10-13-2012 12:58 PM

الخرطوم وجوبا.....تبادل المصالح والأمن المشترك

محمد التجاني عمر قش
[email protected]

يعتمد وجود الإنسان على ظهر هذه البسيطة على متطلبات يأتي الطعام والأمن في مقدمتها. وهذا ما يمكن أن نفهمه من تفسير الآية الكريمة (أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). وإذا ما تأملنا وتدبرنا الكلمات أطعمهم (الغذاء) الذي يعني الشبع ونقيضها الجوع، والأمن والخوف لوجدنا ما يعرف عند البلاغيين بالطباق،والشاهد هنا استحالة التقاء المعنيين في وقت واحد، أي لا يلتقي الخوف والشبع.والإشارة إلى الطعام تعني مجمل العمليات الاقتصادية من إنتاج وتصنيع وتوزيع واستهلاك، ومصالح متبادلة بين الناس أفراداً وجماعات ودول؛ وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا توفر الأمن الذي هو الشرط اللازم لحياة الإنسان وممارسة دوره في عمار الأرض والاستفادة من خيارتها.
ولعل هذا ما جعل الخرطوم وجوبا تسعيان للتوصل إلى الحد الأدنى من الاتفاق على توفير الغذاء والأمن من خلال التوقيع على اتفاقيات إطاريه، مؤخراً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تهتم أساساً بمعالجة القضايا الاقتصادية وبعض الجوانب الأمنية. فلأول مرة في تأريخ الصراع والتفاوض بين شمال وجنوب السودان تلتقي قيادة البلدين على مستوى القمة ولفترة قاربت الأسبوع حتى توصلا للاتفاقيات المشار إليها. والقرار الذي اتخذه المسئولون في البلدين ينم عن شعور كبير بالمسؤولية، ومراعاة للمصالح المشتركة بينهما، ولذلك نراهم يعضون على هذه الاتفاقيات بالنواجذ ويبدون حرصاً كبيراً على إنفاذها وتطبيقها على أرض الواقع، بدفع الأجهزة التنفيذية والتشريعية في البلدين للتصديق عليها وإجازتها. فجوبا، عاصمة الدولة الوليدة في الجنوب، تعاني من نقص حاد في الغذاء الذي كان يأتيها رغداً من الخرطوم، ولكنها فقدته باستفزازها المتكرر للسيادة السودانية، سواء عن طريق هجوم قوات الحركة الشعبية على الأراضي السودانية، أو بدعها لمتمردي جنوب كردفان والنيل الأزرق، أو بإيواء ودعم قادة التمرد من دارفور من أجل زعزعة الأمن في حدود السودان الجنوبية والغربية. وكانت النتيجة أن وصلت الأمور بين الدولتين إلى حالة الحرب والاقتتال مما أدى إلى فقدان الأمن وتوقف الطعام. ومعلوم أن اقتصاد السودان قد أصيب بضربة قاصمة بسبب خروج عائدات النفط من الميزانية بعد الانفصال وتوقف ضخ نفط الجنوب عبر الأنبوب الناقل إلى مواني التصدير على ساحل البحر الأحمر. وتسبب ذلك بدوره في أزمة معيشية طاحنة أرهقت المواطن وكادت تعصف بالوضع الأمني خاصة في العاصمة الخرطوم وبعض المدن الكبرى، بسبب رفع الدعم عن المحروقات وزيادة أسعار العملات الصعبة، الأمر الذي أثر على أسعار المواد المستوردة بما فيها الدواء. وهذا الدرس القاسي، والموقف الدولي المتمثل في القرار 2046 هما من الأسباب التي دفعت بالطرفين نحو التفكير من زاوية المصالح والأمن المشترك، سيما وأن العلاقات الدولية الآن تسير في هذا الاتجاه.
وعلى الرغم من أن الخرطوم كانت تصر على بحث الملفات الأمنية أولاً، وهو ما يبدو منطقياً، وجوبا تركز على النفط والعلاقات التجارية، إلا أن وطأة القرار الأممي، وحاجة البلدين الملحة للمال والطعام والأمن، جعلت من الممكن تقارب وجهات النظر التي بدت متضاربة في بداية التفاوض، ولذلك سارت المحادثات في اتجاه بحث الأمن على الحدود المشتركة حتى يتمكن المواطن من الحصول على قوت يومه، ويتم تبادل المنافع التجارية التي تصب في مصلحة الجميع اقتصادياً وأمنياً. والكرة الآن في ملعب حكومة الجنوب لأن المطلوب منها هو ضبط العناصر المتفلتة وتلك التي لها أجندة ومصالح خاصة ربما تدفعها نحو عرقلة تنفيذ هذه الاتفاقيات. وبما أننا لا نثق في بعض قادة الحركة الشعبية من أمثال باقان أموم وشرذمته، نطالب الرئيس سلفا كير ميارديت بتحمّل مسئوليته تجاه مواطنيه أولاً، فقد عانوا الأمرّين من نقص الغذاء حتى وصلت بلاده إلى حافة المجاعة التي يسميها البعض تدليلاً "فجوة غذائية"؛ ولذلك لابد له من أن يرمي بثقله كرئيس لدولة الجنوب، والقائد العام لقوات الحركة الشعبية لحفظ الأمن على الحدود المشتركة بين البلدين، خاصة بعد أن صدرت أوامر الرئيس البشير بفتح جميع المعابر لنقل المواد الغذائية والذرة تنفيذاً لبنود الاتفاق وحفظاً للعهد، وإبداءً لحسن النوايا، وتمهيداً لفتح صفحة جديدة في العلاقات والتعامل بين البلدين.
هذه النقاط هي ما أجمع عليه نفر من الجالية السودانية في العاصمة السعودية الرياض، حيث أقامت منظمات المجتمع المدني، والمؤتمر الوطني والقوى الوطنية، ليلة سياسية حضرها بعض أعضاء البعثة الدبلوماسية بسفارة السودان وتحدث السفير قريب الله الخضر قائلاً: إن هذا الاتفاق يضع العلاقات بين السودان ودولة جنوب السودان في الاتجاه الصحيح، ويؤسس لبناء الثقة واحترام حسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية فضلاً عن التعاون المثمر الذي يحقق مصالح شعبي البلدين.من جانب آخر شرّف الحفل عضو المجلس الوطني، الذي يزور الرياض هذه الأيام، الأستاذ الحاج يوسف اليمني الذي عبّر عن تفاؤله مؤكداً:أن هذه الاتفاقية، ستعود بالخير والفائدة على السودان وجنوب السودان . وقال رئيس المؤتمر المهندس /محمد احمد إبراهيم إن الاتفاق فرضته حاجة البلدين إلى إيجاد خارطة طريق ومخرج لمعالجة كل القضايا العالقة بينهما، مؤكداً بأن نجاح هذا الاتفاق سوف يعزز فرص نجاح معالجة القضايا الأمنية والحدودية. وتحدث الأستاذ عوض أحمد عمر ممثلاً لمنظمات المجتمع المدني السودانية بالرياض، حيث أبدى سعادته وإشادته بالاتفاقية، وقال: نحيي ونشيد باتفاق التعاون والتآخي بين دولتي السودان وجنوب السودان،الذي تضمّن عدداً من الاتفاقيات المهمة القائمة على المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية.
وإن كانت هذه الاتفاقيات قد قوبلت بشيء من التوجس والانتقاد من بعض الكتاب والمحليين في " الإنتباهة"، فهذا أمر طبيعي؛لأن تجربتنا مع حكومة الجنوب بعد الانفصال قد شابها كثير من السلوك السالب الذي يوحي بأن هنالك ثمة مخطط يستهدف السودان في كثير من الجوانب، تسعى جهات مشبوهة لتنفيذه، مستخدمة دولة الجنوب كمخلب قط، خدمة لمصالحها الانتهازية في المنطقة برمتها. وهذا من الأمور التي يجب أن تحمد لهذا الصحيفة الرائدة سيما وأنها تسعى للقيام بدورها الإعلامي في تبصير المسئولين عن ملف التفاوض ولفت انتباههم لبعض جوانب القصور التي قد تحدث أثناء ذلك. وحسب علمي لا أحد يستهدف إدريس عبد القادر أو غيره شخصيا،ًولكننا إنما نريد توخي الحيطة والحذر، ومراعاة مصلحة الوطن العليا وأمنه، في تعاملنا مع جنوب السودان.خلاصة القول إن البلدين قد أدركا المصالح والأمن المشترك بينهما؛ ولذلك لابد من السعي لحل القضايا العالقة بنفس هذه الروح خصوصاً عندما يأتي الحديث عن أبيي والمناطق المتنازع عليها؛لأنّ البديل الآخر لعدم الاتفاق،هو الحرب بكل ما تحمل من ويلات ودمار وجوع وخوف.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 795

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة