المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د. محمد بدوي مصطفى
الصورة النمطية للنوبي الأسود (زولو) في رواية نجيب محفوظ (كفاح طِيبة)
الصورة النمطية للنوبي الأسود (زولو) في رواية نجيب محفوظ (كفاح طِيبة)
10-10-2012 07:23 PM


الصورة النمطية للنوبي الأسود (زولو) في رواية نجيب محفوظ (كفاح طِيبة)

د. محمد بدوي مصطفي
mohamed@badawi.de

اكتشفت من خلال قراءاتي في أدب الرواية خلال العامين الماضيين ومن جديد قوة السرد، جمال الأسلوب، جزالة التعبير وسلاسة الحبك عند حامل جائزة نوبل في الأدب الكاتب نجيب محفوظ. كنت كلما ذهبت إلى مصر أحرص أن أزور دار الشروق للنشر التي أخرجت روايات هذا الكاتب العملاق في ثوب بديع يفتح النفس للقراءة مقارنة بالكتب القديمة. أن أخرى الكتب التي ملكت عليّ مخيلتي وهمت في خيلاها الدفاق كانت رواية (كفاح طِيبة). هي دون ادني شك رواية في غاية الروعة والاثارة فمن تقع علي يديه لا يتركها إلي بعد أن يطبق علي آخر صفحة بها. لقد نشرت للمرة الأولى سنة ١٩٤٤، وهي الثالثة بين رواياته التاريخية بعد (عبث الأقدار)، التي نشرت عام ١٩٣٩ ورواية (ورادوبيس) التي رأت النور في عام ١٩٤٣. (كفاح طيبة) رواية بتفاصيل تاريخية محكمة وترقد فوق أعمدة عمل متقن وبحث طويل ومضني. لقد اختيرت هذه الرواية في نهاية عام ١٩٩٩ بعد دراسة قامت بها صحيفة (الموندو الاسبانية) كواحدة بين أهم روايات الأدب العالمي في القرن العشرين على الإطلاق. عمد الكاتب فيها أن يرمز لكفاح مصر عندما صمدت صمود الابطال لاسترداد حريتها من الغزاة الهكسوس، وأنها أيضا في القرن العشرين قادرة بكفاحها المسلح أن تحقق استقلالها من قبضة الاحتلال البريطاني كما فعلت ضد الهكسوس الجبابرة في الماضي. في بساط زمرديّ رائع نثر فيه نجيب محفوظ قصة تحكي كفاح أهل طيبة. حكى فيها قصة حب التاجر إسفينيس الذي صار فيما بعد فرعون مصر أحمس. كان الأخير ملكا حكيما سددت حكمته بالانتصار على الأعداء، لكن رغم هذا الانتصار الذي بلغه بحكمته وحبه لشعبه في كل المعارك التي خاضها ضد ملك الهكسوس، لم تغب عن ذهنه صورة تلك الأميرة، نجلة ملك الذي هزمه، والتي ظل هواها وعشقها ينقص عليه لياليه. مع ظهور الأميرة بدأ الكاتب في إدخال شخصية (زولو) الهامشية في الرواية. هاكم ما جاء بها:
سألت الأميرة قائلة:
- أين هذا المخلوق العجيب الذي كان هنا؟
- سيكون بين يديك ...
وذهب الي كوة تطل علي باطن السفينة، ونادي قائلا:
- زولو
وما لبث أن ظهر القزم من الكوة، وتبعه جسمه، ثم أقبل علي صاحبه، فأخذه من يده الي حيث تقف الأميرة وجواريها وكان يسير ملقيا بصدره إلي الأمام في خيلاء مضحكة، وبرأسه الكبير الي الوراء، ولا يزيد طوله علي أربعة أشبار، أما لونه فشديد السواد، وأما ساقاه فمقوستان. قال له إسفينيس:
- حي مولاتك يا زولو!
فانحني القزم حتى مس شعره المفلفل الأرض، فاطمأنت الأميرة وسالت وعيناها لا تفارقان القزم:
- أحيوان هذا أم إنسان؟
- هو إنسان يا صاحبة السمو.
- ولماذا لا نعدّه حيوانا؟
- له لغته ودينه.
- عجبا وهل يوجد مثله كثيرون؟
- نعم يا مولاتي، إنه ينتمي الي شعب وافر العدد فيهم نساء ورجال وأطفال ولهم ملك وسهام مسمومة يسددونها نحو الحيوان المفترس والإنسان المغير، ولكن قوم زولو يأنسون الي الناس سريعا ويخلصون المودة لمن يصادقهم، ويتبعونه كالكلب الأمين.
فهزت رأسها المكلل بخصلات الذهب عجبا، وافتر ثغرها عن در نضيد، وتساءلت:
- وأين يعيشون قوم زولو؟
- في أقاصي غابات النوبة، حيث يرقد النيل المعبود.
- دعه يحدثني إن استطعت!
- إنه لا يستطيع أن يتكلم لغتنا، وقصارى جهده أن يفهم بعض الأوامر، ولكنه سيحيي مولاته بلغته.
- وقال إسفينيس للقزم:
- ادع لمولاتك دعاء طيب!
فاهتزت رأس القزم الكبير كأنه يرعش، ثم نطق بكلمات غريبة بصوت أدني إلى الخوار، فلم تملك الأميرة إلا أن تضحك ضحكة عذبة، ثم قالت:
- حقا إنه غريب، ولكنه قبيح لا يسرني أن اقتنيه.
إن هذا الحوار بكل ما يتضمن من تعابير واستعارات للرجل النوبي الأسود لا يحتاج الي تفصيل إذ أنه يتحدث عن نفسه. لا انشد ها هنا أن أقيد وأحدّ خيال القارئ الكريم. فإنني أتركه لتمعن العبارات التي يحتويها بعض حوارات هذه الرواية التاريخية والتي تعدّ من أهم روايات الأدب العالمي. يحبذا أن نجعل من المقال وما يتضمنه من قراءات منطقية وعلمية انطلاقا لبحث متبادل بينا نفيد منه ونستفيد، دون أن أنسي أن لي رجعة أخرى لصورة الرجل النوبي الأسود أو صورة السوداني في روايات نجيب محفوظ والتي صارت استريوتيب وصورة نمطية للقباحة والغباء.
٭٭٭٭٭٭
تجدون مزيد من المقالات والأعمال الأدبية تحت هذا الرابط
https://www.facebook.com/pages/Dr-Mo...5488231?ref=hl

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3279

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#487081 [Mahjoub Baba]
5.00/5 (1 صوت)

10-11-2012 08:17 AM
دكتور بدوي
ألا تتصور بأن مثل هكذا الإنطباعات السطحية والإستخراجات العليلة قد تنبع من إحساس مُرهِقٍ بالدونية، حتى وإن كان ما ذهبت إليه مقبولاً رغم إشارات المقنطف من الروايه (وأين يعيشون قوم زولو؟
في أقاصي غابات النوبة، حيث يرقد النيل المعبود) بالله عليك يا دكتور هل على الأراضي النوبية غابات؟؟ وهل أصلاً وحتى يومنا القائم يستخدم النوبيون مصطلح (زول)؟؟ لا يُقبل القارئ الحصيف هكذا الإيحاءات العليلة والمنطلقة من نفسيةٍ تستلزم المداوة لاسيما واختلاف ظرف الزمان وتباين المفاهيم قرينة جوهرية في أية محاولة لتحيل الإبداع الأدبي والفنون عموماً.. كيف يتأتى لدكتور يفترض في تأهيله بأن يكون باحثاًالطرق بقلم مسموم على التعميم في إستنباطٍ قد يُختَلَف عليه والمثل يادكتور ( العارف عزه مستريح)


ردود على Mahjoub Baba
United States [زول] 10-11-2012 11:11 AM
أخي الكريم، على رسلك! وليس هكذا تناقش الأمور!!! الغرض من المقال هو أدبي واجتماعي بحت ليس فيه احساس بدونية أيّ كانت. الهدف فيه أن تتاح الفرصة لمداخلات من أولئك الذين اهتموا لقضية التناص وغيره في الأدب انطلاق من هذا الانموذج. ليست القضية قضية أسود أو عقدة كما حسبت.
أولا: الرواية تاريخية والمنطقة الجغرافية التي يرقد عليها النيل – والنيل يرقد على مساحة واسعة من أرض السودان بالمعنى الشمولي - كانت أحراش؛ أثبت الحفريات الأخيرة بمناطق النوبة وجود وثائق ورسومات حائطية لحيوانات مفترسة في هذه المنطقة - الصحرواية حاليا. اعلم أخي الكريم أن الرواية ترجع بالقارئ إلى تاريخ بعيد، إلى عصور الفراعنة التي وطِنت حقبا قبل الميلاد. لذا لا يمكن الاستدال بمعطيات اليوم لتفسير ظاهرة وقعت في عصور قبل الميلاد. ألا توافقني؟
ثانيا: أي رواية كانت، فهي لا ترمز ولا تشير لكل معطيات الواقع ١٠٠ ٪ لأنها في الأول والأخير رواية؛ وكما أنها تحاول الإثارة عندما تبسط للقارئ جوء يسوده الغموض لتشحذ خياله؛ وأغلب الظن أن يكون هنا عاملا الإثارة وحبكة السرد هما المسؤولان عن ادخال الاقزام (السود ذوو الأشكال الدميمة) كشخصيات هامشية ولتضليل الحقائق للابتعاد عن المواجهة كحال نجيب في كثير من رواياته، كفتوة العطوف مثلا والتي يرمز فيها لعدد من الانبياء. إن استخدم الكاتب مصطلح (زول) فإنه يرمز به لصورة استريوتيب تكررت في عديد من رواياته لهذه الشخصيات الهامشية وليس بالضروري أن يوجد المصطلح في القاموس النوبي. لكنه من جهة أخرى استخدم في هذه الرواية مصطلح (نباتا) ليرمز لمملكة (نبتا) الخ.
ثالثا: السودان بلد امتزجت فيه العناصر الزنجية وغيرها لتولد بوتقة نعرفها الآن في انفسنا. فالنوبيون لم يعيشوا فقط على الأماكن التي يرقد عليها النيل... هنا تجد مجلدين للعالم السنغالي (حميدو كان) عن الأمم الزنجية والحضارة فيهما يربط بين النوبية والنوباوية على سبيل المثال ...وتشابه الإلفاظ والأصوات العديدة التي طرحها المؤرخ حميدو كلها تقود لتعليل هذه الأطروحة.

مع فائق الاحترام والتقدير


د. محمد بدوي مصطفي
د. محمد بدوي مصطفي

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة