الأَيْدِيُولوجِي المُضَاد
10-12-2010 08:23 AM

الأَيْدِيُولوجِي المُضَاد

الكاتب/ أ.كمال الجزولي


\"1\"

الاحتفال بإحياء ذكرى العالِم الجليل الرَّاحل أسامة عبد الرحمن النور، والذي نظمته، بباحة المتحف القومي، أمسية الثاني من أكتوبر الجاري، كلٌّ من دار مدارك للنشر، والهيئة القوميَّة للآثار والمتاحف، ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، بالتعاون مع أسرة الفقيد، وعدد من أصدقائه، برعاية منتدى دال الثقافي، لم يكن، يقيناً، مناسبة صالحة لإثارة المسائل الخلافيَّة، كما نحا إلى ذلك، للأسف، د. علي عثمان محمد صالح، في ورقته التي قدَّمها في الاحتفال، بعنوان: (قراءة في فكر المؤرِّخ السُّوداني أسامة عبد الرحمن النور)، حيث تناول، بحسب الرَّصد الذي باشره الصَّحفي راشد عبد الوهاب للأمسية، جانباً من حياة الفقيد الفكريَّة، قائلاً: إن أسامة كان \".. مهموماً بدراسة وتحليل (الظاهرة السُّودانيَّة أو السُّودانويَّة) .. وهو من (المعرفيين) في تطوير فكره، ولا يمكن له أن يكون من (الأيدولوجيين) كما يكتب عنه البعض!\" (أقواس التشديد من عندنا، أجراس الحُريَّة، 5/10/10). لكن، بما أن د. صالح قد فعل، فلا مناص، إذن، من مناقشته.


(2)

نحتاج، من ناحية، وقبل أيِّ شئ آخر، إلى استيضاح الدكتور حول المقصود من عبارة (الظاهرة السُّودانيَّة أو السُّودانويَّة)، حيث بدا استخدامه للمفهومين، هنا، كما لو كان متعاوضاً interchangeable، وبالتالي مربكاً! ذلك في الوقت الذي يوضِّح فيه أبسط تدقيق لهتين النسبتين، عن طريق الاستعانة بمربَّع أرسطو في المنطق، أن (كلَّ باحث سودانوي سوداني، لكن ليس كلُّ سوداني باحثاً سودانويَّاً)! فـ (السُّودانيَّة) صفة وجوديَّة تستبطن سلاسة انتماء الفرد، أو المؤسَّسة الاجتماعيَّة أو الثقافيَّة الرَّاسخة institution، إلى هذا الوطن، سواء بقابليَّة يفرزها العقل الباطن، تلقائيَّاً، كتصوُّر هويوي perception، من واقع الميلاد أو الانتساب إلى الجذور؛ أو بصناعة قانونيَّة ينتجها العقل الواعي، كالتجنس. أما (السُّودانويَّة) فوضعيَّة فكريَّة مكتسبة، يرتفع، عبرها، الانتماء (السُّوداني) من حالة السلاسة التلقائيَّة أو القانونيَّة، إلى حالة القصديََّّة، أو الترتيب القبلي المنتج والمدرك بالعقل الواعي، في مستوى الموقف المتماهي مع، أو الدَّاعم لـ (الأيديولوجيا) التي تعلي من شأن (خصوصيَّة) الوطن، كما هو، و(فرادته)، على ما هو عليه، وتسعى، من ثمَّ، لاستيعاب هتين (الخصوصيَّة) و(الفرادة)، وتمثلهما، والتعبير عنهما، والبناء عليهما، بحيث تتكافأ دلالة (الوحدة) المنشودة، في نهاية المطاف، ووفق هذا التصوُّر، مع دلالة (التنوُّع)، كجوهر لهتين (الخصوصيَّة) و(الفرادة).


(3)

من ناحية أخرى، وبرغم الاختلاف النوعي بين طبيعتي (الحقيقة المعرفيَّة) و(الحقيقة الأيديولوجيَّة)، فإن محاولة ضرب الأخيرة بالأولى، بمثل هذا الإطلاق، وفي كل الظروف، تعتبر محاولة متعمَّلة، بل في غاية السَّذاجة! ذلك أنه، وبافتراض اتفاقنا على أن ثمَّة (أيديولوجيا صحيحة) و(أيديولوجيا زائفة)، فإن (الأيديولوجيا الصَّحيحة)، في أبسط تعريفاتها، هي نسق من الرؤى والأفكار يتحدَّد، في الغالب، بـ (الحقائق المعرفيَّة) الخاصَّة بظروف حياة المجتمع المادِّيَّة، ويشكل، من ثمَّ، بوصلة مرشدة في شتى حقول النشاط البشري، مادِّيَّاً وفكريَّاً وروحيَّاً، مثلما يعكس العلاقات الاجتماعيَّة الطبقيَّة حول كلٍّ من هذه الحقول، كالدِّين، والاقتصاد، والاجتماع، والسِّياسة، والقانون، والفلسفة، والأخلاق، والفن، وما إلى ذلك؛ فبدون هذه البوصلة يصبح الاحتطاب في الحقول (المعرفيَّة) المختلفة مجرَّد احتطاب ليل، وخبط عشواء، ومحض مراكمة كميَّة لـ (معارف) و(علاقات) بلا خيط رابط، ولا مصباح منير!

غير أن التنظير البرجوازي ما ينفكُّ يجرف هذا التعريف عن جادَّته حين يتخذ من مجرَّد طابع هذا الانعكاس الاجتماعي الطبقي ذريعة للقول بأحاديَّة (الأيديولوجيا) وذاتيَّتها، وبالتالي تناقضها مع الانعكاس العلمي الموضوعي المفترض. ويخلص هذا التنظير، من ثمَّ، إلى احتياج تطوُّر (المعرفة العلميَّة المعاصرة) إلى التحرُّر من (الارتباط الأيديولوجي)، تطبيقاً ميكانيكيَّاً لاحتياج تطوُّر (المعرفة العلميَّة القروسطيَّة) إلى قطع علاقاتها، أوان ذاك، مع (أيديولوجيا) الإكليروس الكنسي!

هذا التبشير بموت (الأيديولوجيا)، والذي يزداد الاقتناع، الآن، أكثر من أيِّ وقت مضى، بأن المستهدف به، أساساً، هو (الأيديولوجيا الماركسيَّة)، تلقى دفعاً قويَّاً، منذ بواكير القرن المنصرم، على يد الفيلسوف وعالم الاجتماع والسِّياسة البرجوازي الفرنسي ريموند آرون (1905م ـ 1983م)، الذي يتخذ موقفاً معادياً للأيديولوجيا الاشتراكيَّة، عبر مؤلفاته الأساسيَّة (18 محاضرة عن المجتمع الصِّناعي)، و(خيبة الأمل في التقدُّم)؛ وكذلك على يد السُّوسيولوجي الأمريكي دانيال بيل (1919م)، واضع نظريَّتي (نزع الأيديولوجيا) و(المجتمع ما بعد الصِّناعي)، فضلاً عن مؤلفاته الأساسيَّة (نهاية الأيديولوجيا)، و(صيرورة المجتمع ما بعد الصِّناعي)، و(التناقضات الثقافيَّة للرأسماليَّة). ولئن كانت هذه النظريََّّات قد راجت، ابتداءً، وبالأخص خلال خمسينات وستينات القرن المنصرم، فقد تراجعت، خلال عقدي السَّبعينات والثمانينات، بفعل تحوُّل المطالبة البرجوازيَّة من (نزع الأيديولوجيا) إلى (صياغة أيديولوجيا مضادَّة) قادرة على التصدَّى للماركسيَّة، قبل أن تعود شهيَّة تلك المطالبة البرجوازيَّة القديمة للانفتاح، مجدَّداً، مع خواتيم الثمانينات ومطالع التسعينات، على الترويج لـ (نهاية الأيديولوجيا)، نتيجة القراءة الخاطئة لانهيار حائط برلين، وسقوط النموذج الستاليني للبناء الاشتراكي للحزب والدَّولة، في الاتحاد السوفيتي وبلدان الديموقراطيَّات الشَّعبيَّة.


(4)

وإذن، فليس من حسن الاستيعاب لمفهومي (المعرفة) و(الأيدولوجيا)، من جهة، اصطناع مثل هذا التناقض المطلق بينهما. ولعلَّ من نافلة القول إن إنجلز نفسه، على سبيل المثال، ما كان لينجز سفره الفريد (أصل العائلة والملكيَّة الخاصَّة والدَّولة)، الصادر بعد وفاة ماركس، والذي يعتبر من أمَّهات المصادر الماركسيَّة، لولا اطلاعه على أبحاث مجموعة من العلماء الأمريكيين حول بعض القبائل الهنديَّة الموجودة على مستويات متفاوتة من سلم التطور في الأمريكتين. كما وأنه ليس من حسن الصَّنيع، من جهة أخرى، لذكرى العالم الرَّاحل، (الترويج)، يوم تخليد ذكراه هذه، بالذات، للفكرة القائلة بأنه \"كان من المعرفيين، ولا يمكن له أن يكون من الأيدولوجيين\"، الأمر الذي لا يعنى، بعبارة أخرى، سوى التخرُّص عليه بأنه ظلَّ يضرب، بلا هدى ولا رشاد، في تيه سباسب لا أعلام لها من ركام (المعارف)؛ دَعْ أن يكون هذا (الترويج) محض (تقوُّل) لا سند له من واقع سيرة الفقيد نفسها! فأسامة الذي شكل (تنوُّع الهُويَّات الإثنيَّة) في السودان، وما اتصل منه، خصوصاً، بحقوق المُهمَّشين (الأقليَّات بالمصطلح السابق)، أحد أهمِّ الحقول البحثيَّة التي اشتغل عليها، قاربَ، بآخرة، وبصورة تكاد تكون عضويَّة، فكر (السودان الجديد) الذي شكل (أيديولوجيا) الحركة الشَّعبيَّة. لكن أسامة لم يفِد إلى هذه المنصَّة من فراغ، بل من صميم انتمائه القديم، منذ أيَّام الطلب على مقاعد الدراسة الثانويَّة، إلى الفكر الماركسي اللينيني الذي شكل (أيديولوجيا) الحزب الشِّيوعي، فضلاً عن انتمائه الأكاديمي غير المنكور إلى المدرسة السوفيتيَّة في البحث العلمي، والتي لا يمكن لعاقل أن يزعم المفاصلة بينها وبين (الأيديولوجيا)، مثرياً هذه الأخيرة من الذخيرة (المعرفيَّة) الباذخة التي وفرها له علم (الأنثروبولوجيا)، كخبير متخصِّص فيه، بحقائق أوضاع الإثنيَّات السودانيَّة المتساكنة، كشعوب متعدِّدة متنوِّعة، لكن ما تزال كينونتها، كأمَّة واحدة، في طور التكوين المتعسِّر.

هكذا، فإن هذا المدخل (السُّودانوي)، القائم، من جهة، على أهمِّ المعارف الأنثروبولوجيَّة، يستند، من جهة أخرى، على قوانين المنهج المادي الدياليكتيكي التي ما انفكت تتبدَّى من خلال تعاطي أسامة، منذ كتاباته الباكرة بمجلة (الخرطوم)، قبل ما يربو على الأربعين عاماً، مع قضايا (الهويَّة) و(التمايز)، لا كمقولتين أشبعتهما الفلسفة اليونانيَّة تفكيكاً بفعل التفكير الميتافيزيقي، وأتمَّت، من ثمَّ، عُزلتهما عن بعضهما البعض، الأمر الذي انتقدته الفلسفة (المثاليَّة) الألمانيَّة، خصوصاً لدى (هيغل)، وإنما بارتباط لا ينفصم، كوجهين (متحدين) و(متضادَّين)، في ذات الوقت، لنفس (الظاهرة) الواحدة، أى كـ (مرحلتين) من تطوُّر (التناقضات) الداخليَّة لهذه (الظاهرة)، وكتعبير عن علاقتي (الثبات) و(التغيُّر) فيها.

وضمن مقالته المفتاحيَّة (رؤية أنثروبولوجيَّة لأزمة السودان الماثلة) يضئ الرَّاحل مدخلاً سالكاً لهذا الطابع التركيبي لمصادره الأيديولوجيَّة، بقوله: \"رؤيتنا ترفض النظرة التقليديَّة لما يسمَّى (قضية الجنوب)، أو (مشكلة الجنوب)، ومن ثمَّ سيتمُّ تناول السِّجال السِّياسي ـ الأيديولوجي السُّوداني، كلاً موحَّداً، في الجنوب والشمال، سجالاً يشمل قوى نسميها (تفكيكيَّة)، في الشمال والجنوب، في آن معاً، وقوى نسميها (توحيديَّة)، شماليَّة وجنوبيَّة، على حد سواء\".


(5)

انطلاقاً من تحليله لطبيعة السِّجال السِّياسي ـ الأيديولوجي في السودان، ينظر أسامة، دياليكتيكيَّاً، إلى تلازم وصراع التيَّارين (التفكيكي) و(التوحيدي)، فيقول عن التيَّار الأوَّل إنه، وعلى حين بلورته في الجنوب الجُّغرافي سلوكيَّات وكتابات نخبة منطلقة، بردود الفعل، من نزعة مركزة أفريقانيَّة، نجده قد تبلور، أصلاً، في الشمال الجُّغرافي، من سلوكيَّات وكتابات نخبة من المثقفين على قسمين: (متطرِّف)، كان من أهمِّ ممثليه د. حسن الترابي، يريد تحقيق مشروعه بضربة سيف، و(ليبرالي)، كان من أبرز ممثليه محمد احمد محجوب، ينحو للتدرُّج في استكمال عمليَّة التمثل، بمفهوم مالينوفسكى للتثاقف، حيث أن \".. كلَّ تطوُّر اجتماعي هو تطوُّر بطئ، ومن الأفضل تحقيقه بتغيُّر بطئ، متدرِّج، نابع من الداخل\". ومع ذلك فإن كلا القسمين ينطلق من مركزويَّة عروبويَّة إسلامويَّة، حيث تستند (أيديولوجيَّتهما) إلى حقيقة أن العنصر الغالب في الشمال الجُّغرافي من الكوشيين المستعربين الذين يمثل الإسلام القاسم المشترك الأعظم بينهم، لكن دعاة القسمين معاً عمدوا لـ (استثمار) هذه الغلبة في منح هذا العنصر ميزة أضحى يستعلي بها، عبر القرون، على المساكنين من أهل البلاد غير المستعربين أو المسلمين.

ويدمغ أسامة هذا الموقف (التفكيكي) المنغلق، إجمالاً، وبصرف النظر عن التفاوت بين قسميه المشار إليهما، بأن دعاته يزعمون غلبة الهُويَّة العربيَّة الإسلاميَّة في السودان كله؛ أما مَن لم يتمَّ استعرابهم فأقليَّات غير محددة الهُويَّة تستحق أن تعامل كأهل عهد (!) ويأخذ أسامة على السَّيِّد الصَّادق المهدي ميله، في فترة من الفترات، إلى تبني هذه الرؤية المنبثقة عن هذا التيَّار الذي \".. ينظر للأزمة السودانيَّة في ذات الأطر القديمة البالية، شمال/جنوب، غير مستوعب لحقيقة أنها أعمق بكثير، كمواجهة بين مفهومي (السودان الجديد) و(السودان القديم). فالنظرة القديمة ما عادت قادرة على حل الأزمة السودانيَّة الماثلة؛ ولا بديل غير قبول حقيقة (التنوُّع) و(التعدُّد) الإثنى والثقافي المميِّز للسودان ككل، والابتعاد، مرَّة وللأبد، عن حصر الأزمة في شمال جغرافي بمواجهة جنوب جغرافي\". ولا ينسى أسامة أن ينبِّه إلى أن التصنيف على أساس مفهومَي (السودان القديم) و(السودان الجديد) لا يعبِّر عن الواقع الفعلي وسط الجَّماهير السودانيَّة عموماً، بل، فقط، وسط النخبة المتعلمة والفاعلة في الحركة السِّياسيَّة والفكريَّة التي قامت بدور رئيس في بلورة وجدان شعبي يُظهر قدراً مِمَّا يُعرف في الأنثروبولوجيا بمصطلح (المركزويَّة الإثنيَّة) التي تلخص موقف من يعتقد، بسذاجة، أن نمط حياته أفضل من الأنماط الأخرى!

لكن أسامة لا يكتفي بهذا النظر النقدي المعمَّم لمجمل التيَّار (التفكيكي)، بقسميه (المتطرِّف) و(الليبرالي)، وإنما يعمد إلى التناول المتمكث لكلٍّ من هذين القسمين على حدة، حيث يصف (القسم المتطرِّف) بالنزعة الإسلامويَّة الأصوليَّة منبتة الجذور، على خلفيَّة الطابع العام المتسامح لتديُّن أهل السودان، والأثر الكاسح الذي أحدثه تساؤل الطيب صالح الأشهر: \"من أين جاء هؤلاء الناس\"؟! في بيان هذا (التطرُّف) يسوق أسامة، أيضاً، حُجَّة عبد الله بولا القائلة بأن \"هذا النظام هو الوحيد، من بين كلِّ الأنظمة الانقلابيَّة في السودان، الذي تجرَّأ معلناً أنه جاء قسراً، بالرغم عن إرادة الشَّعب، لأن الشَّعب متخلف، وجاهل بأمر دينه، وفاسد العقيدة، في معنى أن إسلامه مدخول بعقائد وثنيَّة، وخرافات لا مكان لها من إعراب العقيدة السليمة، كما أن قطاعات كبيرة منه ليست على دين أصلاً\"!

ولئن كانت هذه هي الرؤية البرامجيَّة للقسم (المتطرِّف) من التيَّار (التفكيكي) إزاء عموم الجَّماعة المستعربة المسلمة في السودان، والتي يفترض غلبتها، وهيمنتها الثقافيَّة، ضربة لازب، فإن هذه الرؤية نفسها تستبطن، أيضاً، وبالتبعيَّة، وعلى نحو مخصوص، وجوب حمل المساكنين الأغيار، من غير المستعربين أو المسلمين، على الرُّضوخ للأمر الواقع المتمثل في هذه الهيمنة. وحتى الحقوق التي يمكن الإقرار بها لهؤلاء الأغيار، فإن دعاة هذا القسم (المتطرِّف) من التيَّار (التفكيكي) متفقون على أن الجَّماعة المهيمنة هي التي ستتفضَّل بإقرارها لهم، وإن كانوا مختلفين حول نوعيَّة ومدى هذه الحقوق. غير أن المهمَّ، في كلِّ الأحوال، هو الهدف النهائي لدعاة هذا التيَّار (التفكيكي)، على اختلاف قسميهم، وهو استكمال عمليَّة (التمثل الأحادي)، القائمة في (تعريب) هؤلاء الأغيار، و(أسلمتهم)، و(تذويبهم)، نهائياً، وفي أسرع وقت، ولو بضربة واحدة، على حدِّ تعبير مالينوفسكى، في الأغلبية المستعربة المسلمة، الأمر الذى يستتبع اللجوء إلى كلِّ وسائل العنف والقهر والقسر، وهو، بالضبط، ما يميِّز برنامج نخبة الأقلية السِّياسيَّة (التفكيكيَّة المتطرِّفة) الحاكمة في السودان، والتي تحاول من خلال مشروعها الإسلاموي، المُسمَّى بـ (التوجُّه الحضاري)، فرض (التعريب والأسلمة)، فوراً، عن طريق (الجِّهاد).

من زاوية أخرى يسلط أسامة الضوء على النسخة المعاكسة من هذا القسم (المتطرِّف) من التيَّار (التفكيكى) في الجنوب الجُّغرافي، حيث الدعوة جارية، حثيثاً، إلى نفي الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، بالمقابل، انطلاقاً من نزعة المركزة الأفريقانيَّة التي تبلورت، إما بفعل السِّياسة الاستعماريَّة، أو كردِّ فعل لأطروحات القسم (المتطرِّف) من التيَّار (التفكيكي) في نسخته العروبويَّة الإسلامويَّة. وممثلو هذا القسم المقابل، في الجنوب الجُّغرافي، يدعون، حسب أسامة، إلى ضرورة فصل الجنوب عن الشمال، بزعم الحفاظ على \"هُويَّة المجموعات الإثنيَّة الثقافيَّة الأفريقيَّة النيليَّة والسُّودانيَّة المهددة، والتي تؤلف، باعتقادهم، مركباً إثنيَّا ثقافيَّاً يتباين تماماً عن المركب الإثني الثقافي في الشمال الجغرافي\".

أما النزعة العروبويَّة الإسلامويَّة الأخرى ذات الطابع (الليبرالي) فتتبدَّى، لدى أسامة، في كتابات محمد أحمد محجوب، على سبيل المثال، كأحد أبرز قادة حزب الأمَّة، وأحد أميز رموز الفكر السِّياسي السوداني منذ ما قبل الاستقلال، حيث كتب، مثلاً، عام 1941 \"إن المثل الأعلى للحركة الفكريَّة في هذه البلاد هو أن تحترم تعاليم الدِّين الإسلامي الحنيف، وأن تكون ذات مظهر عربي في تعبيرها اللغوي، وأن تستلهم التاريخ القديم والحديث لأهل هذه البلاد وتقاليد شعبها. هكذا يمكننا أن نخلق أدباً قوميَّاً، وسوف تتحول هذه الحركة الأدبيَّة في ما بعد إلى حركة سياسيَّة تفضي إلى الاستقلال السِّياسي والاجتماعي والثقافي\".

يلمح أسامة في فكر المحجوب هذا، بوضوح، أطروحات الأنثروبولوجيا الاجتماعيَّة البريطانيَّة. وفي معرض نقده الأيديولوجي المعرفي لهذا الفكر يشدِّد أسامة على أن المحجوب لم يدرك مفهوم الاستقلال إلا من خلال ذاته وهُويته العروبيَّة الإسلاميَّة، ففاته أن الاستقلال، بالنسبة للمجموعات السودانيَّة الإثنيَّة الأخرى، والتي لا بُدَّ أن تؤلف جزءاً من الأمَّة السودانيَّة، كان مرتبطاً بنمط وجود مختلف منذ أزمان سبقت الهجرات العربيَّة الوافدة في أوقات لاحقة إلى البلاد؛ وأن الاستقلال هو الإصرار على إرادة العيش حسب قيم خاصَّة لذاتها، وأن إزالة الاستعمار لا تعني مجرَّد إعادة امتلاك السلطة السِّياسيَّة، والثروات الاقتصادية، بل تعني أن على السودان، في المقام الأوَّل، أن يعيد بدء تاريخه من حيث أهمله البريطانيون.

وأمَّا التيَّار الأخر (التوحيدي)، في الشَّمال الجغرافي، فيتوزع دعاته، في منظور أسامة، على ثلاث مدارس أيديولوجيَّة:

الأولى (إقصائيَّة)، دعاتها هم العروبيون الإسلامويون الأصوليون الذين أخذوا، هم أيضاً، في التعبير عن حنين ما لـ (العودة إلى سنار)، لكن باتجاه جدِّ مختلف، كعادتهم، دائماً، في إفراغ المفاهيم الرَّائجة من محتواها. هكذا عبَّر حسن مكي، أحد أبرز مفكريهم، في كتابه (الثقافة السِّناريَّة)، عن رفضهم لكلِّ ما قبل سنار من ثقافات، بحسبانها ثقافات جهل وانحطاط! ويرصد أسامة محاولات حسن الترابي وحسن مكي وآخرين، في مرحلة من المراحل، ربَّما تحت وطأة الاحساس بفشل (المشروع الحضاري)، للدعوة إلى (مشروع التمازج الثقافي الإسلامي). إلا أن أسامة يسدِّد سهام نقده إلى هذا المشروع، من حيث استحالة حدوث (تمازج) ثقافي في ظلِّ (هيمنة) عنصر على بقيَّة العناصر. فإذا كان الهدف من (التمازج) هو (التغيير/التطوير)، فإن أساس أيِّ (تغيير/تطوير) للثقافة، عند العربوإسلامويين، هو السيطرة من خارج الظاهرة، على حين ينبغي لهذا (التغيير/التطوير) أن يتمَّ من داخل الثقافة السُّودانيَّة، كثمرة لمشروع (الوحدة في التنوُّع).

أما المدرسة الثانية فـ (توفيقيَّة) يحاول أتباعها، على حدِّ تعبير بولا، تقويم اعوجاج المنهجيَّة الخاصَّة برؤية إشكاليَّة الهُويَّة، كما في أشعار وكتابات المجذوب، وعبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم، والنور عثمان أبَّكر، وغيرهم من شعراء (الغابة والصَّحراء) الذين اختاروا سنار مصهراً لصياغة الهُويَّة السُّودانيَّة، ونموذجاً لاستعادة الأصالة الكوشيَّة الأفريقيَّة. ويرى أسامة أن (العودة إلى سنار) تحمل لهؤلاء دلالة التمازج الإثني والثقافي، حيث سنار هي عاصمة أول مملكة إسلاميَّة في السودان، وملوكها هم الفونج الذين اعتنقوا الإسلام وادعوا نسباً أموياً وهمياً سطره لهم السمرقندى الفقيه القادم من آسيا الوسطى. إلا أن أسامة يتفق مع بولا حول أن خطاب هؤلاء الشُّعراء يجترح مشروعاً أنثروبولوجيَّاً لا مجال فيه لمشروعيَّة الاختلاف مع الاستمرار في البقاء في إطار الأمَّة السُّودانيَّة الواحدة، لكونه يفترض اكتمال (التمثل)، من كلِّ بُد، شرطاً لبلورة الهُويَّة والثقافة السُّودانيَّة التي ستصبح، حينئذٍ، هجيناً أفروعربيَّاً. وينوِّه أسامة، أيضاً، بما كان عبد الله على إبراهيم قد ذهب إليه من أن ضرورات التساكن القومي قد تلزم الجنوبيين باكتساب اللغة العربيَّة أو بعض عادات العرب المسلمين، لكنهم، يقيناً، \"سيقاومون كلَّ ميل لجعلهم يتبنون نسباً عربيَّاً إلى جانب نسبهم الأفريقي الأصيل المؤكد، وستبدو لهم الدَّعوة إلى إعادة إنتاجهم عبر التمازج الثقافي، كطبعة لاحقة لإنسان سنار، نوعاً من الغشِّ الثقافي لا الحوار\".

وأما المدرسة (التوحيديَّة) الثالثة، والتي يعلن أسامة عن انتمائه الأيديولوجي إليها، فـ (تثاقفيَّة)، يمثلها، بالنسبة لأسامة، في كلا الشمال والجنوب الجُّغرافيين، دعاة (النزعة السُّودانويَّة) الذين يرون في (الهُويَّة السُّودانيَّة) ناتج عمليَّات (تماثل غير أحادي) بين (الثقافات الكوشيَّة) الأصيلة في الشمال الجُّغرافي، و(الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة) الوافدة، وأيضاً ناتج عمليَّات (تثاقف) جرى، بفعل عمليات (التماثل) تلك، بين (الثقافات النيليَّة) الأصيلة في الجنوب الجُّغرافي و(الثقافات الناشئة) في الشمال الجُّغرافي. وإذن، فإن عمليَّتي (التماثل) و(التثاقف) تينك قد أفضتا، بحسب أسامة، إلى نشوء مركب إثني ثقافي، متنوِّع وفريد في طبيعته، يؤلف الهُويَّة السَّودانيَّة الحاليَّة المرشَّحة لصياغة مشروع (الأمَّة السُّودانيَّة).

وإذن، فدعاة (المدرسة السُّودانويَّة) ينطلقون، لدى أسامة، من مفهوم (الوحدة في التنوُّع)، رافضين لكلِّ مشاريع (التمثل الأحادي) القائمة في أطروحات التيَّار (التفكيكي) الشمالي، الدَّاعي، بقسميه (المتطرِّف) و(الليبرالي)، إلى هيمنة عنصر بعينه على بقيَّة عناصر المركب الاثني، ووضع الثقافات السُّودانيَّة، أجمعها، تحت جناح ثقافة واحدة مهيمنة؛ ورافضين، كذلك، لأطروحات هذا التيَّار في نسخته الجَّنوبيَّة، حيث تنطلق الدَّعوة لاستبعاد مشروع (الوحدة في التنوع)، والتشبُّث، حدَّ القتال، بمطلب فصل عنصر من عناصر المركب الإثني الثقافي المرشَّح لتكوين فسيفساء (الأمَّة السُّودانيَّة). وبالتبعيَّة ترفض (مدرسة التثاقف)، جملة وتفصيلاً، مفهوم (الأغلبيَّة والأقليَّة)، في ميزان القيمة الثقافيَّة، بحسبانه يفضى إلى عرقلة مشروع بناء (الأمة)، بل وإلى تفكيك السودان لا محالة، وفي ذات الوقت تحتفي هذه المدرسة بالظواهر الإيجابيَّة التي تنشأ عن التماس المتصل، والتعارف المباشر، بين مختلف الثقافات والمجموعات الإثنيَّة في السودان.


(6)

هكذا ظلَّ أسامة يتابع تداخله في مسار السِّجال السِّياسي ـ الأيديولوجي حول قضايا البناء الوطني في البلاد، وتجلياتها الهُويويَّة، مبرزاً الموقف الأيديولوجي (التوحيدي) الذي ينتمي إليه، على خلفيَّة الصِّراع الجنوبي ـ الشمالي، وذلك على النحو الذي تبدَّى به هذا السِّجال منذ حركة 1924م ودور \"الزنوج المنبتين قبليَّاً\" فيها، والإشارة إلى علي عبد اللطيف وبعض رفاقه، وفق تحليل الباحثة اليابانيَّة يوشيكو كوريتا بعنوان (علي عبد اللطيف وثورة 1924م: بحث في مصادر الثورة السُّودانيَّة\"؛ مروراً بالسِّياسة الجَّنوبيَّة التي عزلت الجنوب عن الشمال، طوال عقد العشرينات من القرن المنصرم، بترسانة من القوانين والإجراءات؛ ومؤتمر جوبا 1947م، والمساومة التاريخيَّة بشأن إعلان الاستقلال من داخل البرلمان 1955م، وقد تمَّ التنصُّل عنها جميعاً؛ وإلى ذلك حرب الجنوب الأولى (1955 - 1972م)؛ ومؤتمر المائدة المستديرة (مارس 1965م)، حيث يُبرز أسامة رؤية القوى (التوحيديَّة) فيه لضرورة التنمية في كل الأقاليم، بما يُفضي إلى نمو قوى الإنتاج الحديث في كلِّ البلاد، كقوى ديموقراطيَّة واسعة وفاعلة، فضلاً عن تركيز خطاب هذه القوى على أن الثقافة العربية الإسلاميَّة حين وفدت إلى هذه الأصقاع لم تجدها خالية، بل مستندة إلى جذور حضاريَّة راسخة منذ آلاف السنين، فتأثرت بقدر ما أثرت؛ ثمَّ لجنة الاثني عشر (يونيو 1965م) التي ترتبت على التحرُّك الجَّماهيري الغاضب، بقيادة القوى (التوحيديَّة)، في إثر إقدام القيادة العسكريَّة في الجنوب على تصفية عدد من المثقفين الجنوبيين بزعم أنهم (طابور خامس) لحركة أنيانيا المسلحة، حيث يُضئ أسامة الخلاف الذي ثار بين ممثلي التيَّار (التوحيدي)، وضمنه الأحزاب الجنوبيَّة، والذي تمسَّك بضرورة إقرار مبدأ الاعتراف بالتعدُّد الثقافي، وحقِّ الثقافات المختلفة في الازدهار والتطوُّر، وبين ممثلي العروبويين الإسلامويين الذين أصرُّوا على رفض إقرار هذا المبدأ، ثمَّ ما لبثوا أن بلغ بهم الهلع مبلغاً ما عادوا يتحملون معه سماع صوت دعاة النزعة (التوحيديَّة)، فأتمروا على حلِّ الحزب الشِّيوعي، وطرد نوَّابه المنتخبين من البرلمان، بحُجَّة اعترفوا، هم أنفسهم، بعد نحو من ربع قرن، بأنهم افتعلوها زوراً وبهتاناً، مما هيَّأ لانقلاب مايو 1969م؛ ثمَّ أخيراً، وليس آخراً، حرب الجنوب الثانية (1983م ـ 2005م) التي انتهت باتفاقيَّة السَّلام الشامل.


(7)

اللافت، بوجه مخصوص، أن أسامة، في تناوله لكلِّ تلك الأحداث التاريخيَّة المهمَّة، لم يزعم، البتة، أنه مؤرِّخ محايد، أو مغمض العينين، كما يحاول علي عثمان صالح تصويره، الآن، بعد وفاته، بل ظلَّ يشدِّد، من منصَّة أيديولوجيَّة محدَّدة وصارمة، على التفريق بين موقفين شديدي التمايز أيديولوجيَّاً: موقف اليسار، بما فيه الحزب الشِّيوعي والقوى الإقليميَّة المناضلة، تاريخيَّاً، من أجل المطالب العادلة والتطلعات المشروعة لجماهير الجنوب، من جهة، وموقف العروبويين الاسلامويين المصادم لتلك المطالب، والسائر ضدَّ التاريخ، من جهة أخرى، دون أن يخفي أسامة، يوماً، انحيازه إلى تحالف الموقف الأوَّل.

ولعلَّ من أبلغ الدَّلائل على ذلك تركيز أسامة، مثلاً، وبوجه مخصوص، على إبراز الواقعة التاريخيَّة التي تشير إلى أن القوى الشَّماليَّة كانت، قبيل الاستقلال، قد مهرت بتوقيعها على مطلب الفيدراليَّة عندما تقدَّمت به نخبة المتعلمين والسَّلاطين السِّياسيَّة المنظمة في الجنوب. بيد أن (التفكيكيين) الشَّماليين ما لبثوا أن تنصَّلوا عن ذلك الاتفاق، مما دفع بالقوى (التوحيديَّة) الشَّماليَّة إلى تنبيههم للمخاطر التي يمكن أن تنجم عن مثل ذلك التنصل، حيث أصدرت الجَّبهة المعادية للاستعمار (سلف الحزب الشيوعي) بياناً نشرته جريدة الصَّراحة بتاريخ 28/9/1954م، أعلنت، عبره، اعتراضها على بوادر ذلك التنصل، مؤكدة على أنه إن لم تقبل وتنفذ المقترحات الخاصة بالحكم الذاتي للجنوب، فإن وحدة السودان في خطر! ورأت الجَّبهة أن (مشكلة الجنوب) تحمل أكثر من وجه، وأنها تمثل وجهاً واحداً لمشاكل إقليميَّة عديدة تواجه السودان، مقترحة أن تحلَّ كلُّ المشاكل بالمستوى نفسه. ووصفت الجَّبهة السودان، في بيانها، بأنه دولة متعدِّدة القوميات، وأن الحكم الذاتي الإقليمي هو الحلُّ الوحيد الذي يناسبه، وأن هذا النوع من الحكم الذاتي يجب ألا يُضعف السودان الموحَّد، وطالبت، في البيان نفسه، بسدِّ الفجوة التنمويَّة، وتضييق الهُوَّة التعليميَّة، ومساواة الأجور بين شطري البلاد.

لكن، برغم المخاطر التي ألمح إليها بيان الجَّبهة المعادية للاستعمار، تمادى دعاة النزعة (التفكيكيَّة) في تصعيد سياستهم الخرقاء، والاستغراق في رؤاهم الأنثروبولوجيَّة التطبيقيَّة الوظيفيَّة، متماهين بها مع المدرسة الاستعماريَّة البريطانيَّة. ولقد، بالفعل، رأت النخبة الجنوبيَّة في تنصُّل (الشَّماليين) عن الحكم الذاتي المتفق عليه للجنوب شكلاً من العودة إلى سياسة الإدارة الاستعماريَّة غير المباشرة، وإن اتخذ الخطاب، هذه المرَّة، شكلاً عروبويَّاً إسلامويَّاً يحمل على الاغتراب، كتعبير عن علاقة تبعيَّة مفروضة عليهم من قبل (الشَّماليين)، ومن ثمَّ رفضوا مبدأ إحلال سيادة ثقافيَّة عربيَّة إسلاميَّة محلَّ سيادة ثقافيَّة غربيَّة استعماريَّة.

كما وأن من أبلغ الدَّلائل، أيضاً، تشديد أسامة على أن النخبة الطائفيَّة المتعلمة لم تحاول الاقتراب من جوهر القضيَّة الوطنيَّة الأساسيَّة، قضيَّة التعدُّد الإثني، والثقافي، واقتسام السُّلطة والثروة، ومضاهاته ذلك العجز الفكري بما كان كتب جوزيف قرنق، عضو المكتب السِّياسي للحزب الشِّيوعي، في كتابه (أزمة المثقف الجنوبي) ما معناه أن مجموعة من المثقفين الجَّنوبيين ظهرت عام 1953م، من أمثال بولين الير، وايزاك داى، وسانتينو دينق، وتون اتيربار، وفونسينتو بازيان، وسيرسيو ايرو، ورود تيتو اونززى، كانوا يشاطرون القوى الشَّماليَّة العداء للاستعمار البريطاني، ولذلك تحالفوا مع القوى المعادية للاستعمار في الشمال. ولكن حكومة الشمال الوطنيَّة الأولى لم تعالج القضايا الأساسيَّة التي طرحتها المجموعة رغم تحالقها معها: التنمية الاقتصاديَّة، الأجر المتساوي، إلغاء ضريبة الدقنيَّة، رفع المستوى المعيشي للمواطن الجَّنوبي، المشاركة في أجهزة الدَّولة. وكان ذلك محبطاً بالنسبة لتلك المجموعة، فانصبَّ لمصلحة دعاة تيار نزعة (المركزة الأفريقانيَّة) الدَّاعين إلى فصل الجنوب.

................................

................................

وبعد، أفلا يتفق معنا د. علي عثمان صالح، الآن، على أن من خطأ الفهم، إن لم يكن من سوء الغرض، محاولة تجريد هذه الأطروحات من طابعها (الأيديولوجي)، أو افتعال مواجهة، كالتي يجترحها الدكتور، بين طابعها هذا وبين الأسس (المعرفيَّة) التي تستند إليها، دَعْ الاجتراء على الزَّعم، بملء الفم، أن أسامة لم يقف، يوماً، إزاء (الأيديولوجيا) العروبويَّة الإسلامويَّة القامعة، كـ (أيديولوجيٍّ مضاد) يتصدَّى لها بالكشف، والفضح، والتعرية؟!


الاخبار

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 2313

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أ.كمال الجزولي
أ.كمال الجزولي

مساحة اعلانية
تقييم
5.97/10 (72 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة