، وتفشى الفساد الذى جعل البلاد غير قادرة على تقديم الخدمات ودفع فواتيرها. ومع ذلك، فمن المهم الشهادة بأن حكومة جنوب السودان لم تقم بشن حرب على شعبها على النسق الذي فعلته الحكومة السودانية مع مكونها الجغرافي.
حالة السودان
إن استراتيجية الحكومة ما تزال تعتمد على الحل العسكري لمشاكل التهميش في مناطق السودان النائية، وذلك ما أدى إلى اتساع بؤر الصراع، وزيادة عدد الضحايا المدنيين المعرضين للخطر. ففي دارفور مثلا، نجد أن مستويات العنف اليوم هي أقل مما كانت عليه خلال ذروة فترة 2004 - 2005 ، ولكن الأسباب الجذرية للعنف ما تزال قائمة. وهذا يعني أن أعمال العنف المستمرة قد تتصاعد في أي لحظة في هذا النزاع الذي طال أمده. فضلا عن ذلك فقد صار وصول المنظمات الإنسانية إلى المناطق المتضررة يزداد صعوبة في الإقليم. وهكذا فإن الخرطوم تعرقل بإنتظام قدرة المنظمات غير الحكومية الدولية، أو المنظمات غير الحكومية المحلية، على توفير الخدمات في مناطق عديدة من دارفور.
هناك تقارير عن خفض الحصص الغذائية إلى النصف بالنسبة لمعظم المخيمات. وحتى في جبل مرة وغرب دارفور، يزداد الوضع سوءا. وقد حذر تقرير حديث لبرنامج الغذاء العالمي، من أن دارفور قد تكون خاضعة بالفعل الى نقص حاد في المواد الغذائية. وفي بيان أذاعه راديو دبنقا، دعا قادة المجموعات الثلاث الرئيسية للمتمردين المجتمع الدولي الى التدخل لوقف وقوع مجاعة محتملة في دارفور.
أما بعثة حفظ السلام المشتركة في دارفور يوناميد فإنها لا تتمكن من الوصول إلى معظم المناطق في دارفور وذلك بسبب القيود المفروضة من قبل الحكومة التي إنتهكت بشكل مباشر حق التفويض الذي منح ليوناميد عام 2008. هذه القيود تحد من قدرة البعثة على تنفيذ ولايتها لحماية المدنيين ورصد حالة حقوق الإنسان في المناطق المضطربة. كما أن السلطات المحلية تحد من قدرة البعثة المشتركة، وذلك بوضع العراقيل المتعددة حيث تمنع من التحقيق في حالات الاغتصاب وغيرها من أشكال العنف ضد النساء والأطفال.
وكما هو الحال في دارفور، أدت أعمال العنف في منطقة جبال النوبة في جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى نزوح جماعي للمدنيين إلى دولتي جنوب السودان واثيوبيا، على التوالي. فالخرطوم تستخدم القصف الجوي العشوائي. وفي بعض الأحيان تستخدم القنابل العنقودية المحرمة لترويع المدنيين، وطردهم من أراضيهم إلى المجهول.
ونسبة لقناعتها أن وضع المشردين داخليا، أو في مخيمات النازحين في دارفور أجبر العالم للرد على انتهاكات حقوق الإنسان المتفشية هناك، فإن الحكومة تسببت في نزوح مئات الآلاف من المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى البلدان المجاورة. وبالتالي فإن الحكومة سعت أيضا إلى تجنب التقارير السلبية عن طريق حرمان سكان مناطق النزاع من الوصول إلى المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام ومراقبي حقوق الإنسان. هذا الواقع أدى إلى تفاقم الوضع بالنسبة لأولئك الذين تركوهم وراءهم في القرى. ولم تكتف الحكومة بهذه القيودات التي سبق ذكرها وإنما حظرت دبلوماسيين ومسؤولين على مستوى عال من الأمم المتحدة من مراقبة هذه التجاوزات.
ومع ذلك فقد وثقت منظمة العفو الدولية عبر سلسلة من التقارير في عام 2012 القصف العشوائي وانعدام الأمن الغذائي في الدولتين. وعلى الرغم من مايشبه الحظر من الحصول على الموارد والمعلومات، تمكن مشروع كفاية، وهو مشروع لانهاء الابادة الجماعية وجرائم الحرب والفظائع الجماعية، وأيضا تمكن مشروعها الحارس القمر الصناعي، من تنبيه العالم بالحالة المروعة لشعب النوبة من خلال إستخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية. ولقد كنت جزءً من فريق مشروع كفاية الذي زار مخيمات لاجئيي النيل الأزرق في غرب إثيوبيا وحقا سمعت صوت قصف عبر الحدود في الكرمك بينما كنت أهم بعمل مقابلات مع لاجئين جدد وصلوا لتوهم الي اثيوبيا.
ولقد كان لمشروع القمر الصناعي الحارس أيضا دورا فعالا في إكتشاف مقابر جماعية في عاصمة ولاية جنوب كردفان كادوقلي، ومحاولات الحكومة السودانية لإخفائها. وأفاد شهود عيان أن قوات الأمن في السودان قامت بحملات تفتيش للمنازل بالمدينة أدت إلى قتل وإختطاف بعض أعضاء أو مؤيدي الحركة الشعبية لتحرير السودان، قطاع الشمال.
إن ما يجب توضيحه هو أن العنف ضد المدنيين ما يزال مستمرا إلي يومنا هذا في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق. وهناك تلوح في الأفق نذرمجاعة ما قد تؤدي إلى تهديد حياة مئات الآلاف في مناطق النزاع في الإقليمين. وبرغم هذا تصر الحكومة السودانية على ألا يتم منح منظمات الإغاثة الفرصة للتدخل بالمساعدات الانسانية لإنقاذ هذه الشعوب الضعيفة. ولقد فشلت محاولة من جانب الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي لأخذ تعهد من السودان لعقد اتفاق ثلاثي بين متمردي الحركة الشعبية، قطاع الشمال، والمجتمع الدولي. الخرطوم رفضت نهائيا التوقيع على الاتفاق بعد أن أخذت وقتا كبيرا أظهرت فيه فقط رغبتها للمراجعة والرد.
في بعض الحواضر وفي العاصمة الخرطوم، تقوم قوات الأمن بإستهداف المجموعات العرقية من دارفور وجبال النوبة، وولاية النيل الأزرق حين تشتبه في أنهم من أنصار المتمردين في مناطق النزاع. وهناك تقارير من نقابة محاميي دارفور، فضلا عن غيرها من جماعات حقوق الإنسان، تبين أنه تتم مضايقة الناس بجريرة خلفياتهم العرقية. بل ويتم إعتقالهم من الحافلات وغيرها من وسائل النقل العام وسجنهم بدون محاكمة لفترات مختلفة من الزمن.
وعلاوة على ذلك، فهناك العديد من تقارير وسائل الاعلام التي اوضحت فيها حرمان بعض الجماعات من مناطق النزاع من فرص التعليم أو العمل بشكل صارم على أساس إنتمائهم العرقي. فضلا عن ذلك، فإن مئات الآلاف من السودانيين الجنوبيين التي بقيت في السودان بعد إنفصال الجنوب مواجهة ببعض المواقف الصعبة. لقد تم تجريد هؤلاء من وظائفهم وحرمانهم من الجنسية السودانية، وإخضاعهم لمخاطر الترحيل وفقدان ممتلكاتهم، بالإضافة إلى تعريض تعليم ورعاية أبنائهم للخطر.
إن الحريات الأساسية مثل حرية التعبير والتجمع مقموعة من قبل حكومة السودان. أما أجهزة المخابرات الوطنية والأمن، أو الاستخبارات، فهي تمارس القمع والتشريد في إنتهاك واضح للدستور المؤقت. وتقوم هذه السلطات الأمنية بإعتقال الصحفيين وتقديمهم للمحاكمة، وإغلاق أو مصادرة الصحف والمعلقين وتخويف النخبة التي تشكل الرأي العام. وقد إستخدم جهاز المخابرات المحاكم لفرض غرامات باهظة على الصحف التي تجرم لمجرد نشرها آراء مضادة لتلك التابعة للحكومة.
لقد أعتقل الصحفيون لعدة أشهر من دون إتهامهم بإرتكاب جرائم محددة أو السماح لهم برؤية محاميهم. وهناك حالة شهيرة هي أن الأستاذ فيصل محمد صالح، وهو صحفي معروف ومحاضر جامعي، أعتقل بشكل غير قانوني. ولم يكن ليفرج عنه إلا تحت شرط أن يقدم تقريرا كل يوم إلى مكاتب الأمن في الخرطوم. حيث يأتي إلى جهاز الأمن في الصباح ويتم التحفظ عليه لمدة تصل إلى عشر ساعات في اليوم، والسماح له بالعودة الى منزله ليلا. وكان يطلب منه أن يعود في اليوم التالي. وفي يوم ما قرر عدم الإبلاغ إحتجاجا على هذه المعاملة، ولكن تم إعتقاله من منزله. وأفادت الأنباء أنه عومل بهذه الطريقة المهينة كونه إنتقد الرئيس البشير في مقابلة أجرتها معه قناة الجزيرة. ويلزمني الإشارة هنا إلى أن مؤسسة فريدم هاوس وهيومن رايتس ووتش وثقتا عبر تقارير لهما إستهداف الصحفيين والجماعات الطلابية طوال عامي 2011 و 2012.
إن مضايقة الحكومة لأحزاب المعارضة وسجن وتعذيب المعارضين السياسيين إنما هو سلوك مشين لنظام الخرطوم. كما أن المعارضين وقادة الأحزاب السياسية من الأحزاب الكبيرة مثل الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة، والحزب الشيوعي أصبحوا عرضة للمضايقات الدورية من قبل السلطات لكنهم آمنون من الإعتقال بشكل عام نظرا لمكانتهم العامة. ومع ذلك، فأعضاء من حزب المؤتمر الشعبي، فضلا عن قائده الترابي، يتعرضون لمضايقات واعتقالات واسعة أكثر حدة وأطول وقتا ويواجهون عقوبات بالسجن.
وبالإضافة إلى ذلك فقد حظر النظام تنظيم الحركة الشعبية، قطاع الشمال، واعتقل أكثر من مئتين وستين من أعضائه القياديين وتعرض بعضهم للتعذيب والإختفاء. والسبب في ذلك يعود إلى التصريح بوجهات نظرهم السياسية وصلتهم بالجناح العسكري للحزب، والذي يقود تمردا ضد الحكومة. إن المجموعات الصغيرة، لا سيما الطلاب والشباب مثل قرفنا، عبروا بانتظام عن المقاومة غير العنيفة إحتجاجا على الحكومة ولكنهم ووجهوا بالمضايقة والتعذيب والاحتجاز غير القانوني لأيام وشهور في بعض الأحيان.
إن الحقيقة التي لا مراء فيها أن النظام لا يتسامح مع المعارضين، وتكتيكاتهم المنظمة. وفي هذا يتم رصد شبكاتهم الاجتماعية الإليكترونية والبريد الإلكتروني، والفيسبوك، وتويتر. أما منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان فإنها تواجه مضايقات مماثلة من قبل الحكومة. فمنظمات حقوق الإنسان وإتحادات المحامين تصرح دائما بالدفاع عن هؤلاء المعتقلين بصورة غير مشروعة ولكنها تواجه بغضب النظام من مثل هذه النشاطات.
بالنسبة للعنف ضد المرأة فهو السائد في السودان. وعلى سبيل المثال فإن الأخطر والأكثر خطورة هو تفشي إستخدام الإغتصاب في مناطق النزاع. ففي دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان هناك دلائل تكشف باستمرار وجود وثائق كثيرة تثبت هذا الزعم. ولكن الحكومة لا تعالج مثل هذه القضايا كون أن مرتكب الجريمة الرئيس يرتبط بالنظام.
وعلاوة على ذلك، فالدولة تستهدف المواطنين الذين يجرأون على الإبلاغ عن هذه الجرائم من قبل الدولة ومن ثم يتعرضون للاضطهاد. فتهمة الاغتصاب لايوجد لها تعريف مناسب في القانون السوداني، ومحاكمة مرتكب الجريمة تتم وفقا لقانون "الزنا"، والذي يضع اللوم على الضحية بدلا عن الجاني. إضافة إلى الظلم الواضح المحيط بالمرأة والمواجهة بالعنف الجنسي، فإن النساء في السودان يخضعن لقيود صارمة. ولعل أشهر مثال لهذا فقد تمت محاكمة لبنى حسين، وهي صحافية وناشطة سودانية لإرتدائها "البنطلون" وكانت المحاكمة تحت قانون الأعمال المنافية للحشمة. والنساء دائما يعانين القيود في حياتهن، وغالبا ما تكون التنظيمات النسائية والأفراد الذين يسعون لمحاربة هذه القوانين والتشريعات المقيدة عرضة للاتهام بالتحريض على التخريب، والذي يتضاعف من حيث الادعاءات والعقوبات، فضلا عن الترهيب الذي كثيرا ما يمنع هذه التنظيمات النسائية من أداء وظيفتها.
منذ مجيي النظام الحالي إلى السلطة في عام 1989، فقد أعلن أن السودان بلد عربي وإسلامي. هذا الوضع أدى إلى إستشراء التمييز على أساس ديني وعرقي. فالنظام شن حربا جهادية في الجنوب، وحاول فرض قوانين الشريعة في الشمال، هذا بالرغم من أن العديد من المواطنين من المسلمين وغير المسلمين إعترضوا على مثل هذا النظام القانوني.
إن الغالبية من المسيحيين والأقباط، والممارسين للأديان الاخرى من السكان الأصليين يلحظون تقليصا وتعديا على حقوقهم. وبعد الانفصال أصبح هذا الوضع أسوأ. فخسارة الشمال للجنوب أدت إلى تأجيج المشاعر القومية للعروبة والإسلام مرة أخرى، فضلا عن إعطاء النظام سانحة تبرير لمضاعفة هذه السياسة. وفي اجتماع شهير حاشد في ولاية القضارف، أعلن الرئيس البشير أنه بعد إنفصال الجنوب فإن السودان المتبقي هو إنما سودان دولة إسلامية-عربية. ولعل هذا الزعم لا يترك فسحة وجود لأية هوية أخرى في البلاد. لاحظنا أيضا أن العديد من الصحف المتشددة التي لها علاقات مع النظام تحرض بإنتظام على الكراهية والعنف حتى ضد المسلمين. فصحيفة الانتباهة، التي يملكها خال الرئيس البشير عرفت بسوء السمعة في نشر الكتابات التي تحرض على تلك الكراهية نحو غير المسلمين.

وفي الأثناء كان إحراق كنيسة في حي الجريف في الخرطوم من جانب حشد غاضب برهانا على الاخطار التي تواجه مجتمعات الأقليات. أما في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان حيث نجد أن كثير من المواطنين ليسوا بمسلمين أو عرب ولكنهم يتعرضون لتمييز مزدوج على أساس الدين والعرق.
حكومة السودان لم تساءل عن أي من هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان. فالدستور المؤقت للسودان من الناحية الفنية يخضع للقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويشمل حتى ميثاق الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان. ولكن عند الممارسة فإن القضاء يعمل بشكل مختلف تماما عن تلك المواثيق وبالتالي يعجز عن حماية المواطنين. فعلى سبيل المثال، إذا تم اغتصاب امرأة فإنها لن تجد فرصة للإدعاء أمام المحكمة لأنها تعرف أن القضاة لا يستطيعون الإقتصاص لها بل ويمكن أن توجه لها تهمة الزنا. إضافة إلى هذا فالعنف المنزلي الذي يواجه المرأة غير مبلغ عنه وغير موثق أيضا، ذلك لأن المحاكم، أصلا، سوف تنحاز إلى الرجال. وفيما يتعلق بالعدالة الجنائية، فالسلطة القضائية متواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان أكثر من الفصل فيها.
إن مسائل الإحتجاز لأجل غير مسمى، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القضاء للمنشقين والمعارضين السياسيين، وما شابه ذلك إنما هي من المسائل العادية. فالمحاكم ليست السبل العملية للاقاضي حتى إن كانت القوانين التي تحمي المواطنين وحقوقهم الأساسية متضمنة في لوائح القضاء ومواثيقه. وهكذا تحاول الحكومة السودانية خداع العالم من خلال الدفع بتصريحات بلاغية عن الإتمام بفرض العدالة والدفاع عن حقوق الإنسان عبر أنظمتها القانونية في حين أن الحكومة لا تفعل شيئا في واقع الأمر.
لقد استقال ثلاثة من مدعيي جرائم الحرب في دارفور احتجاجا على هذا الوضع. ومن بين هؤلاء المدعين أحمد عبد المطلب الذي قال بفشله كمدع في كسر بند الحصانة، والذي يحمي جميع الحكوميين المشتبه في تورطهم حيث تمنع الحصانة القانونية من توجيه التهمة إلى أفراد القوات الملسلحة وبقية القوات النظامية. وكما ارتكبت العديد من الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان في السودان من قبل هؤلاء الأفراد، فإن بند الحصانة جعل من المستحيل إقامة المساءلة. فالنظام القضائي السوداني لا يفضي إلى إنهاء الإفلات من العقاب، ويعمل فقط لدعم أولئك الذين يرتكبون تفشي انتهاكات حقوق الإنسان مثل تلك المذكورة أعلاه.
حالة جنوب السودان
إن الوضع في جنوب السودان مختلف بعض الشيء من نظيره في السودان. فجنوب السودان يفتقر إلى القدرة المؤسسية للتعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان. كما أن عقودا من الحرب لا تسمح للجنوب بتطوير الإدارة المدنية. ضف إلى ذلك أن تهميش الخرطوم للمنطقة لم يعط الجنوب القدرة على حكم نفسه. والنتيجة هي الآلام المتزايدة للدولة الجديدة الضعيفة المحكومة من قبل المتمردين السابقين، والذين يتعاملون مع مشاكل أكبر من مجرد إحساسهم بالفوز ببساطة عبر التمرد العسكري. ومع ذلك، وعلى الرغم من الطابع غير المقصود للكثير من إنتهاكات جنوب السودان في مجال حقوق الإنسان، فإن بعض الانتهاكات متعمدة وأن السلطات غير مجهزة من ذوي المهارات أو القدرة على وضع حد لها لتحقيق العدالة. فالجنوب يحتاج إلى تدريب، ووقت لإكتساب الخبرة، والمساعدة التقنية لتطوير جهاز شرطة قادر على فرض القانون والنظام بشكل إيجابي، فضلا عن حاجة الجنوب إلى نظام للعدالة الجنائية والسلطة القضائية ذلك الذي يتفاعل مع المدنيين على أساس يومي وبصورة وقائية.
إن إستمرار العنف في الريف هو نتيجة لإستراتيجية حكومة جنوب السودان لمكافحة التمرد. ففي المناطق الحدودية القريبة من السودان نجد أن المدنيين قد ظلوا عرضة للإنتهاكات وذلك بسبب طبيعة الأحوال شبه العسكرية، حيث يهيمن على هذه المناطق الجيش الشعبي. وعلاوة على ذلك فإن هذه المناطق هي موطن لعدة ميليشيات إنفصالية تدعمها الخرطوم، مثل جماعة جورج أتور الراحل والمتمردين المرتبطين بقيادة بيتر غاديت، وما يمكن أن يقال هنا إن تكتيكات الحكومة في التعامل مع التمرد كانت عدوانية بشكل خاص.
إن عدم قدرة الحكومة على تأمين أراضيها وسكانها قد أدى إلى إنتهاكات لحقوق الإنسان من قبل جيش الرب للمقاومة، وهي الجماعة المتمردة سيئة السمعة التي تتحرك داخل وخارج جنوب السودان مع قدرتها على الإفلات من العقوبة. وفي حين أنه من غير الواضح ما إذا كان جيش الرب للمقاومة ما يزال يتلقى دعما من الخرطوم، فإن المجموعة تقترف أعمال الاغتصاب والخطف، وقتل المدنيين في المناطق التي لا يسود فيها القانون. وبالإضافة إلى ذلك، فإن واقع الريف هناك ما يزال مدججا بالسلاح وحالته متأثرة بواقع الحرب الأهلية التي ساهمت في تفشي العنف في كثير من الأحيان في جميع أنحاء البلاد.
هناك، أيضا، وجدنا العنف ماثلا بين قطاعات المواطنين بسبب سرقة الماشية، بينما الدولة لا تملك القدرة على التعامل مع هذا السلوك. ومع ذلك، فإن من مسؤولية الدولة حماية مواطنيها من انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبونها بعضهم البعض. ونظرا لعدم قدرة الدولة الضعيفة أصلا لتأمين القانون والنظام، فإن حقوق المواطن ستظل منتهكة من جانب آخر. ومما يبدو أن الدولة ليست نشطة في هذه الانتهاكات ولكنها متواطئة ومسؤولة عن فشلها في حماية مواطنيها. ومما زاد المشكلة تفاقما أن الحكومة حاولت أن تجرد المواظنين من السلاح بالقوة دون تصور سليم ما أدى إلى أربع حملات فاشلة. حقا أن عملية نزع السلاح والفوضى أدت إلى مزيد من الحدة بين السكان المدنيين والجيش الشعبي.
والحقيقة أنه بعد سنوات من التمرد، هناك مشاكل كبيرة ولكن علاجها يتم بالطابع المهني للجيش. كما تفتقر الحركة الشعبية بشكل واضح للقيادة المسيطرة إذ هي تعمل الآن على درجة عالية من الإفلات من العقاب. فمسائل الاغتصاب والتعذيب والاعتقال غير القانوني والقتل خارج نطاق القضاء تحدث بشكل متكرر نسبيا، ولا سيما في المناطق المسلحة للغاية في البلاد. ومن دون شرطة خدمة مدنية عاملة فالجيش يمثل مشكلة في حد ذاته في محاولاته لغرس النظام والقانون. فالجيش يتعامل بوجهة نظر عسكرية مسلحة ولا يأخذ في الاعتبار القواعد المدنية لحماية حقوق الإنسان وأحكامها. ولم يتم تخويل الجيش الشعبي لإعتقال المدنيين ولكنه يفعل ذلك، وهناك حالات عدة في جنوب السودان لقادة يعملون بدون وجود نظام قيادة وسيطرة واضحة، ويستخدمون مواقعهم لأخذ القانون بأيديهم، وغالبا لأسباب تافهة.
هناك أدلة موثقة بأن زوجات القادة يتورطون في نزاعات صغيرة مع تجار القرى وبعد ذلك فإن قادة الجيش يستخدمون سلطاتهم لإعتقال ومضايقة التجار. وهذا دليل آخر على عدم وجود العدالة الجنائية والمؤسسات القضائية التي من المفترض أن تحمي المواطنين من الاعتقالات التعسفية. ولقد أوردت جماعات حقوق الإنسان وجود حالات بشعة للسجون في جنوب السودان. إنها تفتقر إلى التجهيزات ومرافق السجون الحقيقية. أما الوضع في المناطق الريفية فهو أسوأ حيث هناك تقارير تشير إلى أن السجناء يقيدون بالسلاسل تحت الأشجار وفي الهواء الطلق من دون سقف. وفي قلب العديد من هذه القضايا نجد عدم وجود قوة شرطة مدنية لتعزيز القانون والنظام وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم وفقا للقواعد الديمقراطية.
عشية الاستقلال صار جنود الجيش الشعبي كادرالشرطة. ومع ذلك، جلبوا سلوك الجيش المتمرد حينما كانوا يتعاملون مع المدنيين. ومع وجود مجموعة من المتمردين تعمل بوصفها قوة للشرطة في الدولة من دون قوانين واضحة المعالم أو هيئة قضائية مخولة، فإن إنتهاكات حقوق الإنسان آخذة في التفاقم.
في الواقع هناك شعور وسط االجيش الشعبي للحركة الشعبية بإستحقاقه للحكم كون أن قادته جلبوا الاستقلال وتبعا أن لهم الحق الآن في الحكم. ومع ذلك، فإن هذه العقلية المعادية للديمقراطية هي من الخطورة بمكان لأنها تؤدي إلى عدم التسامح مع أي معارضة. وهناك أدلة عن عمليات إختطاف تحت دوافع سياسية للأفراد الذين "تجرأوا" لخوض الانتخابات ضد شخصيات بارزة من الحركة الشعبية. وفي هذا الإطار، يمكن استخدام الجيش الشعبي غير المنضبط لإستهداف مستمر للمعارضين للحركة الشعبية السياسية بطريقة خارج نطاق القانون. هذه العقلية تمتد لتؤثر سلبا على صعيد الحريات الأساسية. وكما يحدث في السودان، فان الحركة الشعبية غير متسامحة مع المعارضين، وتحد من الحريات الصحافية والتجمع، وحرية التعبير، ولكن هذا الأمر ليس بشكل منتظم كما هو الحال في السودان.

إن أفراد الحركة الشعبية يعتقلون المعارضين السياسيين البارزين ويستهدفون الصحفيين والصحف. وأوردت لجنة حماية الصحفيين في سبتمبر 2011 أن "الصحفيين المحليين يخشون من أن المتمردين السابقين الذي تحولوا لمسؤولين حكوميين ما يزالون يتعاملون بعقلية حربية..وهم غير معتادين على النقد وليسوا على إستعداد لتوسيع نطاق الحريات التي قاتلوا من أجل تحقيقها".
وهناك حالة جديرة بالذكر فالصحافي تعبان بونيفاسيو، وهو مراسل لسودان تريبيون، يتعرض لسوء معاملة بشكل منتظم من قبل الجيش الشعبي نسبة لتقاريره الناقدة . كل هذا يحدث في حين تقول الحكومة إنها تروج بنشاط للديموقراطية. كما أن الحكومة تدعي أنها تريد أن تشكل الدولة التي تحمي القواعد الديمقراطية، والحريات الأساسية، ولكن في واقع الأمر ما تزال تنتهك حقوق الإنسان للمعارضين السياسيين والصحفيين والمواطنين.
إن الجيش الشعبي لديه تاريخ طويل من تجنيد الأطفال في صفوفه. وللأسف، على الرغم من كونه الآن ينهض كجيش نظامي لدولة ذات سيادة وليس تمرد، فإن هناك أدلة على أن هذه الممارسات ما تزال مستمرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ممارسة ما يسمى بـ"مقايضة الفتاة" حيث تمنح مجموعة فتيات إلى قادة الميليشيات من اجل الحصول على حماية المجتمع، ما تزال تمثل مشكلة جوهرية في بعض المناطق. وهذا الأمر يرقى لمستوي الاتجار بالأطفال وينبغي ألا يسمح به في دولة ديمقراطية. ومع ذلك، فإن الممارسة العملية تؤكد على مشكلة عدم وجود فرض للقانون والنظام وقدرة الدولة. وكما تفضل بعض المجتمعات حيث المواطن لا يستطيع أن يضمن أمنه من خلال أجهزة الدولة فإن شماعة الفشل تلقى على قوى خارجية.
لقد فر العديد من مواطني جنوب السودان إلى دولة الشمال والدول المجاورة هربا من سنوات القتال خلال الحرب الأهلية. ولدى عودتهم واجهوا الكثير من سوء المعاملة ومصادرة ممتلكاتهم فضلا عن نقص الخدمات. في الدولة الجديدة الهشة لا توجد مؤسسات أو آليات للمصالحة أو التعويض فالمتضرر من كل هذا لا يلجأ للمسؤولين سيما وأن العديد منهم متورط في مصادرة الممتلكات.
الخلاصة:
حالة حقوق الإنسان في كل من السودان وجنوب السودان ضاغطة على الرغم من أن كل بلد يختلف جذريا عند الحلول المحتملة. ففي السودان نجد أن إنتهاكات حقوق الإنسان مسألة فن الممكن للحكم الشمولي. فالحكومة تستخدم بشكل منهجي أفرع السلطة في التعدي على حقوق مواطنيها وحرياتهم الأساسية. هذا السلوك ظل مستمرا خلال عقود من الحكم الاستبدادي. والسودان أيضا لديه درجة من التوظيف الفاعل لمؤسساته. ومع ذلك، فإن هذه المؤسسات، مثل السلطة القضائية على سبيل المثال، تستخدم لمضايقة المواطنين بدلا من حمايتهم.
جنوب السودان لديه قضايا تخص انتهاكات حقوق الإنسان والتي يجب التصدي لها، لكننا لا ينبغي أن نحمل الجنوب بمعيار أخلاقي مساو لدولة السودان. فقد ورثت الدولة الكثير من القضايا الأساسية من السودان خلال عقود من الحكم المستبد و المعادي للديمقراطية. وعلاوة على ذلك، لم يكن جنوب السودان دولة بكل ما للكلمة من معني عند الاستقلال. فالمؤسسات التي تحكم الدولة أديرت بواسطة مجموعة من المتمردين جاءت الى السلطة من دون تدريب أو مؤسسات. ومعظم إنتهاكات حقوق الإنسان في جنوب السودان يمكن أن تعزى إلى ضعف الدولة وافتقارها إلى القدرات من حيث التعامل مع هذه الانتهاكات. في حين أن هناك بالطبع الانتهاكات المتعمدة، والفشل أكثر نتيجة لعدم وجود حماية، أكثرمن كونها نتيجة لغياب مؤسسات الدولة.
وما دام أن هناك حلولا محتملة لأزمات حقوق الإنسان، فإنني وبكل تقدير إناشد، أولا، الاتحاد الأوروبي للضغط على الحكومة السودانية على تغيير نمط سلوكها، وحملها لتحقيق مجتمع أكثر ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وأخيرا أناشد الإتحاد للتعامل مع المنظمات السودانية لحقوق الإنسان ودعم منظمات المجتمع المدني العاملة من أجل التغيير السلمي للشعب السوداني.
وكذلك أناشد الاتحاد الأوروبي لدعم جهود المحكمة الجنائية الدولية لتقديم منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة. وأخيرا أحث الاتحاد الأوروبي على العمل مع كل من البلدين من أجل حل القضايا العالقة بينهما. وفي حين أن البلدين ما يزالان على حافة الحرب فإنهما ظلا يواصلان الاعتداء على حقوق الناس في الداخل خشية المعارضة وأثرها على معنويات النظام.
إن الحلول المحتملة في الجنوب إلى درجة ما تلوح بسهولة. وعلى عكس الوضع في السودان، فإن إنتهاكات حقوق الإنسان غير متأصلة في السلوك الجنوبي. فحكومة جنوب السودان هي أكثر استعدادا للتعاون مع المجتمع الدولي، وتحتاج الى المساعدة في بناء المؤسسات لجعل الجنوب دولة قابلة للحياة. وإنني أحث الاتحاد الأوروبي للمشاركة في تقديم المساعدة التقنية وبناء القدرات وذلك حتى يتم إنشاء مؤسسات لدفع البلاد بعيدا عن عقلية الدفاع عن النفس. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أيضا دعم إنشاء منظمات المجتمع المدني التي يمكن أن تكون بمثابة الجسم المراقب للوضع الداخلي لحقوق الإنسان.
شكرا لكم.

ترجمة: صلاح شعيب
• عمر قمر الدين اسماعيل، كبير منسقي السياسات لمنظمة كفاية الاميريكية

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 940

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر قمرالدين إسماعيل
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة