09-04-2012 08:30 AM

انطباعات عائد من العاصمة العشوائية

حسن طه محمد
[email protected]

بداية أود التأكيد بأنني في هذا المقال المتواضع لن اضيف شيئا جديدا علي ما تناولته وتتناوله وسائل الاعلام المختلفة ومواقع المنتديات عن الوضع المتردي علي كافة المستويات في وطننا السودان ( الفضل ) عامة وفي العاصمة الخرطوم خاصة . لن اضيف شيئا علي ما يتناوله المواطن العادي في أحاديثه مع اشراقة شمس كل يوم جديد عن عذاباته المعيشية وأزمته الانسانية المستفحلة وعن وضعه الذي يحكي عن نفسه وعن الغلاء الذي طال حتي الهواء الذي يتنفسه وعن المليارديرات من أصحاب الذقون الذائفة الذين يدعون أنهم مبعوثو العناية الالهية ، الأوصياء علي الدين وعلي البشر ، الملتحفين عباءة الدين زورا وبهتانا ومعهم من المتسلقين والانتهازيين من كثر عددهم وأصابهم الثراء الفاحش علي اكفان المواطنين الشرفاء وعن الفساد الذي أزكمت رائحته الأنوف.
مع ذلك أجد لزاما علي نفسي تسطير هذه السطور لعلها تزيح بعض ما في الحلق من غصة مما شاهدته وسمعت عنه وعايشته أثناء زيارتي الأخيرة للخرطوم ، محاولا اشراك من لم يشاهد أو يسمع أو يعايش في معرفة بعض أحوال عاصمتنا الخرطوم المسماة مجازا عاصمة.
سؤال ظللت أطرحه علي نفسي وأردده دوما وما زلت : هل ما يتقاضاه السيد / والي ولاية الخرطوم الدكتور / عبد الرحمن الخضر من راتب شهري ومخصصات وامتيازات دستورية وغير دستورية حلال أم حرام ؟؟؟ جميعنا يعلم أن الأجر يتقاضاه الأجير مقابل العمل الذي يؤديه . فما العمل الذي أداه ويؤديه السيد الوالي منذ تعيينه للحصول علي رواتبه ومخصصاته وامتيازاته التي أجزم أنها لو قسمت علي عشرات الأسر لكفتهم وهم المحرومون من أبسط متطلبات العيش الكريم.
في رؤية للواقع في سياق اجمالي وفي محاولة لرصد وتصوير الأحوال في عاصمتنا العشوائيـة ( واسمحوا لي بترديد هذه التسمية)، أورد فيما يلي بعض الملاحظات والانطباعات التي خرجت بها بعد زيارتي الأخيرة لها.
الملاحظة الأولي هي حالة التوتر العام الذي اصاب كافة مواطني العاصمة العشوائية بعد أن نفد صبرهم ازاء ما يعايشونه ويتعرضون له من صعوبات معيشية يومية خانقة لا يجدون حيالها أي حل بعد أن استعصي عليهم وفقدوا الامل فيه. ان المواطن العاصمي يعيش فعلا أزمة انسانية مستفحلة لا حدود لها .لذلك نجد أن هذه الحالة المتردية اصبحت لها تأثير بالغ في تشكيل سلوكيات المواطن العادي الذي أصبحت كل تصرفاته تتسم في كثير من الأحيان باللامبلاة تجاه نفسه وأسرته ووطنه بل تحولت لدي كثير منهم الي عقد نفسية في حاجة الي طبيب نفساني وأصبح يتعامل مع الواقع كمتفرج لا حول ولا قوة له.
ثم نأتي لحديث الساعة وهوموضوع الغلاء البعبع المسيطر الذي طال حتي الهواء الذي يتنفسه كل مواطن والذي اصبح حقه في الحصول علي احتياجاته الأساسية من غذاء وعلاج وسكن وتعليم ...الخ ضربا من ضروب الخيال والمستحيل.هل يعقل في دولة التوجه الحضاري ان يكون للسلعة الواحدة مليون سعر ولكل تاجر الحق في تحديد هذا السعر كيفما شاء دون حسيب أو رقيب حتي ولو كانت هذه السلعة من الاساسيات ؟؟ فوضي أسعار عارمة متفشية بصورة ملفتة للنظر من صحن الفول الي جوال الأسمنت ولكل له سعر مختلف عند البائع.
ولو تحدثنا عن صحة البيئة فحدث ولا حرج .. بيئة صحية متردية تنذر بكارثة مع تفشي الأمراض والأوبئة بعد أن حولت الأوساخ العاصمة من أولها الي آخرها الي مزبلة نفايات من الحجم الكبير ( كينج سايز ).
جاءت الأمطار وزادت الطين بلة حقيقة وليس مجازا واقعا وليس خيالا. نحن لا نتحدث عن اعصار يدمر البني التحتية كما في دول أخري . نحن نتحدث عن أمطار رغم قلتها في الخرطوم لم تجد حد أدني من بني تحتية بل اصلا لا توجد بني تحتية لمقابلة تأثيراتها السلبية.
كما كتبت في بداية هذا المقال لن أضيف علي ما اسودت به الصحف عن أحوال الخرطوم المتردية ومواطنيها وعن "الأسر المشردة والمنكوبين الذين يفترشون العراء ويتوسدون الثري وينامون علي أنقاض البعوض وايقاعات الناموس ويستيقظون علي مداعبات الذباب " كما كتب أحد الصحفيين باحدي الصحف السيارة وهو محق في ذلك.
من نافلة القول تفرد العاصمة العشوائية من بين العواصم صغيرها وكبيرها بضيق شوارعها حتي الرئيسية منها وظلامها الدامس أثناء الليل ، لذا أنصح الجميع بعدم القيادة ليلا الا في حالات الضرورة القصوي خاصة مع وجود اعلانات شركات الاتصالات التي تملأ الشوارع حاجبة الرؤية تماما لا تدري السير معها يمينا أم شمالا.
الملفت أيضا للنظر كثرة المباني العشوائية حيث لا تجد ميدانا الا وقد أقيمت به مباني قبيحة التصميم والمنظر بمباركة وترخيص من المحليات السعرانة لجيوب المواطنين الخاوية أصلا .
عاصمة تفتقر الي الحد الأدني من البني التحتية اللازمة .
عاصمة ليس بها شارع واحد منفذا وفقا للمعايير الهندسية والتخطيطية الدولية المعروفة وجل اشارات المرور بها معطلة لا تعمل.
عاصمة فاقدة للحدائق العامة .
عاصمة أبرز ما يشاهد فيها كثرة عربات " الكارو " التي أصبحت الوسيلة الرئيسية والأسرع لنقل البضائع والناس ولكم أن تتخيلوا صورة العاصمة وشوارعها مع كثرة عربات الكارو وأخواتها الركشة والهايس!! .
ماذا نطلق علي مثل هذه العاصمة غير اسم " العاصمة الشوائية " ؟ انني لم أجد كلمة أخري متطابقة ومناسبة لوصف الحال بها سوي هذه الكلمة والتي يمكن معها وضعها في مصاف المدن القبيحة المتشحة بالفوضي العارمة بالرغم من امتلاكها لكل مقومات المدن الجميلة بما حباها الله بها من موقع فريد مميز علي ضفاف ثلاثة انهر قل ما تجد مثلها في العالم .
الغريب أن لنا وزارة سياحة ووزير سياحة . جزما أن الغاء هذه الوزارة وكذلك الغاء منصب الوالي تمشيا مع قرارات التقشف الأخيرة التي رفضها المواطنون بكل فئاتهم واسكاتا ل " شذاذ الآفاق " المغلوبين علي أمرهم سوف يعودان بالخير للمواطن اذا لم تحول مخصصاتهما لمآرب أخري كالعادة.
كل هذا وغيره أدي الي فقدان العاصمة لأي هوية ومقومات يمكن معها اعتبارها عاصمة بأي حال من الأحوال .
مع كل هذا التردي علي كافة المستويات الانسانية والاجتماعية والخدمية والبيئية ومن مجمل هذه الوقائع الظاهرة للعيان ظهور الشمس في رابعة النهار ، توصلت الي استنتاج كغيري من مواطني العاصمة العشوائية أن هذا الوالي ( السادي دي بطينة ودي بعجينة )لا يستشعر بعظم المسئولية الملقاة علي عاتقه وثقل الامانة التي يتوجب عليه حملها شرعا وعقلا وحقا رغم الانتقادات الواضحة الموجهة له والتي لا يعيرها أي اهتمام.
ان أحوال العاصمة العشوائية ومعاناة مواطنيها وأسبابها لا يمكن حصرها في مقال مختصر كهذا .
وأخيرا يبقي لزاما علي كافة مواطني العاصمة العشوائية الوقوف بكل قوة ضد كل ما يتعارض مع تطلعه لمستقبل أفضل وحياة كريمة تليق بانسانيته أولا وأخيرا.
وما زال السؤال يطرح نفسه : هل ما يتقاضاه السيد الوالي من رواتب ومخصصات حلال أم حرام ؟؟؟؟؟؟
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء،،

تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1719

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#460872 [مدحت عروة]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2012 12:06 PM
العاصمة زمان(وبكل اسف بقينا نقول زمان ودول الخليج تقول الآن لانها زمان كانت تعبانة جدا)كانت ارقى من الآن مع انه الآن زاد عددالشوارع المرصوفة والكبارى والابنية المتنوعة لكنك تشعر ان كل هذا عشوائى فعلا وما عادت الخرطومCLASS انظر الى اطرافها لتجد الفارق الكبير بل الى بعض احيائها فى الوسط!!!اما صحة البيئة الكانت مضرب مثل خليك من الخرطوم انحنا كان عندنا فى الختمية كسلا كانت البرك وتجمعات المياه ترش بزيت الراجع ولا اثر للبعوض وتحرق النفايات فى الكوش ويتم ذلك بصورة منتظمة وكان الناس فى الاقاليم عيشين عيشة هنية ورضية حتى البيعدوا فقراء منهم وكان فقرهم يتمثل فى عدم امتلاكهم لسيارات او بيوت طوب لكنهم ما كانوا بيعانوا فى معيشتهم ابدا(تلات وجبات وطبيخ الغداء لازم باللحم فقير او غنى) عشان كده الخرطوم كانت راقية وعدد سكانها قليل الا بالنهار ياتى ايها ناس الاطراف بغرض البيع والشراء وقبل المغرب يتوجهوا لقراهم!!! الحكومات الديكتاتورية لا تهتم بالريف والانتاج عشان كده حاصل ماهو حاصل الأن!!!تهتم فقط بامن الحكومة الانقلابية وده عندها خط احمر واهم من اى شىء آخر فى الوطن!!!!!


#460839 [zozo]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2012 11:28 AM
اقل ما يقال عنها انها عاصمة زبالة وفعلا قرية كبيرة وليست مدينة... انا متزوج مغربية منذ 10 سنوات والى الان لم احضرها الى السودان .. تعرفو ليش لانى بعد عدلت فى البيت وعملت سايفون .. وبقى البيت معقول جاءت مشكلة الخالت والعمات والاصحاب الما عندهم سايفون يعنى اوديها لخالتى وتمشي الادبخانة وتموت وتبقى فضيحة ولا كيف وكلهم بقولو ان مرتك حاكماك وانا اصلا حاكمنى وضعهم.... افتونى


ردود على zozo
Saudi Arabia [ود الحاجة] 09-05-2012 09:56 AM
امشي لناس خالاتك و عماتك في زيارات مسائية قصيرة,بعدين يعني الناس ده كلها عايشة و ما تموت الا مرتك؟
بالمناسبة احتمال العيشة الريفية في عاصمتنا تعجب المغربية لأنه بالنسبة ليها نوع من التغيير .

كسرة : المغربيات حكامات لكن بالرقة و النعومة ,هل هذا صحيح؟

[3Atel] 09-04-2012 04:33 PM
خليك هناك وشوف لينا معاك واحدة


#460770 [قفة]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2012 10:17 AM
أقول ليك حاجة بخصوص مياه الأمطار المتراكمة والمليئة بالأوساخ والطحالب وكل أنواع الحشرات الممكنة والأمراض، فقد سمعنا أنهم قالوا إنهم لن يصرفوا مليارات الجنيهات على مياه ستجففها الشمس طال الزمن أو قصر،اتخيل ليك منطق مستهتر، وحتى لو أدى الوقت من نزول الأمطار وظهور البرك والمستنقعات إلى أن تجففها شمس الله إلى موت كل سوداني ساكن فيها بكافة أنواع الأمراض والأوبئة ولم يجد علاجاً لأبسط مرض يصيبه من جرائها. حسبنا الله ونعم الوكيل


#460725 [عبدالله صالح جولاي]
3.00/5 (1 صوت)

09-04-2012 09:38 AM
وهل أنت ذهبت للسوق المركزي - أو السوق المحلي ونظرت للرواكيب العشوائية والبائعين يفترشون الخضارات والأسماك على الأرض ويكسوهاالتراب والذباب والأوساخ - أين صحة البيئة - وكذلك البرك والمياة الراكضة التي خلفتها مياه الأمطار والذباب والباعوض الناقل للملاريا - أين التصريف والبنية التحتية أين الأموال التي خصصت لهذه المشاريع - هُم المستفيدون - هم الذين يركبون العربات الفارهه المكيفة - هُم الذين يسكنون في الفلل والعمارات وعامة الشعب يركبون الركشات والحمير ويسكون في بيوت الزنك والرواكيب - أين عمر بن الخطاب الذي كان ينام تحت الشجر ويخاف على نفسه من ظلم الناس كان يأكل من يأكلون ويلبس من يلبسون ويجلس معهم ويقول لهم إن أخطأت فقوموني وكان يضع خده ورأسه على التراب ويسأل الله العفو إن أخطا في حق أمارة المسلمين وهذه الأمانة التي كان يحملها - ولكنها حملها اليوم أبناء الإنقاذ وأثروا أنفسهم وأهلهم وعيالهم وذويهم وتركوا عامة الشعب شحاذون ومشردون ومتغربون في أصقاع الدنيا ويعانون الويلات والهموم من أبسط حقوقهم التي كفلتها الإنسانية وتشتدقون بالدين - أي دين هذا الذي يجعلك تأخذ الجبايات في الطرق وتأخذ الزكاة في غير موضعهابل هي بين الإنسان وربه وتظلم البشر في أخذ الضرائب للمغتربين والشعب في أرزاقهم ومحلاتهم وستات الشاي وفارشات المكاشيش لم يسلمن من أخذ الضرائب ولم يعو ان هؤلاء يعولون أسر وأبناء في الجامعات ويعتمدون على هذه الأعمال في أرزاقهم - والمغتربون (تذهب لأي بلد في العالم تجد سودانيين وأسرهم يعانون هم الغربة وويلاتها وهم تعليم أبنائهم لاذي أصبح هاجساً- إتقوا الله يا هؤلاء في هذا الشعب وتحرروا من أظلامكم قبل أن يأتي يومالا بيع فيه ولا شراء يوم تتبدل الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار الذي سوف يسألكم عن كل صغيره وكبيره أقترفتوها في حق هذا الشعب الصابر . وحسبنا الله ونعم والوكيل - وحسبنا الله ونعم الوكيل .


#460662 [عصام عبيد - الرياض]
5.00/5 (2 صوت)

09-04-2012 08:58 AM
واني اشهد الله باننى يا اخى حسن طه قد رايت ما رايت انت في هذه المدينة التى تسمى عاصمة، شوارع مظلمة ، طرقات ممتلئة بمياه الامطار ، فوضى فى الاسعار ، اخطاء فى وضع اشارات المرور على الشوارع ، رشاوي على عينك يا تاجر ، واكثر ما لفت انتباهي كثرة المستشفيات الخاصة والمدارس الخاصة واصبح العلاج الحكومى والتعليم الحكومي من الماضى الذى نتحسر على ضياعه


ردود على عصام عبيد - الرياض
Sudan [afaf alameen] 09-05-2012 10:35 AM
أنا من سكان أمدرمان .. وكلامك كلو سح يا اخ عصام عبيد .. ربنا يتولانا برحمته الواسعة .


حسن طه محمد
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة