10-07-2010 10:24 AM

شئ من حتي

لعنة التاريخ

د.صديق تاور كافي

٭ لم يكن جنوب السودان على مر التاريخ والعهود إلا عضواً أصيلاً وفاعلاً في الحراك السياسي والاجتماعي، ومتفاعلاً «عفوياً وديمقراطياً» مع محيطه الوطني والقومي، منذ أن كانت عاصمة الدولة تتناقل ما بين سنار والاستانة والقاهرة ولندن. وظل هذا التفاعل يتجه باستمرار شمالاً رافضاً الإنكفاء على الذات أو الإبحار جنوباً، رغم الظروف الطبيعية المضادة ورغم ممارسات الحالة الاستعمارية البشعة. واستمرت الحالة في مراحل الحكم الوطني بدرجة أكبر، على الرغم من حالات التمرد وعسف السلطة المركزية وسوء طريقتها في إدارة الدولة وإدارة الحرب الاهلية. لذلك لا يمكن النظر إلى الجنوب السوداني إلا من زاوية كونه إقليماً ضمن اقاليم السودان الاخرى له ظروفه الخاصة التي أوجدتها أسباب مفهومة بالتاريخ والجغرافيا والسياسة، دون أن يقود ذلك إلى إغفال حالة التمايز الحضاري والثقافي لهذا الإقليم عن بقية شمال السودان.
لذلك فقد تشكل المزاج العام لكل أهل السودان على اساس وحدوي كامل، هو الذي ظل يغذي الشعور الوطني الجمعي ويحصن المجتمع عندما كانت السلطة السياسية تقود الأمور باتجاهات ضد رغبة الشعب وفي غير مصلحة الوطن. ويمكن قراءة ذلك من خلال تجريدات الثورة المهدية وحركات مقاومة الاستعمار البريطاني، وانتفاضة مقاومة الأنظمة الديكتاتورية، وغير ذلك من مجالات العمل الوطني. وهذه الحالة لم توجد بالمصادفة ولم يتم تصنيعها أو تركيبها مختبرياً أو تم تصميها في غرف ودهاليز ولا هى حالة مختلقة اختلاقاً، بقدر ما هى حقيقة أوجدتها تفاعلات مجتمع إنساني ممتدة في عمق التاريخ، ومُسقاة بدماء وعرق الملايين من أبناء البلد وبناته بصدق وبسخاء ووعي. فالوطنية والمواطنة ليست وثيقة تمنحها أو تمنعها سلطة أو وزارة أو حزب حاكم. إنها شعور جمعي وارتباط روحي وقدر شعب. ومن هنا فإن التعامل مع مصير شعب ومستقبل بلد أياً كان، يجب أن ينطلق من هذه الأرضية، بحيث يكون أى تفكير أو عمل مغاير لهذه الحقائق هو إيذاء للوطن ومواطنيه وخيانة لا تُغتفر مهما كانت المبررات والأسباب. وفي تجارب الشعوب من حولنا الكثير الذي يعزز ذلك. وعلى سبيل المثال حالة جنوب إفريقيا، حيث ساد نظام الفصل العنصري البشع الذي مارسه البيض الاستعماريون ضد السود أصحاب الأرض لقرون من الزمان، وهو الذي مثل أحد أسوأ نظامي فصل عنصري في التاريخ بشهادة الأمم المتحدة التي صنفت نظام بريتوريا ودولة الكيان الصهيوني بوصفهما نظامين عنصريين يجب عدم الاعتراف بهما أو التعامل معهما. ولم يشذ عن حالة الإجماع العالمي ضد نظام بريتوريا والكيان الصهيوني إلا الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، وهما البلدان اللذان قدما السند العسكري والأمني والاقتصادي بسخاء لهذين النظامين. وبالنسبة لنظام بريتوريا العنصري فقد مثل ضد الأفارقة أقبح نماذج الاستغلال والتسخير والتوظيف غير الآدمي في المزارع ومناجم الذهب وكل الاشغال القاسية. وكان على الأفارقة السود في جنوب إفريقيا أن يموتوا مجاناً ويعيشون في الحظائر بعيداً عن قراهم ومناطقهم، لكيما يهنأ البيض بالثراء الفاحش والعيش الرغد على حساب اولئك. ومع ذلك استطاعت عبقرية الشعب في جنوب إفريقيا أن تنتصر للوطن، نتيجة سلسلة من النضالات الوطنية الصبورة بعيداً عن ردود الأفعال الانفعالية. وانتصرت الثورة في جنوب إفريقيا، وخرج نلسون مانديلا بعد سبعة وعشرين عاماً في السجن، وقاد بلاده مع رفاقه بعبقرية القادة التاريخيين، واضعاً الاساس لدولة عصرية تتعلم من التجربة المريرة، دون أن تحبس نفسها فيها. وبالنظر إلى ما حدث في جنوب إفريقيا في فترة الفصل العنصري ومقارنته مع الحرب الاهلية والمظالم الجهوية في السودان، فإن الفرق أكبر بكثير، ولكن بنفس القدر من الفرق في الحالتين يأتي الفرق في الوعي والإحساس بالمسؤولية الوطنية بين القيادة السياسية في الحالين أيضاً.
ففي حالة جنوب إفريقيا هناك قيادة سياسية مناضلة نضالاً حقيقياً مع أجل الشعب والبلد، استطاعت بعبقريتها أن تنقل بلدها بكلياته الى مرحلة توحُّد متقدمة جداً، ومتجاوزة بصورة كبيرة لمرحلة ما قبل الانتصار، وفي السودان قيادة سياسية لا هم لها سوى أن تحكم وتتحكم وتسيطر بأية كيفية من الكيفيات، ولو ضاع الوطن بمن فيه وتحوّل الى أشلاء ومليشيات متحاربة، سوف تلاحق لعنة التاريخ حزب المؤتمر الوطني المتحكم في السودان لعقدين من الزمان، لأنه المسؤول الأول عن مآلات ما يحدث للسودان ولشعب السودان في الشمال والجنوب، إذ لم يكن يخطر على بال أي أحد أن يجد السودانيون أنفسهم في مفترق طرق بين أن يبقى بلدهم واحداً موحداً أو أن يتجزأ الى دويلات، كما لم يخطر على بال أي أحد أن تقدم على مثل هذه الخطوة الجهنمية سلطة سودانية «وطنية؟!» بكامل وعيها وإرادتها، ومهما يقال من مبررات بأن المعارضة أو الضغوط الدولية هي التي فرضت هذه الحالة، فإن المسؤولية تظل قائمة، فالمنطق الذي جاءت به «الإنقاذ؟!» قبل عشرين عاما هو المحافظة على تراب الوطن وعدم التفريط في شبر منه، ولكن بعد عشرين عاما من الاستنزاف البشري والمادي، ومن الإقصاء العدائي لكل المكون الوطني من أبناء السودان وبناته، ومن الانفراد الاستفرادي بالبلد، توسعت دائرة الحرب الاهلية جغرافياً، وفقد السودان مئات الآلاف من ارواح ابنائه بسبب الحروب، وفقد الملايين مأواهم قبل أن يفقدوا فلذات اكبادهم، وتضورت ملايين الأسر جوعا، وخرج ملايين الاطفال من دائرة التعليم.. لتكون النتيجة التفريط في وحدة البلد ووحدة الشعب التي لم تأتِ بهذه السهولة، حتى يتم التفريط فيها بهكذا سهولة.
وسوف تلاحق لعنة التاريخ حزب المؤتمر الوطني لأنه بصم على اتفاقيات مملاة عليه من قوى دولية ذات مطامع واضحة ومستهدفات اوضح في تفكيك الدولة السودانية وتحويلها الى دويلات قبلية ضعيفة لا تقوى على الاستقرار، وايضا لأنه اضاع على السودانيين كل فرص انقاذ ما يمكن انقاذه من «البلاوي» التي جرتها سياسته بوصفه حزبا حاكما على البلد. فعلى الرغم من أن التجارب العملية ظلت تثبت باستمرار بألا حل خارج إطار إجماع وطني حقيقي، تعامل المؤتمر الوطني مع مبادرات الإجماع بالمراوغة والمناورة وسياسة كسب الوقت ورزق اليوم باليوم. وحتى عندما فكر في استصحاب الآخرين معه في حالة إجماع، كانت الفكرة هي توريطهم في المسؤولية عن خطاياه التي جرها على البلد.
وسوف تلاحق لعنة التاريخ المؤتمر الوطني لأنه ادار الدولة بطريقة غذت العدائيات الجهوية واحيت النعرات القبلية وأضعفت الحس الوطني، وأوصلت البلد الى حالة من عدم الاستقرار لم تمر بها منذ الاستقلال.
كما سوف تلاحق لعنة التاريخ انفصاليي الحركة الشعبية، بتعاملهم الانتهازي مع قضية هي أكبر ما تكون من المصالح النخبوية، واصرارهم على دفع الامور باتجاه تفكيك ليس فقط بلدهم السودان وانما تفكيك كل القارة. فعندما أقرَّت منظمة الوحدة الإفريقية الإبقاء على حدود بلدانها كما وُرثت من الاستعمار، لم يكن ذلك بدون نظر. فكل بلدان القارة الإفريقية حبلى بأوضاع مشابهة لما هو في السودان، وإذا ما سُمح بمراجعة ذلك تحت أي مسوغ فإنه سوف يفتح الباب لتمردات وانفصالات ومواجهات مسلحة على أسس قبلية في كل المنطقة. وفي ذلك عامل اضعاف وتوهين لكل هذه البلدان، وشغل لها عن دورها الاساسي في النهوض والتنمية والتطور مما يتطلب الاستقرار السياسي أولاً. وسوف تلاحق لعنة التاريخ انفصاليي الحركة الشعبية أيضاً، لكونهم ينظرون إلى السودان من خلال شريكهم في السلطة والاستبداد «المؤتمر الوطني» فقط، ويعتبرون الوحدة ليست بين شطري وطن واحد، ولكن بين حزبين يمتلكان القوة والسلطة لا أكثر ولا أقل.

الصحافة





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1544

خدمات المحتوى


التعليقات
#32041 [asadalmajead]
0.00/5 (0 صوت)

10-08-2010 05:15 PM
الله اكبر عليكم لم اجد حسا وطنيا فيكم او انسان عنده المعرفه ويريد ان ينور بل كلكم من مفترسيء الفرص مثل المعارضه لكل حكومه من اجل المنفعه وهذا كثر في السودان لماذا لا نجد من المعارضين ضد السودان مثل الهم علي القلب كل من اراد يشتم او يكسر في السودان يجد الدعم والتأييد من الخارج ومثل مصر باعت الأسلام والمسلمين والارض والهواء وليس لها معارضين الا من الأقباط لكي ترضخ أزيد يا عملاء ضد الأسلام والمسلمين يا ايها المنافقون أقصروا والله هذا مال سحت وقيعه وضبابيه الحقيقه الله في أعناقكم التي تغذت بضرر اهل السودان مثلكم مثل الحركه الشعبيه عملاء وسدنه


#31612 [ابو السارة]
0.00/5 (0 صوت)

10-07-2010 11:50 AM
سوف يسجل التاريخ موقف شجاع ومشرف للحركة الشعبيةو المؤتمر الوطني لانهما تعاملا مع القضية بكل صدق وواقعية وشجاعة والحرب دائرة من قبل الاستقلال ومازالت حتي أوقفت بالاتفاقية وليهنآن بهذا الانجاز ولو ادي للانفصال


د.صديق تاور كافي
د.صديق تاور كافي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة