العيد .. في بلاد العجائب!
08-10-2012 07:01 PM


العيد .. في بلاد العجائب!

رقية وراق
[email protected]

طفقت أجد في أثر العيد هذا العام بعد أن فاتني يومه الأول لتوعك صحي . كنت تحوطت لأمر مهاتفة السودان منذ الوقفة تجنبا لمشكلة انشغال الخطوط يوم العيد ، ولكني أعدت محاولة الاتصال مرات وكرات في صبيحة العيد دون جدوى فأضفت لنفسي احباطا على زكام. لبس الصغار ملابس العيد ورافقوني لزيارات خاطفة للجيران المعيدين والمعيدات وغالبيتهم من السودانيين ، وبعد عودتنا واصلت المعايدات الهاتفية والاليكترونية وهتفت بالأطفال ليشتركوا في بعضها بمحادثة الأصدقاء والصديقات رغبة في استمرار مناخ عيدوي بالمنزل فأطاعوني مرة مرتين ثم تملصوا مني بالاعتذار واغلاق أبواب الغرف بلطف ، أعرف أن أنفاس الصعداء تتعالى خلفه ، فيما يتصاعد شوقي لمناخ عيد حقيقي في السودان ولا ينطفئ ، التقانة وحدها لا تروي . جبت أرجاء المسكن الصغير دون هدف ، لا أريد العيد مجزءا في خطوط التليفونات وأزرارالحواسب ، أريده قطعة واحدة ، مثل الكعكة البلدية ، بطعم وملمس ونكهة . كنت أريد أن أتذكر ، وكانت الذاكرة تعاندني ، والصور تتفلت حالما أضع يدي عليها . فجأة لانت قلاع الذاكرة وانفتحت ، وعلى هدي شاراتها أبصرت غرفة مريحة ينام فيها الزمان والمكان تنتظر التفاتتي، وهي تعبق بالتيمان والصندل والند ودوا الكعك والصلوات والضراعات ، الزمان يوم الوقفة والمكان منزلنا بالوطن ، سمعت وقع خطى أمي وشقيقاتي وبنات أختي وشعرت بحركتهن الدائبة في أرجاء المسكن الكبير ، وأبصرت وجوههن المتعبة المستبشرة ، وأصابعهن المعيدة ، تلمس كل ركن ، فتغسل وتكنس وتلمع كل ما يغسل ويكنس ويلمع في البيت وكأني بالعيد يتابع عناءهن المحتفل فلا ينبثق الا بعد أن تكتمل ذات الطقوس . رأيت صواني الكعك والبسكويت ، وشعرت بلذعة الشاي مع نصف البسكويتة المستطيلة المخططة المغموسة فيه ، يحرق نصفها اللسان ويسقط نصفهاالآخر في قاع الكوب ، ليغلظ قوام جرعة الشاي الأخيرة ويطيب.رايت بقايا السكرالمطحون الناعم على الملابس بعد قضم الكعكة بين صفي الاسنان الامامية ورايت شرائط العيد الملونة على الضفائر الملمعة بالدهان المنزلي. شقيقاي ومعهما ابن أختي مشغولان بأمر الملابس ، حذاء بخطأ في المقاس يتطلب ارجاعا ، ليه ما قستوا الحاجات دي من بدري يا اخوانا ، حضر عمي وحضر خالي وسيأتيان في الغد صحبة شقيقي وابن أختي بعد صلاة العيد ووصل الرحم القريب والجيران.
كنت في يوم الوقفة أحدد لنفسي مهمة بعينها وأنجزها باتقان يمنحني شرعية اختلاس وقت لمطالعة الكنوز التي تخرج بها للسطح حملات التنظيف الجبارة وكلما استشعرت في الأفق احتجاجا استبقته بالتذكير بالمهمة التي أنجزتها . ولكن من قال ان عمل ذاك اليوم يعرف المهام المحددة؟ كنت أقول ان الاعمال تخترع اختراعا في البيت حتى لو انتهت ، وكنت أدلل على ذلك بالاحوال التي يكون فيها وقفتان لو لم تثبت رؤية الهلال، اذ لا تقل الوقفة الزائفة عملا وتعبا عن الحقيقية . لو كان هناك أطفال ، كنت آتي جريا الى مكان أمي عندما أسمعها تقول ، بلهجتها التي لم تجفف الخرطوم قطرة من رحيقها:
_ ووب علي رقيي!
الووب لا يعني الا انني قد ضربت في مقتل . الووب يعني ان صفحة من كتاب أو مجلة قد مزقت او انتزعت من مكانها، أو أن طعاما أو شرابا قد دلق عليها. آتي ركضا ، ولم أك كثيرة البكاء ، ولكني كنت أنتحب ، كمحروقة حشا ، بالأيام على كتبي لو أصابها مكروه. كنت أعيش مع كل كتاب حياة خاصة منفصلة . ما رأيت كتاب " الجريمة والعقاب " ، الا وتذوقت طعم الفول السوداني والعسل في لساني. فقد أكملته وأنا أفوت الوجبات البيتية تباعا ، وأستعيض عنها بالسندوتش العجول .كنت أظن أن هذا التوليف العجيب بين الخبز والفول والعسل من اختراعي ، رغبة في اختصار الوجبات وتوفير الوقت لوجبة المطالعة الشهية . بعد سنوات وسفرات ، عرفت انه سندوتش محبوب جدا كوجبة افطار أو وجبة خفيفة عند الفرنجة ، مع تبديل العسل الى مربى الفواكه أحيانا ، ولكن الفول السوداني هو الأصل ، شوف بالله!
خبز دافئ أو حار ، أحمر اللون ، أرافق شقيقي أحيانا لاحضاره من ( طابونة ) الشعبية ، بحري. رغيفة مستديرة ، أو مستطيلة ، بحواف تترك آثار رقاقها البني على ملابسي وأنا ألتهم الكتاب معها ، مائدة عظيمة للجسم والروح.
في ركن أضاءته شمس ظهيرة لونتها ملابس العيد وأوراق الحلوى اللامعة المتناثرة ، رأيت مقعدي الذي صنعته لنفسي من أربع قطع من طوب أحمر ، جلست فوقه ، يوم عيد ، في سوق الشعبية ، قرب بائع يبيع مشروبا أحمر اللون ، لعله الكركدي أو الفراولة، من قدر المونيوم كبيرة ولامعة، من النوع الذي يحفظ فوق أسطح ( فضيات ) المطابخ ، ولا يستخدم الا في المناسبات المنزلية الكبيرة . ، وكانت هناك ابنة البائع ، في مثل سني، تساعده في البيع . كنت أصطحب شقيقتي التوأم فنزور عمي وأسرته بالشعبية ، ثم ينطلق جمعنا الصغير نحو الأراجيح التي كانت تحتل مساحة كبيرة قرب السوق . كانت الابنة مستقرة في مكان واحد بحكم مشاركتها أبيها في مهمته، عكس حركة بقية الأطفال ، وكان يستقر فوق مائدة بيعهما كتاب في حجم ( الألغاز) الذائعة الصيت في أيام طفولتنا . طلبت من الصديقة الجديدة أن أرى الكتاب ، الملون الصفحات ، المغلق الغلافين على جوعي لالتهامه ، صفحة صفحة ، وكلمة كلمة . وافقت بأريحية ، وخلال دقائق كان مقعدي جاهزا .أكتفيت من مهمة مراقبة الجمع الأسري الذي كنت أكبر من فيه ، بسماع الأصوات من بعيد، أسمع ضحك التومات وصياحهن وهن يطرن عاليا في أرجوحة بمقعدين ، يستلم صاحبها ثمن التأرجح ، ويدفع سلالسلها الحديدية بيديه ، ويعلن عنها ، كل هذا في وقت واحد . كانت صيغة الاعلان المرحة تتصاعد تدريجيا : الجو .. الجااو .. الجاااااووووو!
كانت العيدية غير المتوقعة التي نفحتني اياها ابنة با ئع العصير هي كتاب ( أليس في بلاد العجائب ). ناس تصغر وتكبر في لمح البصر ، بحيرة الدموع التي عرفت ، بعد سنوات طويلة ، ان الانسان يمكن أن يسبح فيها فعلا ويعبر الى شواطئ أخرى . أوراق الكتشينة تتحول الى شخصيات حية ، جنود يحرسون شيئا بالسيوف ، الأرنب المتوتر ينظر في ساعته وآخر أهميات ، يذكرني بأحد المعارف ، كان يرد على دعوة تناول الشاي بعبارة : ما بقدر ، أنا في حالة سباق مع الزمن ! وكانت( قندفته ) المكرورة تغيظني حينها ، ولكن الأرنب لا يغيظني ، فسباقه مع الزمن كان يشبه سباقي لأستكمل مطالعة الكتاب المستعار، وأحداثه تتابع حيوية ، مشوقة وكذا ضجة العيد في الساحة الخفاقة .
هادم ملذات ، لا أتذكر ان كان شخصا أوحدثا ، دفع بالطفلة لاستعادة كتابها مني قبل وصولي نهاية القصة ، أي حزن وأي خيبة أمل.
لو قرأت كل النسخ ، العربية والانجليزية ، لو اعتصرت كتبها ، باحجامها الصغيرة تلك ، بين يدي ، حتى سالت حروفها ماء ، ما روى ذلك ظمأي . أريد تلك النسخة ، وأنا أجلس فوق مقعد الطوب القاسي ، قرب بائع العصير الأحمر وابنته ، أريد تلك الظهيرة الملونة في ميدان الشعبية بحري ، الكبير الضاج ، أريد العيد الذي صارت أليس وعجائبها خلفية مجنونة الخيال له ، هكذا هتفت بالذاكرة ، ملء الشوق والحنين ، فهيأت لي غرفة ، بسطت ملاءاتها الملونة فوق أسرة الأشجان، وعطرت نسائمها برائحة الأهل والأحباب . غرفة أدفأتها تلك الظهيرة العيدية، بسوق الشعبية ، وأدخرتها الأعماق على مدى الأعوام ، لصباح عيد في مهجر بعيد ، وسداد ثغر!

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2801

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#446911 [Umm welly]
4.15/5 (9 صوت)

08-11-2012 08:51 PM
Wouderful essay from a magnifisant writer, u bring to our memoris the taste of Aid in Sudan, we pray to Allah to keep peace and safty in our beloved country and soooon we all will gather in our rich country from all the immigrations counties and live happy in it ,raise our childern in thier own country ,


#446650 [الوالي الغالي]
4.14/5 (12 صوت)

08-11-2012 10:09 AM
صباح يتسلل وهج سناه إلى سراديب الروح فيوقدها حيوية وهمة ..
صباح يتنفس عطرا بذكر الله


#446628 [ابو مصطفى]
4.16/5 (10 صوت)

08-11-2012 09:25 AM
كلام رائع ووصف بليغ رجعنا الى ايام مضضت لن ننساه والله اين ماحل الين تاعيد ونحن فى بلاد الغربة يدود لنا هذا الشريط الله يعطيك العافية


#446564 [خالد عابدين]
4.15/5 (8 صوت)

08-11-2012 03:06 AM
الى الاستاذه رقيه وراق
لك كل التحيه والود مقال انيق ولذيذ بطعم الفول المصلح وهذا هو حال من يمتلك فن الكتابه ويبعد جغرافيا عن البلد ولكن الغربه تعطي مساحه كبيره من الاشتياق واجترار الذكرى وشم عبق المكان لتكون صورة الوطن امامك تماما..
اكتب اليوم اليك ليس ردا على هذا المقال فحسب ولكن للرد على مقاله قراتها قبل عشره سنوات في جريدة الخرطوم عندما كانت تصدر في القاهره. كان المقال عن اغنية الود للفنان الكبير وردي رحمه الله. انت لم تكتبي مقاله فقط بل كنت تعزفين بشكل هارموني رهيب وانت تصفين مقاطع هذه الاغنيه الخالده, فبالرغم من الضيق والحزن الذي كان يعتريك وانت بعيده عن اهلك اتى وردي وعبر صوته النبيل قدم الود في منديل حرير.. وتغيرت الحاله المزاجيه وهذا هو حال الشرفاء كوردي يأتون من غير ميعاد لينثروا الفرح في كل الدنيا ويتم تحريضك على البوح بكل ماهو جميل.
كثير من الناس تكلمو عن غناء وردي ولكن قليل من قام برسم غنائه.. وانت الله يديك العافيه رسمت الود, والله أنا شفت الاغنيه ماشة قدامي عديل كدا. لك ريشه جميله عندما تصفين الاشياء!!

كل عام وانت واسرتك بخير, وعيد سعيد باذن الله!

خالد عابدين
الدوحه قطر


رقية وراق
رقية وراق

مساحة اعلانية
تقييم
9.01/10 (20 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة