09-20-2012 10:37 AM

العلاقات الأمريكية العربية والإسلامية

الفاضل عباس محمد علي
[email protected]

خير من كتب وتحدث فى هذا الموضوع هو البروفيسور نعوم شومسكي Noam Chomski العلامة اليهودي الأمريكي المتعاطف مع القضية الفلسطينية...ذلك اللغوي العبقري الذى أصبح أستاذاً (بروفيسوراً) فى علم اللغويات بالإم آي تي بالولايات المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، ولكنه أيضاً ظل حتى هذه اللحظة مدافعاً لا يشق له غبار عن القضية العربية وناقداً للسياسات الأمريكية والمخططات الصهيونية بالشرق الأوسط، خاصة على صفحات "اليسار الجديد" New Left ، باستدلالات حصيفة واقتباسات رصينة وأدلة وبراهين لا يأتيها الباطل...وسهل ممتنع آسرٍ للقلوب، ...ويمكنك بالطبع أن ترجع لكتابات هذا المثقف ذى الضمير الحي عبر القوقل.
وكنت قد لخصت مقالاً للبروفيسور شومسكي نشرته صحيفة القارديان البريطانية فى يونيو 1982 على صفحات (الإتحادي الدولية) التى كانت تصدر من القاهرة فى التسعينات....وهو مقال ما زال بالغ الأهمية حيث أنه كشف منذ وقت مبكر أن الولايات المتحدة والصهيونية العالمية لهما خطط جاهزة لتفتيت العالم العربي، بدءاً بالعراق التى سيفلخونه إلي ثلاث دول – قطر للأكراد فى الشمال وآخر للسنة فى الوسط وثالث للشيعة فى الجنوب....مروراً بسوريا التى سيقتطعون منها شريحة تنضم للدولة الكردية بشمال العراق...ثم السودان الذى سينقسم إلى نصفين – شمال وجنوب – على الأقل. والهدف النهائي من وراء كل ذلك هو الإضعاف السرمدي للعالم العربي...وشغله بالفتن والإحن والخلافات...مع استمرار المصالح الأمريكية سالمة غير منقوصة: نفطاً يتدفق بلا انقطاع، وقناة السويس مفتوحة وآمنة وسالمة، والميزان التجاري أبداً لصالح الولايات المتحدة، والمنتجات الأمريكية رائجة فى الشرق الأوسط إلى يوم الدين، وثقافة اليانكيز تتسلل شيئاً فشيئاً إلى أوصال المجتمعات العربية وتستلب أجيال المستقبل...وهلم جرّاً. وفى نفس الوقت، يستمر الاستعمار الاستيطاني اليهودي لفلسطين بكل فظاظته وتعديه على حريات وأراضى ذلك الشعب العربي المستغيث.....مستخفاً بكل قرارات مجلس الأمن، بضمانات أمريكية ونصرة لإسرائيل ظالمة أو مظلومة فى وضح النهار....ضمانات لا يختلف حولها الجمهوريون والديمقراطيون ولا يجرؤ أي رئيس أمريكي على مسها أو الانتقاص منها.
وبغض النظر عما يدور على السطح، فإن المخططات الأمريكية الصهيونية التى كشف النقاب عنها شومسكى تبدو كأنها قاب قوسين أو أدني من الاستكمال على أرض الواقع....فهاهو العراق تفاحة ناضجة دوخها الوجود العسكري الأجنبي منذ 2003 ...توشك أن تسقط كما شاء لها الأمريكان، وأن تتمزق إلى ثلاث كيانات للأكراد والشيعة والسنة.
وهاهي سوريا تحترق، وتوشك أن تتبعثر أيدي سبأ، و لا يتم ذلك بالتدخل الأمريكي المباشر...إنما بعدم التدخل....فما كادت الإنتفاضة الشعبية الليبية تندلع فى أول عام 2011، حتى سارعت الحكومة الأمريكية بتحريك مجلس الأمن فى الإتجاه الذى يتماهى مع ما تريد، ثم استنصرت بحلف الناتو بقضه وقضيضه...فتم التدخل فى الساحة الليبية بدون أي خسائر فى الأرواح الأمريكية...كأنها حرب تدار بالرموت كنترول...حتى كُسرت شوكة الكتائب القذافية وتم النصر لتلك الإنتفاضة....ولكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث فى سوريا....ولم يصدر عن الإدارة الأمريكية إلا مجرد أصوات خجولة أطلقتها هيلارى كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية بين الفينة والأخرى...بينما كادت المحرقة السورية أن تدخل عامها الثالث.
أما بالنسبة للسودان، فإن الولايات المتحدة ما احتاجت لاستخدام القوة المباشرة لتقطيع أوصاله وزرع الفتن بين أقاليمه المختلفة...ولكنها استخدمت القوة الناعمة... وحفنة دولارات فى مظاريف يومية تسلم للمتفاوضين فى ماشاكوس ونيفاشا...والضغط والإبتزاز والتلويح بعصا المعارضة التى هي أيضاً مترعة بالهبات الدولارية...وفى نهاية الأمر جاءت الرياح بما تشتهى السفن الأمريكية والصهيونية...وتم فصل الجنوب وقيام دولة إفريقية مسيحية به، لها علاقة وثيقة بإسرائيل وبالغرب.
وفى حقيقة الأمر، ظلت الولايات المتحدة تتمتع بوجود مقدر فى منطقة الشرق الأوسط منذ الحرب الباردة، فكان لها حلفاء معروفون ضمهم الحلف المركزي...ثم حلف بغداد...وظلت علاقاتها الإقتصادية والسياسية متينة مع معظم دول المنطقة حتى اليوم....وكانت على الدوام تدعم إسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ومعنوياً....ضد الشعب الفلسطيني المغلوب على أمره..وضد كل الدول التى دخلت فى عراك مسلح مع إسرائيل...فباستثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 الذى رفضه الرئيس آيزنهاور، آزرت أمريكا حليفتها إسرائيل بالعتاد والطيارين وسفينة التجسس ليبرتى إبان حرب يونيو 1967، كما خفت لنصرتها أيام حرب أكتوبر 1973 حتى قيضت لها سلاماً دائماً مع مصر...وضمنت بذلك خروج الأخيرة من المعادلة العربية وتحقيق أول فصل فى هدم الصف العربي وإضعاف المعسكر المناوئ لإسرائيل.....ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة لم تلجأ لاستخدام القوة العسكرية المباشرة فى الشرق الأوسط - إلا ثمة إنزال للمارينز فى لبنان عام 1958 بدون إطلاق نار – Operation Blue Bat وظلت تحتفظ بقواعدها فى كراتشى وأنقرة وبغداد وطرابلس بليبيا وأسمرا بإرتريا... دون حاجة لاستخدامها طوال سنوات الحرب الباردة.
ولكن، بمجرد انهيار الإتحاد السوفيتي، بدأت أمريكا فى استخدام العنف المباشر لحسم معاركها السياسية بالشرق الأوسط والمنطقة الإسلامية، رغم عدم وجود الند المنافس الذى يمكن أن يحل مكان حلف وارسو......فدخل الجيش الأمريكي على رأس حلفائه التسعة عشر إلى الكويت عام 1990 وأخرج منها الجيش العراقي الغازي، واستعاد لذلك البلد حريته واستقلاله...مما ترك أثراً طيباً لدى الشعوب العربية، وبدت أمريكا وكأنها تنصر الحق من حيث هو، وليس فقط لأنه يرتبط بمصالحها الذاتية بشكل مباشر....وبدت كأنها حارس للشرعية الدولية فى وجه الطغاة والمعتدين أياً كانوا...ولفترة من الزمن تناسى العرب ما تفعله الولايات المتحدة من تعضيد لإسرائيل التى لم تغير سياساتها العدوانية ضد الفلسطينيين فى يوم من الأيام.
وذهب بوش الأب محرر الكويت، وجاء إبنه جورج الذى أعلن الحرب على الإرهاب فى أعقاب تفجيرات 11/9/2001 بنيويورك وواشنطن، وفى بضع أسابيع اجتاح الجيش الأمريكي وحلفاؤه الغربيون أفغانستان، بحجة تخليصها من نظام طالبان الداعم للإرهاب وملاحقة تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن...وفى عام 2003، وكأنما استطعمت الحكومة الأمريكية غزو الدول المستضعفة وآثرت أن تستزيد....دخل الجيش الأمريكي بغداد...وأقام بها حتى اليوم.
وبالإضافة للوجود الأمريكي العسكري المباشر فى دولتين بالمنطقة – العراق وأفغانستان – ظلت الولايات المتحدة على صلة عضوية حميمة ببعض الأنظمة الدكتاتورية مثل نظام حسنى مبارك بمصر وبن علي بتونس والقذافي بليبيا....بيد أن كل ذلك لم يحقق الإستقرار الذى كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عنه...ولم يأت بالديمقراطية التى بشر بها الأمريكان، كما لم يجلب أي شعبية للسياسات الأمريكية فى الشرق الأوسط، ولم يرسخ قيم الديمقراطية التى زعم الرئيس بوش الإبن أنه سيستقدمها للشرق الأوسط.....وأثبتت التجربة العراقية والأفغانية فشل التصور الأمريكي، إذ أن الجيش الأمريكي جاء للبلدين يحمل تحت إبطه قيادات منبتة الجذور...من اللاجئين السياسيين بالولايات المتحدة... وأنشأ بهم حكومات مؤقتة، ولكنها ظلت مؤقتة رغم مرور عقد كامل عليها، وليس هنالك أي ضوء فى نهاية النفق يشير لكيفية الخروج من هذه الدهاليز المظلمة التى أدخل الأمريكان أنفسهم فيها..وأدخلوا معهم شعب أفغانستان والعراق....وأصبح الجيش الأمريكي كالمنبت لا أرضاً قطع و لا ظهراً أبقي.
أما بالنسبة للأنظمة الصديقة والمتعاونة فى مصر وتونس وليبيا، فما أن هبّت عليها رياح صرصر عاتية فى مطلع عام 2011، حتى تخلت عنها الحكومة الأمريكية، كما تخلت من قبل عن شاه إيران الذى لم تمنحه حق اللجوء السياسي وقلبت له ظهر المجن كأنه بعير أجرب.....ووقفت الإدارة الأمريكية فى صف الشعوب التى هبت للإطاحة بجلاديها...وهو موقف كان جديراً بأن يبيّض وجه أمريكا ويزين صورتها لدى الشعوب العربية المنتفضة...لو لا أنه إتسم بالمزايدة والتآمر والخطط الدفينة التى لا تصب فى مصلحة الجماهير الحقيقية..إنما فى صالح الإستراتيجيات والمصالح الأمريكية فقط........فقد كان معروفاً لدى القاصي والداني أن الثورات الثلاث فى تونس وليبيا ومصر تكاد تكون عفوية، بلا قيادة كارزمية تلتف حولها الجماهير...مثل فيديل كاسترو أو تيتو أو الإمام المهدي....وكانت هذه الشعوب تتوجس خيفة من قوى الإسلام السياسي المنظمة والمدعومة من تنظيم الإخوان المسلمين الدولي...وتخشى من تغولها وافتئاتها على هذه الإنتفاضات....فإذا بالإدارة الأمريكية تروّج فى تلك الأيام لمقولات دعائية ساذجة تزعم بأن الإخوان المسلمين جزء من قوى الثورة...وبأنهم أكثر اعتدالاً مما مضى...وبأنهم على كل حال أكثر عدداً وأفضل تنظيماً من غيرهم...فلا مشاحة من غض الطرف عن هناتهم...إذ أنهم فى النهاية لا يختلفون عن سائر الدكتاتوريين والجلادين الذين ظلت الولايات المتحدة تتعامل معهم فى كافة أرجاء المعمورة..على مر التاريخ الحديث.
ولقد راجت إشاعة قوية أيام الإنتخابات المصرية قبل بضعة شهور...تقول بأن الحكومة الأمريكية توصلت مع المجلس العسكري المصري والإخوان المسلمين لإتفاق modus vivendi يستطيع بموجبه الإخوان أن يعتلوا مراقى السلطة...شريطة أن يلتزموا بإتفاقية كامب ديفيد وبمعاهدة السلام مع إسرائيل...التى تعنى فيما تعنى استمرار السلام والتبادل الدبلوماسي بين مصر وإسرائيل....وما أن تحقق ذلك للإخوان المصريين...أي تسنّم السلطة...حتى بدأوا فى إخراج ذيلهم والتخلص من قناعهم وتقمص دورهم الحقيقي...فبدأوا فى تحجيم الجيش بحل المجلس العسكري وإلغاء قراراته وإرسال معظم قادته للتقاعد...ثم أخذوا يناورون ويتآمرون فى سبيل تكوين لجنة الدستور بأغلبية إخوانية...وتكوين مجلس لإعادة تنظيم الإعلام والصحافة..أيضاً بأغلبية من عندهم...وهكذا......و فى هذه الأثناء، هبطت عليهم حادثة الفيلم الأمريكي المسئ للمقدسات الإسلامية من السماء...لا لكي يردوا حقاً مهدراً للمسلمين... ولكن ليضربوا عدة عصافير بحجر واحد:
• فلقد سكتت الحكومة عن حلفائها من جماعات السلفيين الذين هاجموا السفارة الأمريكية، ووقفت الشرطة تتفرج على أولئك الذين إقتحموا مبني السفارة، بل كان هنالك ثمة تحريض غير مباشر فى شكل الإدانات النارية التى صدرت عن قادة الإخوان، وبعد ذلك جاءت التصريحات الإعتذارية...وكأن الإخوان يقولون لأصدقائهم الأمريكان: لا تعرقلوا مسيرتنا الإسلامية ونحن يصدد وضع دستور مؤسس على الشريعة، وإلا فإننا سنطلق الجن من القمقم كما فعلت إيران من قبل عندما سلطت عليكم الحرس الثوري...وهكذا فقد استغل الإخوان هذه الحادثة لإحراج إدارة أوباما وإخافتها.
• إن شغل الجماهير بحادثة جانبية مثل فيلم ركيك صادر عن جهة غير معروفة فى عالم السينما الأمريكية العريق....هو إنصراف عن الجادة... والجادة هي : ما هو السبيل للخروج من الأزمة الإقتصادية الطاحنة الحالية؟ وكيف يتم إعداد الدستور بعيداً عن العلمانيين والعناصر الوطنية الأخرى؟ وهكذا!

إن العلاقات الأمريكية العربية والإسلامية تمر هذه الأيام بإختبار دقيق، ولقد أثارت المنظمات الأصولية المتطرفة غباراً كثيفاً حول الفيلم المذكور مما يهدد وضع أوباما فى الإنتخابات الرئاسية الوشيكة (فى نوفمبر)، تماماً كما حدث للرئيس الديمقراطي الآخر جيمي كارتر فى انتخابات 1980 التى خسرها بسبب الإحراج الذى سببته له حادثة الرهائن الأمريكان فى سفارتهم بطهران. وإذا خسر أوباما هذه الجولة فإنها خسارة أيضاً بالنسبة للعلاقات العربية الأمريكية، إذ أن باراك حسين أوباما مد يداً أريحية للعرب والمسلمين فى خطابه بجامعة القاهرة فى أبريل 2009 وتعهد بما لم يفعله رئيس أمريكي قبله، وهو إيقاف بناء المستوطنات وإيجاد دولة فلسطينية مستقلة على الضفة الغربية وغزة. صحيح أنه لم يتبع قوله بالفعل، وصحيح أنه تراجع أمام اللوبي الصهيوني وأمام صلف نتنياهو، ولكن الرئيس الأمريكي عادة يستطيع أن يفعل فى الولاية الثانية ما لا يقدر على إنجازه فى الولاية الأولي، لأنه ما عاد يطمع فى صوت أحد...وعموماً، مهما كان، فإن أوباما أفضل بكثير بالنسبة للعرب من منافسه الجمهوري الذى أبدى مشاعره المنحازة لليهود بلا تحفظ، وتلفظ بالعديد من الإساءات العنصرية فى حق الشعب الفلسطيني.
ولكن الإختبار الحقيقي لهذه العلاقات يكمن فى مجال القيم الإنسانية التى تجمع بين الولايات المتحدة زعيمة العالم الحر، بما تجسده من التزام بالديمقراطية وصيانة لحقوق الإنسان، كما ورد فى دستورها،....وبين الشعوب العربية المتطلعة إلى غد تسود فيه هذه القيم وترفرف عليه بيارق الديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد واحترام حقوق المرأة والأقليات...وإذا ساومت الحكومة الأمريكية على هذه المبادئ بممالأة الأنظمة فقط لأن السلطة بيدها...بما فى ذلك أنظمة الإخوان المسلمين المعادين للديمقراطية...فإنها قد تكسب اليوم..ولكنها ستخسر الغد...إذ أن مثل هذه الأنظمة لن تدوم طويلاً...ولقد درجت شعوب المنطقة على صنع الإنتفاضات...وكل طاغية إلى زوال...فليت الأمريكان يشترون الغد المشرق السعيد..غد الحرية والديمقراطية...بالمصالح الآنية التى تغريهم بها أنظمة مبنية على الشعارات وعلى ثمة غوغاء يندلقون للشوارع بسبب وبلا سبب. والسلام.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 487

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الفاضل عباس محمد علي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة