المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ناقــــة فـــني: والتفنن في تعميق أزمة دارفور
ناقــــة فـــني: والتفنن في تعميق أزمة دارفور
08-31-2012 08:37 PM

ناقــــة فـــني: والتفنن في تعميق أزمة دارفور

د. الوليد أدم مادبو

تحكي الأساطير الشعبية في منطقة الحزام السوداني عن ناقة خرجت بوليدها من أحدي الرهـــــودالمتناثرة في شمال (أو غرب) دارفور ممَّا راع أحدي (الروايعية) الرعاة باللغة الداريجية فتقدم نحوها بحذر بعد أن تأكد من غياب الناظرين، ومن عجب أنه وجدها اليفة فقادها نحو المراح (القطيع من الإبل) الذي لربما إستنكر جهة مجيئها لكنه لم يأنف من الترحاب بها. كانت هذه الناقة تحلب دلواً يكفي لسقاية فريق (فريج بلغة أهل الخليج) ويمتلئ ضرعها ما أن مسه طالب، هذه الوفرة هيجت الحسد عند خؤوله الراعي فأراد أحدهم الإستئثار بها، إلا إن الفتي إستنصر بأبناء عمومته الذين سرعان ما تنادوا لنصرته. فدارت رحي الحرب التي لم ينته أوارها حتي كادت أن تنقرض قبيلة الخال، والتي نزحت غرباً لشدة ما أصابها من وعثاء ولضراوة ما كابدته من عناء. في خضم هذا المعترك إنبرت عجوز حكيمة فعقرت الناقة، فتوقفت الحرب إلا أن القوم إنتبهوا إلي أن سحابة الكراهية قد إنقشعت دون أن يصيبهم وابلُ ُ من غضب الله، وقد كادوا ان يهلكوا بعذاب.
يجوز لمغتاظ رأي دورة الحرب تتجدد وسأم رؤية الموت وهو يختال في عبثية فوق جثث النازحين والأهالي المغلوبين في شمال دارفور ان يقول "أن الأمة الدرافورية لن تتحرر حتي يشنق أخر الأمنجية بأحشاء أخر الجبهجية"، هذا الأمر ضروري لكنه غير كاف. ضروري لتنفيس الغيظ لكنه غير كافي لحلحلة المشاكل. بالنظر إلي المشكلة في محيطها الإقليمي. يدرك الأمر بأن الرحل في كافة الحزام السودانوي (نيجر، نيجيريا، تشاد، دارفور، أفريقيا الوسطي، كاميرون، ما إلي آخره) قد إتجهوا لظروف بيئية (التصحر) أو ثقافية (الوعي بأهمية الإستيطان) نحو الإستقرار، وأن غياب الوعي بأهمية إدماجهم سياسياً، إجتماعياًوأقتصادياً سيفسح المجال للمتجرين في قضاياهم للإستنفار العقدي (كما يحدث في مالي) أو إثني (كما يحدث في دارفور). الأمر الذي لن يجدي، بل سيزيد من إقصائهم ويعمق من محنتهم. لقد نبَهت المنظمات الإقليمية والدولية عندما كنت مستشاراً في وكالة تطوير الحكم والإدارة بالسودان، إلاَّ أن هذه المنظمات إذا سلمنا بإدراكها للبعد الجيوإستراتيجي وقنعنا بحسن نواياها، فإنها تهتم بما هو أني علي حساب ما هو مهم. النتيجة: أننا ظللنا قابعين في المربع الأول، بل إن الحرب التي كانت منحسرة في شمال وغرب دارفور قد اتسعت رقعتها لتشمل جنوب دارفور.
ليست هذا فحسب، بل إننا في مركز الدراسات نفسه نوهنا إلي أن الفرق المقتتلة قد أجهدت أو أدركت عملياً بأن لا جدوي من هذا القتال العبثي الذي لم يجدي أكثر من تدمير التكامل الإيكولوجي (تكامل الإقتصاد الرعوي والزراعي) وبث روح الكراهية بين أجيال قادمة لا مناص لها عن التعايش، وأنه ما لم تتخذ إجراءات حازمة ويوجد مخرجاً إستراتيجياً فإن الحرب ستتجدد إمعاناً في البؤس وإحكاماً للجريمة. حاد الوسطاء عن التدابير الناجعة ولجأوا إلي التدابير البراغمتية التي إبتدعها الجنرال غراشون وتبناها آل محمود من دافع الشفقة والتعجل لإبرام أمر من شأنه أن يحقن نزيف الدماء. للعلم، فإن نزيف الدماء قد تجدد، وتوسعت رقعة إنسيابه. فبعد أن كانت الحرب بين الزرقة والعرب، أصبحت بين العرب أنفسهم، ولم تتورع حتي كاد القتال يحتدم بين فرعي القبيلة الواحدة (المحاميد والمهرية فرعي قبيلة الرزيقات، كبري قبائل السودان). وفي كل مرة نتغافل عن الفاعل فلمصلحة من تستمر "ناقة فني" في تفننها لإفناء هذا الشعب؟ من الذي يدبر الإغتيالات ويحيك كل هذه الفتن؟ من ذا الذي إذا نظرت إليه علمت مباشرة بأنه من "المكونات غير العضوية" لشعب دارفور؟ و من المستفيد الفعلي من إستمرار هذه المحرقة؟ كيف تغافل الجميع عنه طيلة هذه المدة؟ هل هناك إرادة لإستئصاله؟ من يعيق مثل هذه الفعلة وماهي دوافعه؟
بالرغم عن العقوبات الجزائية التي سنها الأتراك في منتصف القرن الثامن عشر ولم تأبه لرفعها الأنظمة "الوطنية" فإن غرب السودان (متمثلاً في دارفور وكردفان) ظل بمثابة الضرع الوافر الذي تجني منه جل المحاصيل الزراعية (سمسم احمر وأبيض، حب بطيخ، صمغ عربي، فول، دخن، عيش، كركدي) والثروات الحيوانية والتي جني ثمارها من ساعد علي جلبها الي المركز حتي تصدَر إلي الخارج، علماً بأن تطوير البنية التحتية كان يغني عن رحلة ال١٥٠٠كم، لكن إستبقاء الإقليم في خانة التبعية السياسية كان يستلزم إفقاره إقتصادياً وتدميره إجتماعياً. خاصة أن العقوبات الجزائية التي لربما نجحت في إفقار دارفور الجغرافية لم تدرأ خطر الزحف الإجتماعي الذي تقدم إصحابه تستدفعهم الحوجة، فلم يلبثوا أن صاروا يمثلون قوة ضاغطة في الشمال، وإن باتت صامتة.
وإذ أن القوي المتحكمة في المركز لم تعد تثق في العنصر المحلي فقد إستقدمت لجهاز الأمن عناصر من خلفيات إثنية "منسجمة" من شمال ووسط السودان. هؤلاء هم الحكام الفعليين لدارفور اليوم. ما أن يصرح مسؤول دارفوري بتصريح يفسره مسؤول الأمن في مدينة الفاشر، نيالا او الجنينة حيدة عن ما رسم له، إلاَّ ويتم توبيخه وتعنيفه كي لا يعد لشاكلته. لا يهم مستوي السلطة: ثانية، رابعة أو خامسة. حتي الإنجليز أيام أستعمارهم لدارفور كان لهم إحترام للسلطات المحلية وتقدير لموقف السلطة كي لا تتجاوز حدود "فرق تسد"إلي مجاز "كرس دمِّر" لكن المستبد الكبير دوما ما يستبطن خوفاً يتجلي في تصرفاته إذا لم يظهر في نبراته. إن جهاز الأمن الذي تصدي لطلبة المدارس في نيالا مؤخراً بأسلحة ميدانية لم يتصرف بدافع الكراهية فقط إنما أيضا بدافع الخوف. لانه يعلم بأنه جهة مستعمِرة يسهل إباداتها متي ما تبين الأعيان العبرة من نحر الناقة!
عوضاً عن دس السم للناقة، فإن بعض الحمقي سعوا لدس السم للعجوز. كلما سعي الأحرار لإستنقاذ العجوز، كلما دأب المدجَنون والمكلفون بتجيير الإرادة الشعبية مقابل دنانير ومواقع وهمية لتجويد جرعة الكراهية.
إن حادثة إغتيال معتمد محلية كتم لم تأت عبثاً ويجب ألا ينظر لها بمعزل عن حوادث الإغتيالات الأخري (أمين عيسي عليو، دغيرشو، الي اخره من ابناء العرب العاملين)، خاصة إذا علمنا بأن هناك جهة لم يعجبها الوعي النسبي الذي تحقق لأهل دارفور، ولم يطربها بل أزعجها السكون الذي نجم عن إنخفاض وتيرة العدائيات اللفظية، إذا لم نقل الميدانية. لقد أيس الأقربون إذا لم ينكسفوا من قتال بعضهم البعض. وإلاَّ كيف تفسر ردة الفعل البدائية التي إستهدفت النازحين وهم ما زالوا يمثلون الحلقة الأضعف عن المجتمع والأقوي في ميزان الحق.


وضــعوا علي يده، الــسلاسل
ربطوا يديه بـــصخرة الـموتي،
وقـالوا: انت قـاتل!
***
أخـذوا طعامه، والملابس، والبيـــارق
ورموه في زنزانة الموتي، وقالوا انت سارق!
طردوه من كل المرافي
أخذوا حبيبته الصغيرة
ثم قالوا : أنت لا جــئ!
***
يا دامي العينين والكفين
ان الليل زائل
***
(قصيدة "عن إنسان" من ديوان "ورد أكثر"، محمود درويش)
***

إن النخبة المتسيطرة مركزياً في السودان تدرك بأن القوة بينها وبين الهامش علي خلاف ماهو الحال في سوريا غير متكافئة خاصة إذا ما تسني تجميع قوي الأخير وتصويبه نحوها، ولذا فهي تسعي لإفقار الرحل (الذين يتكون منهم حرس الحدود) وإيهامهم بالعوذ-- الذي لا يدرأونه عن أنفسهم حتي ينالوا إستقلاليتهم في التفكير والتعبير ويدركوا من واقع الحكمة والمثال بأن قوة المرء تكمن في إنحيازه لقيم الحق إذ أن التمادي في الجرم وإستمطار الحجارة من السماء لن يجدي إلاَّ كما أجدي الإستكبار عن عاد "فأما عاد فأستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بأياتنا يجحدون". ختاماً، فإننا نناشد الخيرين من أبناء الأمة العربية والإسلامية والافريقية التوجه للإعتناء بهذه الكيانات(كيانات الرحل في كافة الحزام السودانوي) التي تملك خميرة النهضة وتستبطن عبقرية التفاعل المعرفي والحضاري.

تعليقات 8 | إهداء 1 | زيارات 1479

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#459533 [wudoof]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2012 02:31 PM
انا ماعارف امثال هذا الكاتب، لابدين وين ؟؟ ولماذا يعجزون في ايصال هذا الفهم المتقدم الى المعذبون في الارض لاخراجهم من هذه الوهدة والضياع الذي يرزحون تحته .؟؟
وما الفائدة من نشر مثل هذه الافكار والمفاهيم ، دون ان يكون لها اثر على ارض الواقع ولا يطلع عليها الا الصفوة .


#458992 [سوداني كردفاني]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2012 10:27 PM
اين انت يا دكتورانت والله الوحيد في غرب السودان بيفكر بجدية ودون طمع في سلطة او جاة وانت من بعرف كل الحقائق ارجو ان يستفيد منك الاهل في غرب السودان الشغالين فيهم سياسة فرق تسد وارجو من كلامك هذا ان تحاول تنزله الي القواعد


#458797 [أنس]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2012 04:24 PM
لك التحية د/ الوليد وبعد في لقاء جمع عباس كرم اللة مع على عثمان طة وفي اثناء اللقاء كانت الدردشة مفتوحة على كل أمور الحياة السياسية اليومية فطرح الوالي سؤال ظل يؤرقة على ما اعتقد شنو سر القبلية ( العنصرية ) التى تفشت في البلد دي ؟ فكان الرد حاجة تحير لا دي مسالة مقصودة من قبل الحكومة لانة هناك استهداف لوجودنا .

تقع على ابناء دارفور من المثقفين مسؤولية كبيرة للدفاع ورفع الظلم الواقع على اهلهم كيف لكم تنامون واهلكم في العراء ؟ كيف تسمحوا لديار اهلكم ان تصبح ساحة حرب وتصفية حسابات لناس المركز؟

الى متى تسمحوا لأهلكم بأن يكونوا وقود لحروب الاخرين ؟ فعلوا دور الادارة الاهلية لكي تضع حد لهذا العبث بمصائر اهلكم ومستقبل اطفالكم ؟


#458793 [judas]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2012 04:20 PM
correction :the murdered is not kutum commissioner but the wahha one


#458785 [judas]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2012 04:12 PM
اصحح معلومه عشان القراء الكرام....المرحوم ليس معتمد كتم ....بل هو معتمد الواحه... ولاشك انه خطا نتج سهو


#458331 [ahmed]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2012 01:52 AM
دو وليد
بعد التحية والسلام
ما قلته عين الحقيقة ونحن فى نيالا والفاشر وعد الفرسان والضعين وزالنجى والجنينة عارفين حقائق مزهلة نتمنى ان نتواصل ونتبادل على الاقل نمازج من ممارسات غطرسة الاستعمار الجبهوى الفاسد بدارفور
وكدى اليومين دى فى نيالا فى مخطط اجرامى قام به رباطى ووكيل مؤتمر وطنى ممكن تتصل على اى من المعارف عشان تعرف الجديد من اساليب ابالسة النظام
اللهم اجعل باسهم بينهم شديد وعجل بزوال الظلمة والسفهاء الحرامية باسم الدين


#458291 [haider]
0.00/5 (0 صوت)

08-31-2012 11:00 PM
فهم عميق للازمة. ليت الاخوة الاعداء يدركوا انهم ينفذون اجندة المركز المسيطر


#458254 [Alczeeky]
0.00/5 (0 صوت)

08-31-2012 09:47 PM
وليد مقالك تمام والصادق التجيهو الطاولا حبالا


د. الوليد أدم مادبو
د. الوليد أدم مادبو

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة