09-05-2012 10:00 AM

من هنا أتى هؤلاء ...


سيف الحق حسن
[email protected]

من رحم تزييف الوعي وإحتضار الضمائر وتكبيل العقول. لا تقل لى إنه حظنا العاثر، وانه قضاء وقدر. العملية كلها تخاذل أجيال وراء أجيال ومتعلمين مثقفين كانوا يجب أن يكونوا خط الدفاع الأول ولكنهم صاروا قفازات للأيدى العابثة بالوطن الأفل والشعب الفضل. فمنذ ان نلنا الاستقلال نتوق لنتنسم رائحة الحرية والديمقراطية ولكننا ما برحنا نرزح تحت عبق طغيان الحكم غصبا من الديكتاتوريات الشمولية.

إنهزامية شعلات المجتمع من المتعلمين المثقفين كانت نقطة الإنكسار الأولى. قديما آلوا على أنفسهم هزم الطائفية والرجعية ولكنهم نكسوا على رؤوسهم في مؤتمر الخريجين عام 1938 كما أورد د. حيدر إبراهيم في مقاله المهم (بؤس الحاضر)، وإليك هذا المقطع منه: "...كانت لحظة الهروب من مؤتمر الخريجين الي أحضان الطائفية هي اللحظة التي وقّع فيها المثقف السوداني صك إنهياره، وقد تكلل مشروع الهرب بالخيبة التي لا زالت مستمرة الآثار، إنها اللحظة التي قطعت الطريق علي المشروع العلماني في الحياة السودانية وفتحت الباب أمام النفوذ الديني الذي تسترت به الطائفية". (مجلة الدستور اللندنية، 25/9/1989ص47.(
ومع بحث الخريجين عن الشعبية والجماهيرية، سلكوا الطريق السهل، وهو الاستيلاء أو الاحتيال علي الجماهير الجاهزة التي سيطرت عليها الطائفية واعتقلت عقولها واحتكرت حركتها وفق الإشارة. ولكن النتيجة كانت كسب الطائفية للإثنين: الخريجين والجماهير، وتجييرهما لخدمة مصالحها. ومع بحث الخريجين عن دعم القيادات الدينية، بدأت بوادر الانتهازية السياسية ولعبة المناورات (والمكايدات-حسب لغة الترابي)، وتغيير المواقف مثل تغيير الاحذية. وصارت اللامبدئية هي المبدأ الوحيد في السياسة السودانية، وصارت كلمة سياسي في القاموس السوداني مطابقة أو مرادفة للكذب والتحايل والاستهبال." إنتهى [بؤس الحاضر: الراكوبة/حريات: 24-08-2012].

فهل لاحظت هذه النقطة الفارقة في تاريخنا والتي في تقديري هي البؤرة التي نبع منها كل الروث السياسي الذي عاصرناه ونعيش فيه الآن. ففترات الديمقراطيات القليلة التي فُرِطْت والديكتاتوريات والشموليات طويلة الأجل لم تستند وتعربد علي شيئ إلا من هذه المخلفات.
الساحة السياسية الفكرية أصبحت خالية، لأن الإنتماء الطائفي يطغي على الحرية السياسية أو الإختيار السياسي الحر. الإنتماء الطائفي يحدد الإنتماء السياسي. وبالتالي دخل الدين في السياسة بقوة متجسدا في الأحزاب الطائفية والتي ربت بالتنبني الإسلام السياسي مستترا كخضراء الدمن.

ومن هنا إنطلق الصخب الديني والضجيج والترثرة فى الدين بمناسبة أحيانا قليلة ومن دون أى مناسبة أغلب الوقت، والذي طغى علي الحس الوطني والولاء لدولة الوطن التي تسع الجميع. فبدأت تتألف مشاكل تراكمية كالهوية الدينية والعرقية وبالتالي العنصرية للقبلية والطائفة والإثنية.
أما الذين صمموا علي الخروج من هذه الشرنقة لم يقدموا الجديد الذي يمكن أن يصارع ويقارع هذا الوهن الوطني الهلامي الذي ما اسطاعوا أن يقهروه وما استطاعوا له نقبا. حيث قاموا بإستجلاب تجارب الغير وألصقوا فيها إسم السوداني، كالحزب الشيوعي السوداني و حزب البعث العربي السوداني. وكنت أتمنى لو كان هنالك كيان حزبي ذو أجندة وطنية خالصة وإسمه حزب السودان.

بالتوازى مع هذا العبث، لم يُتخذ الدين كسلوك قويم وعمل ليأصل لمكارم الأخلاق في المجتمع ويحتل دوره الحقيقي ولكنه قفز ليكون علامة جدل وفيصل في معترك السياسية. وبذلك عم التواكل علي الله تعالي في السياسية بالذات وفي غالبية أفعالنا، والأدهى بنسب أعمالنا غير المقبولة منطقا وعقلا وفاشلة لبلاءه، مع أنه سبحانه وتعالى قال لنا إعملوا. وتمدد التدين السلبي وكثر تهاوننا ومجاملاتنا غير المحدودة واللامبالاة، فتكثفت سحب الخداع التي أصبحت غطاءا للفساد بشتى أنواعه من فكري وسياسي وإقتصادي وثقافي. وصارت ثقافة النفاق والتدين الشكلى ترقد بإرتياح على جثة قيم ومبادئ الدين الأصلية.

وأظننى لست فى حاجة إلى رص وحشد عشرات المظاهر والارتكابات والسلوكيات السيئة، كالرشوة والمحسوبية والإستهبال وغيرها، والتى تلوث وتقبح وجه مجتمعنا الراهن وتدفعه ليس فقط إلى ملامسة حدود العار، وإنما تقتحم هذه الحدود وتهبط به إلى قاع أسفل سافلين.

هذا الفصام كان أخطر مكونات البيئة الرَّثة والمسمومة التي لوثت المبادئ والأفكار ليمرض الوطن بجرثومة الفساد الفكري والسياسي التي من أعراض الإصابة بها الفشل والشلل الرعاش للوطن.

أصبحنا عرضة لحالة الإستنبال السياسي بشعارات جوفاء كالدستور الإسلامي ودولة الشريعة والمشروع الحضاري المليئة بالنبل الأخلاقى ولكنه المزيف والذي يراد به الإبتزاز الشعورى الفكرى بأن نقبل أفكار بإنطباعية وسطحية ودون عمل عقولنا والنظر لها وتقليبها في العمق وإكتشاف عوارها. وصرنا ندور في جدل لا منتهي، أضاع ماضينا وينتظر بشراهة ليأكل حاضرنا بسب هذه الشعارات الهلامية الخداعة.

لقد نجح هذا الوضع فى خلق تناقض مدهش وإحداث شق عميق بين جوهر الدين الحنيف ومبادئه الراقية السامية وبين طقوسه ومظاهره. وإتسعت الهوة بين المواطنين كأفراد تجمعهم رقعة أرض وهوية وطنية ليحدث تضارب خطير بين أحلامنا الوردية في وطن وشعب واحد و واقعنا المرير. حتي إني قرأت تعليقا في ما معناه: كيف لبعض أفراد هذا الشعب يستمتع بالمسلسلات التركية ومباريات هلال و مريخ أكثر، ويستعد أن يخرج في مظاهرات لإعادة لاعب كرة قدم يريد ناديه شطبه، بينما لا تحركه قضايا الوطن والشعب وهو يرى الوطن ينهار والعشرات من أبناء شعبه يظلمون ويموتون وبنات شعبه يغتصبون وهو لا يحرك ساكنا.

الظروف، وسوء النوايا، وسوء التخطيط وضعونا فى هذا الموقف الصعب. ولكن هذا لا يعفينا، ولا يجرنا إلي أن نتخاذل من القيام بواجباتنا. ففي تقديري أن نمو الإسلام السياسى هو الخيط الذي تتمسك به طغمة دولة الفساد والفشل وتموه وتجفل منه البقية. فمن الغريب أن يصر البعض للآن بإقحام الدين في السياسة وهو يرى كيف إرتكبت الموبقات كالتوسل بالكذب وإدمان الخداع والحنث بالوعود وإخلاف العهود والرشوة وشراء الذمم والضمائر. أما الأغرب من ذلك أن يأمل البعض في الإصلاح والنجاة من هذا الفشل والفساد من دون تغيير جذري ونحن في خضم هذا التردي.

أنا عن نفسى أؤومن بأن يبدأ التغيير علي مستوى السلوكي، أي إتخاذ الدين كسلوك في كل شئ وتحييد السياسة عن الدين وشعاراته لإيقاف الخلط والإشتباه ومن ثم المقدرة علي النهوض من جديد. وأنها مهمتي أنا وأنت وكل الأجيال التي تعيش الآن والتي يمكن أن تأتي بالفكرة والأفكار والكيان التنظيمي الذي يقدر أن يثير الوعي الحقيقي ويزيح الستار لإرساء قواعد دولة الوطن.

وإلا سيأتي من جديد، هؤلاء جدد، وسيكون السؤوال المحير دوما حاضرا: من أين أتى هؤلاء؟، فإذا أردت أن تعرف أرجوك أعد قراءة المقال.

تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1631

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#462036 [sudani ana]
5.00/5 (1 صوت)

09-05-2012 11:57 PM
مع الاسف المثقف السوداني اختار الصفوف الخلفيه منذ نشأته وتلك عله ابتلي بها شعبنا كله بلا استثناء , فالمعايير تسير عكس اتجاه عقارب الساعه والقيود التي تكبل خطواتنا عديده وهي نتاج لاداب مجتمعنا المجبول علي الجمود , والكل مثلك يتسائل عن موعد تحرر المثقف السوداني حتي يقوم باداء دوره , فالصوره عندنا معكوسه والمثقف بدلا من قيادة المجتمع الذي حوله تراه يقف في اخر الصف راضخا لتقاليد القبيله وقادتها او طائعا لتعليمات اهله المتمرغون في جهالتهم بدعوي العادات والتقالد او متخليا عن نضجه الفكري امام ولي نعمته الأمي , مع ان كل هذه الموانع هو من ينتظره الناس لازالتها ولا شك سيطول الانتظار مالم تتحرك البركه الساكنه , والمجتمع لا ينتظر احدا فيركب كل من هب ودب علي عجلة القياده وتكون النتيجه واقعنا المر الذي نعيشه . اذا لم يستوعب كل منا واقعه ويعرف قدر نفسه ويمارس الصدق في التعاطي معها فلن ينصلح الحال وعلي المثقف ان يخلع ثوب التواضع الذي هو في الحقيقه هروب من اداء دوره خوفا من مواجهة معركة بناء المجتمع علي الاسس السليمه وتولي قيادته ووضعه في الاطار الصحيح وهو حق اصيل .


#461954 [ابو علي]
5.00/5 (2 صوت)

09-05-2012 08:29 PM
النقطة الفارقة في مسار جماعة الاسلام السياسي التي ابتلا الله بها السودان -- كانت في انشقاق الاخوان المسلمين في الستينيات القرن الماضي بين من يصر علي ان الجماعة يجب ان تقوم بتربية الفرد ثم المجتمع ثم الدولة -- والنقيض الاخر يقول ان علي الحركة الاسلامية ان تقبل باي فرد و باي صوت انتخابي والوصول الي سدة الحكم باي وسيلة ثم بناء الدولة الرسالية بقوة السلطان -- وللاسف الشديد انتصر الراي الاخير يزعامة الترابي الاسلامي و السياسي المخاتل --- و عمل بنظرية الغاية تبرر الوسيلة - فكان انقلاب 1989 و كان الفشل و الفساد و الاستبداد - والمحصلة النهائية لا دين تحقق و لا نمو اقتصادي - ونسوا القاعدة الفقهية (ما بني علي باطل فهو باطل )-- لم يسلم من الاسلامين من ممارسة الفساد الا القليل النادر المنزوي -- و الان عرف الترابي مدي خطئه عندما قذف به تلاميذه خارج الحلبة و زجوا به في السجن حبيسا لانه لم يحسن تربيتهم عندما كانوا يافعين .


#461863 [mathew]
5.00/5 (1 صوت)

09-05-2012 06:21 PM
المشكلة اﻷساسية فى من وجهة نظري تكمن فى سلبية المثقف السوداني و تعاطيه ﻷسياسة كالناقد فقط واﻹبتعاد عن التأثير والتأثر و البعد عن اﻹنتماء الحزبى فأصبحت أﻷحزاب محتكرة كالشركات العائلية ﻷشخاص و أسر بعينها أو ﻷنصاف المتعلمين الذين أصبحوا فى قبضة مؤسسى هذه اﻷحزاب والذين لم يتطوروا أبدا ولم يفسحوا المجال لغيرهم ليطرحوا أفكارهم.
وكذلك الحال حتى فى اﻷحزاب العقدية والتى جعلت من أفكار و تجارب أكل الدهر عليها وشرب هى المبادئ و اﻷسس وكذلك الدستور لهذه اﻷحزاب دون اﻷخذ فى اﻹعتبار التطور و التقدم الهائل الذى أحدثته البشرية فى كل النواحى السيسية و اﻹقتصادية واﻹختماعية واﻹنسانية ولم تستوعب الجماعات الدينية المعانى السامية التى يدعو لها اﻹسﻻم وتقوقعت عند تفسير أعﻻم القرون الماضية حسب ما توفر لهم من عام.
لنخرج من هذه السلبية و لنواجه واقعنا اليوم والذى أقل ما يقال عنه أنه واقع مرير لن يؤدى اﻻ لكارثة تفقدنا الهوية والوط
ن.


#461775 [zol]
5.00/5 (1 صوت)

09-05-2012 03:58 PM
يا اخ ابو عارفين امامك عبد الرحمن عالم وخريج لكن الشعب استفاد منو شنو بالحزبو استفاد ايه من علمو اجهلو الناس و جعلوهم عبيد لهم كانوا يرون الناس تتبرك بالثرى الزي يمشون عليه ولا يمنعونهم تبا لهم هم و المراغنة اساس الجهل و التخلف في السودان


ردود على zol
Germany [ابو] 09-06-2012 03:34 PM
السودانيين عمرهم ما كانوا عبيد لزول. و دي اساءة لاهلك قبل ما تكون لعبدالرحمن المهدي بانهم ضعاف و جبناء و اغبياء و جهلاء و هذا ما لا يستطيع احد ان يثبته. يعني اي حكاية بانو عبدالرحمن المهدي اشطر منهم رواية نجرهاا الجماعة الكسلانة فكريا و هم الخريجين بتوع زمان و صدقها الجماعة العاطلة فكريا و هم الخريجون بتوع هسي. عبدالرحمن المهدي كان ممكن يختار ان يكون عاطل و كسلان و ينتظر يطلع لسانو طويل في الآخرين زي حالتكم.


#461711 [ابو]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2012 02:31 PM
اذا مشينا الكلام انها طائفية فالسؤال هو: ما هي ميزة الخريجين عل الطائفية؟ لنأخذ طائفة الانصار، جيب لي زول اتخرج من اي جامعة سودانية او بريطانية بيفهم اكتر من الامام عبدالرحمن؟ الامام عبدالرحمن اول زول يستوعب فكرة الديمقراطية و النظام الديمقراطي و يؤسس حزب سياسي على هداهاولغاية هذا اليوم اي زول فاهم بقول عاوزين ديمقراطية و احزاب. خلينا من الامام عبدالرحمن المهدي، جيبوا لي متعلم سوداني بيفهم اكتر من شيخ الشكرية او مادبو الكبير او بابو نمر او دينق مجوك؟ جيبوا لي متخرج بفهم في الدين او الاجتماع او الاقتصاد اكتر من البرعي؟ ياخي دا شيخ حلتنا يوزن بفهموا و تواضعوا و حكمتو الخريجين من زمن كلية غردون لغاية جامعة القضارف. ياخي اختشوا. و خلوا الافتراء على خلق الله .
الخريجين القدام كسلانين و فكرتهم كلها وظيفة و عربية و ماموريات و سكر و الخريجين الجداد فكرة ذاتا ما عندهم.


ردود على ابو
Saudi Arabia [الشعب الفضل] 09-05-2012 04:35 PM
يا اخي ابو ان مصيبة السودان هي امثالك المتمسكة بالاصنام فالسودان به الكثير من الناس من يفهم ووطني ولكن لن ولن ولن يجد الفرصة لكي يقدم جزء يسير مما يفهم والسبب نوعك هذا والعساكر واصنامك التي ذكرتها هذه


#461642 [BAHAR ABU ALKUL]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2012 01:21 PM
البعث أو الشيوعية أو الناصرية .....الخ ليست سوي نتاج الفكر الإنساني الداعي الي حياة أفضل للبشرية غض النظر عن إتفاقنا أو إختلافنا مع هذا الفكر فهو يبقي في النهاية جهد إنساني ناتج عن عقول بشرية يحتمل فيه الصواب والخطأ ولكن-وأنا هنا لست في معرض الدفاع عن هذه الأحزاب وفكرها فمنتسبوها أقدر مني علي ذلك دون شك-الفر في تقديري لا يحارب إلا بالفكر وليس بإلاستبعاد كما تحاول أخي أن تقنع عقولنا بذلك مما يضعك في خانة من تحاول أن تثير الشعب ضدهم فتجد نفسك- من حيث تدري أو لا تدري لست أدري- تقف في صفهم وهم دعاة العزل والتجريم لأفكار الآخرين وهذا تناقض بين.


سيف الحق حسن
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة