11-02-2012 02:15 PM

ماذا لو مر بنا..(ساندي)

جمال الهنداوي
[email protected]

في بعض تلك الايام, وعندما كانت في العراق أربعة صحف فقط لا يميزها من بعضها الا لون الحبر الذي تخط به اسماؤها, كانت اجهزة"التيكر"هي اعلى مستوى من وسائل الاتصال المتوفرة مع العالم,في احدى تلك الايام,في اوائل الثمانينيات, فوجئنا بعنصر امني بملابس مدنية يحتل غرفة المبرقات في الجريدة,وكان حجمه وتجهمه ونظراته الحادة المتشككة تشير الى انه يعمل في جهاز امني رفيع اتفق حدسنا الهامس يومها على انه جهاز المخابرات العراقي بالغ السطوة والنفوذ,وبعد ايام عرفنا-همسا كذلك- الى ان هذا العنصر كان مكلفا بمراقبة تقارير وكالات الانباء الاجنبية واقتطاع أي خبر يرد فيها عن ارتفاع مناسيب دجلة واحتمال تعرض بعض اجزاء العاصمة للفيضان,ومنعها من الوصول حتى الى اعين واذهان العاملين في الصحيفة,وفعلا..فلم يكن هناك من يتحدث-ولو همسا-بالامر..فمع ان نشرات الاخبار الاجنبية كانت تتناول الحدث يوميا,ورغم المنظر اللافت الذي لا يمكن التعتيم عليه لمساطب العشاق في ابو نؤاس وهي مغمورة في الماء,الا ان ما لم يكن مكتوبا في الجريدة الرسمية لا يمكن ان يكون موجودا, وأن مجرد الحديث عنه يضع المرء فورا تحت طائلة التخابر مع الانظمة المعادية..او في خانة الطابور الخامس على اقل تقدير,فيومها كان من التجاوز, ام لم يكن من التجديف, ان يلوك الشعب ان القدر غير محسوب بدقة ضمن الاستشراف المستقبلي للقيادة التاريخية , وان الله قد لا يكون معنيا بتسليك الخطط الخمسية لدولة القائد الرمز.
المهم..ان هذا التكتم والتحرز المطبق لم نتلمس ما يواكبه حينها من استعدادات الا اكوام مهملة من التراب وضعت على الرصيف المحاذي للنهر واكياس –اكثر اناقة-من الرمل تشاهد من بعيد على الضفة الاخرى المحاذية للمجمع الرئاسي,ولم نلحظ وقتها أي استعدادات او ممارسات تعبوية غير عادية حتى على مستوى الدوائر المعنية بتنظيم الري في العراق او اجهزة الدفاع المدني, والاهم الآن..والاكثر ايلاما.. ان هذا التاريخ المزري من التراخي والفوضى وغياب الاستعداد وإهمال التخطيط ما زال هو المهيمن على تفكير وعقلية القائمين على الامر في بلادنا المنكوبة..
فان كنا قد نجد للنظام السابق عذرا في تهاونه من خلال اسس وصميم مبررات وجوده فاننا قد نلاقي صعوبة كبيرة في هضم كل هذا التبسط مع موضوع الكوارث في بلد يستنبت فيه الموت ويزرع على ارصفته وازقته باسراف,خصوصا مع خبرتنا مع الاجهزة الحكومية التي لا تجيد التعاطي حتى مع الحوادث البسيطة وتختفي وتغيب وتغرق مع اول زخة مطر ولا نشعر بها ولا نرى لها وجودا الا بعض التواجد المهمل الآمن من المسائلة.وهذا ما يثير الكثير من التساؤلات-بل المخاوف- عن مدى استعداد وجاهزية اجهزتنا المختصة في التعامل مع احداث بمستوى الكوارث التي نراها تتكرر في العديد من بلدان العالم,والتي قد نكون في موعد مع احداها دون ان نكون في وضع يؤهلنا للتعامل مع الحدث بما يضمن ان يكون خفيف الوطء على ايامنا المثقوبة.
ان الكوارث ليست بعيدة عنا,وان كنا نتظلل بما حباه الله علينا من موقع بعيد عن غضب الطبيعة فان التغيرات المناخية والديموغرافية قد تفاجئنا بما نؤخذ به بغتة وبلا مواعيد, كما ان الخوف لدينا اكبر من الحوادث التي يسببها الاهمال وسوء التخطيط والافتقار الى الخطط والتدريب الحقيقي والتوعية الاعلامية ووسائل التعبئة الشعبية في إعداد خطط المواجهة.
ارقام كبيرة ومخيفة تردنا عن الاعصار ساندي ومناظر لم نألفها عن القوة الاعظم وهي تخوض في الاوحال لانقاذ سكان عاصمتها الاقتصادية,وقبلها كنا نراقب مشفقين لهياج الطبيعة الاقسى على اليابان ومدنها الساحلية,ولكن نفس هذه الصور كانت تحمل لنا مشاهد للمنظومة الامنية عالية الجهوزية والتنظيم والتفاني والايمان والانتماء والوعي الكامل باهمية الدور الذي يقدموه لمجتمعهم وبلادهم وللعالم وكذلك الانضباط والوعي الشعبي المتفاعل والمآزر والداعم لهذه الجهود مما يساعد على حصر الخسائر في الارواح في مستوى متدن نسبيا مقارنة بالحشود الغفيرة التي تقدمها الدول المتخلفة قربانا لمذبح العجز والتهاون والاهمال.
ان الدول التي تكترث لحياة وسلامة وامن مواطنيها..تستحدث دائما اجهزة دائمة وعلى مستوى عال من التجهيز والجاهزية والقدرة والتمكن من التحرك السريع والتعامل مع أية مستجدات او ظروف طارئة أو غير طبيعية, لإنقاذ الضحايا وتقليل الخسائر قدر الإمكان. وهذه الاجهزة يجب ان تكون في حالة تأهب مستمر ومتحصلة على الخبرة المتأتية من المناورات والمظاهرات والتدريب المستمر والحقيقي لما لذلك من اثر في تقييم مواطن الضعف والقدرات وتطوير خرائط الأخطار في كل مجتمع مستهدف لتشخيص مفاصل الوهن والضعف في المنظومة الوقائية للبلاد,وهذا من الامور التي يجب ان تكون خارج ثقافة المناكدة والشقاق التي تسم اغلب ممارسات ادائنا السياسي والامني والاداري,فالكوارث لن تنتظر لتسألنا عن انتماءاتنا و"اطيافنا"وهي تحصد رقابنا بالجملة.

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 836

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#500938 [Zingar]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2012 06:23 PM
الأخ جمال

أنا وباقى الخلق كنا على علم تام بالأعصار ساندى قبل عشره يوم تقريبا من وصوله منطقتنا بولاية فرجينيا منذ أن كان جنينا كاملا فى رحم الأطلسى والأعلام لا يكف لحظه من الأرشادات ماذا نفعل قبل واثناء وبعد الأعصار من تجهيز مأكولات ومشروبات وشمع أو بطاريات فى حالة أى أنقطاع للتيار الكهربائى وعمل أشرطه لاصقه على قزاز البلكونات والشبابيك والتخلص من أى أشياء فى البلكونه ربما تتطاير بفعل الأعصار ورغم ذلك عدد الضحايا كان حوالى 34 فردا مقارنة بعدد سكان امريكا البالغ 380 مليون نسمه....ولو لا الأعلام المحترم أخ جمال لكانت كارثه بشريه بحق كما قلت لصديق بأن الكوارث الطبيعيه هنا لا تتحملها إلا هذه البلد ولو كانت بحجمها هذا فى أى مكان آخر من المعموره لمسحتها من الوجود لعدم وجود أجهزه الرصد الدقيقه والتنبيه الأعلامى للمواطنين مش ياخدوا حذرهم فقط بل ماذا يفعلوا ليسلموا...والكوده عايز يعيد بناء مصنع الير.. موك علنا ليزيد الدمار لهذا البلد التعيس بأهله.


#500827 [الزُول الكَانْ سَمِحْ]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2012 02:32 PM
يا أخ جمال

الرد على سؤالك..لو حدث ذلك فسيكون قيام الساعة قد أزف


جمال الهنداوي
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة