طرد شبح الحرب هدف مقدس!ا
10-20-2010 12:46 PM

طرد شبح الحرب هدف مقدس!!


رشا عوض

إن الهدف المقدس لكل عقلاء السودان في هذه المرحلة المعقدة من تاريخه يجب أن يكون طرد شبح الحرب بين الشمال والجنوب بشكل حاسم ونهائي، ولا يتحقق ذلك الهدف بمجرد التمنيات أو التصريحات الدبلوماسية للقيادات السياسية بل يتطلب الوفاء باستحقاقات عاجلة، فكما أن لوحدة السودان استحقاقات فشل الشمال في الوفاء بها وكانت النتيجة أن أصبح انفصال الجنوب شبه مؤكد في حالة قيام استفتاء حر ونزيه؛ فإن للانفصال الآمن والسلمي أيضا استحقاقات لو فشل الشمال والجنوب في الوفاء بها ستكون النتيجة عودة الحرب بكل قبحها وويلاتها، ولذلك بدلا من أن ينخرط سياسيو ومثقفو الشمال في مجهودات لا طائل من ورائها في دعم الوحدة عليهم أن يكونوا واقعيين ويدركوا أن تحقيق وحدة السودان في الأشهر الأربعة المتبقية على موعد الاستفتاء مهمة شبه مستحيلة؛ وهذا ما جعل أحزاب( مؤتمر جوبا) تقاطع الاجتماع الذي دعا له المؤتمر الوطني الأسبوع الماضي وكان يهدف من ورائه إلى كسب دعم الأحزاب الشمالية الكبيرة في حملته عديمة الجدوى من أجل (الوحدة على نفس الأسس القديمة التي أنتجت الحروب، الوحدة دون إصلاحات سياسية هيكلية، ودون تحقيق المصالحة الوطنية عبر الاعتراف بأخطاء الماضي ورد الاعتبار للمتضررين من هذه الأخطاء.

باختصار استمرار الأوضاع كما هي)، فقاطعت الأحزاب ذلك الاجتماع ليس زهدا في الوحدة ولكن إدراكا لأن الحزب الحاكم يريد من القوى السياسية الانخراط في عملية عبثية وحوار طرشان حول الوحدة المجانية التي ما عادت ممكنة. وما دامت الوحدة المجانية غير ممكنة، وما دام الوقت المتبقي على عملية الاستفتاء غير كاف لإحداث اختراق نوعي يقود إلى توحيد البلاد وما دام الحزب الحاكم مصرا على المضي قدما في ابتلاع الدولة السودانية وتهميش الآخر حتى إذا كان يشاركه في الانتماء العربي الإسلامي، فيجب أن تتوجه الجهود كلية إلى إنقاذ الحد الأدنى في العلاقة بين الشمال والجنوب وهو (حسن الجوار) لعل ذلك يكون بذرة لتحقيق وحدة في المستقبل على أسس جديدة. وكم هو محزن أن تتواضع طموحاتنا إلى مجرد البحث عن حسن الجوار بين دولتي الشمال والجنوب بدلا من أن نتطلع لبناء الدولة السودانية الموحدة في إطار مشروع وطني ديمقراطي تعددي ، ولكن هذا ما تفرضه حقائق الواقع التي لا تقبل المغالطة ، فالفشل في بناء مشروع وطني ديمقراطي تعددي هو المقدمة التي ستقود للانفصال والنتائج لا يمكن أن تنفصل عن المقدمات، فتوحيد دولة بحجم السودان وبتنوعه الإثني والديني والثقافي، وبالتعقيدات التاريخية في العلاقة بين مكوناته المختلفة، وبالصراعات الدامية التي شهدها تاريخه المعاصر ليس بالأمر السهل الذي يتحقق ب(فورة خطابية وإعلامية) و(نفرات سياسية) فطيرة في الساعة الخامسة والعشرين، فإقناع شعب جنوب السودان بالتصويت للوحدة طوعا واختيارا كان يتطلب عملا ممنهجا ودؤوبا منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاقية السلام، وأول خطوة في هذا العمل كان يجب أن تكون (ابتدار عملية للحقيقة والمصالحة) كما نصت على ذلك اتفاقية السلام الشامل، فلا يمكن أن تتعافى العلاقة بين الشمال والجنوب دون اعتراف جرئ وشجاع من الشمال ممثلا في قياداته السياسية ونخبته الفكرية والثقافية بما مارسه على الجنوب من استعلاء عنصري وتهميش سياسي واقتصادي، واستخفاف قاد لسلسلة نقض العهود والمواثيق ابتداء من النكوص عن مطلب الفدرالية بعد الاستقلال مرورا بنقض اتفاقية أديس أبابا وصولا لما يحدث الآن من محاولات لتعويق ممارسة حق تقرير المصير، ولا بد كذلك من الاعتراف بما ارتكب من قتل وتشريد للمدنيين أثناء فترة الحرب، هذا الاعتراف لوجاء مصحوبا باعتذار وتم التعبير عنه في وسائل الإعلام (باللغات التي يفهمها شعب جنوب السودان وفي الإذاعات التي يستمع إليها مواطنو جنوب السودان) وفي محافل جماهيرية مشهودة ومحضورة من شعب الجنوب وقياداته السياسية والقبلية، لوتم مثل هذا الاعتراف والاعتذار بوعي وإخلاص وشجاعة وإرادة سياسية عازمة على تجاوز الماضي ليس بنكرانه والتهرب من مناقشته بل بالاعتراف والتصحيح لاستطعنا إزالة الكثير من المرارات والحواجز النفسية بين الشعبين، ومثل هذه العملية ما زالت مطلوبة حتى مع تضاؤل فرص الوحدة، فهي من مطلوبات (الانفصال السلمي وحسن الجوار)، فما دام الشمال فشل في ابتدار المصالحة الوطنية في سياق حزمة من الإصلاحات الهيكلية السياسية والاقتصادية من أجل وحدة البلاد على أسس جديدة فليفعل ذلك(الآن وقبل فوات الأوان) من أجل علاقة إيجابية وبناءة بين دولتي الشمال والجنوب، فالجوار رابط أبدي وجوار الشمال والجنوب ليس جوارا جغرافيا يسهل فصله بحسابات دوائر العرض ، بل هو تداخل وتمازج قبلي وروابط اجتماعية وثقافية واقتصادية ومصالح تتطلب رعايتها إبراء النفوس من الجراح والعداء وإحلال روح التعاون والإخاء.

ولكن بكل أسف فإن المقدمات التي نراها الآن في الساحة السياسية من قبل المؤتمر الوطني ممثلة في الخطاب الإعلامي والممارسات السياسية وطريقة التعامل مع الجنوب أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للقلق والخوف على مستقبل السلام وعلى تحقيق هدف(حسن الجوار) إن لم نقل إنها تنذر بالحرب، ففي الخطاب الإعلامي الداعي للوحدة ليس هناك أي حديث عن المصالحة الوطنية على أساس الاعتراف بظلامات الماضي والاعتذار عنها، وليس هناك أي حديث عن إصلاح سياسي في اتجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان يضمن عدم تكرار مآسي الماضي، أو إصلاح قانوني في اتجاه مراعاة التعددية الدينية والثقافية، وفي الممارسة السياسية اليومية للحزب الحاكم وفي الخطاب المباشر لقياداته هناك تمسك بالمنهج القديم في التعامل مع مشاكل البلاد دون تعديلات، فعندما طلبت أحزاب (مؤتمر جوبا) من الحزب الحاكم مناقشة أزمة دارفور والتحول الديمقراطي والأزمة المعيشية إلى جانب قضايا الوحدة والاستفتاء في الاجتماع الذي دعا له مؤخرا رفض الحزب الحاكم ذلك مطالبا بحصر النقاش فقط في موضوع الاستفتاء وضرورة تحقيق الوحدة كأنما الوحدة معزولة عن الإصلاح الشامل في البلاد،ومن المقدمات التي تنذر بالانفصال العدائي والجوار العدائي ما نسمعه من تضخيم لعملية ترسيم الحدود ورهن إجراء الاستفتاء باكتمالها، وكذلك مؤشرات النكوص عن قرار التحكيم الدولي بشأن أبيي، والاتهامات الموجهة للحزب الحاكم بدعم الملشيات المسلحة في الجنوب. وإذا تتبعنا الخطاب الذي يطلقه مناصرو الحزب الحاكم حول الوحدة نجده خطابا هتافيا خاليا من البرامج العملية، ولكن الأخطر من ذلك أن بعضا من مناصري الحزب الحاكم من الكتاب يطرحون خطابا استفزازيا ولا يخلو من العدائية رغم ادعائهم الحرص على الوحدة، وخلاصة هذا الخطاب أن الانفصال لو تم فإن الشمال بعد ساعة واحدة من هذا الانفصال لن يقبل بوجود جنوبي واحد على أرضه!! وعلى الحركة الشعبية أن تستعد لاستقبال ثلاثة ملايين جنوبي!! وهذا ليس مجرد رأي لكاتب بل يبدو أن الحزب الحاكم يريد استخدام موضوع (وجود الجنوبيين في الشمال) كورقة للضغط والمساومة في فرض (وليس ترجيح) خيار الوحدة والدليل على ذلك أن عدد الجنوبيين في الشمال وفق التعداد السكاني الأخير بلغ خمسمائة ألف فقط، والآن قفز العدد فجأة إلى ثلاثة ملايين دون أن يعترف الحزب الحاكم بأنه زور التعداد السكاني وقلل أعداد الجنوبيين لهدف سياسي هو تقليل نصيبهم في السلطة والثروة، والآن عاد إلى العدد الحقيقي أو ربما زاد عليه مع اقتراب موعد الاستفتاء لهدف سياسي آخر هو الابتزاز والتهديد بطرد الجنوبيين من الشمال في حالة الانفصال، وهذا يجسد بوضوح المنهج المأزوم الذي يدير به المؤتمر الوطني شأن البلاد عموما وعلى وجه الخصوص قضية الوحدة، فعملية طرد ملايين البشر بصورة فجائية وخشنة لا يعني سوى العنف والعنف المضاد وهذه وصفة حريق كبير ومدمر!!
ولذلك حتى إذا تعنت المؤتمر الوطني في موضوع الجنسية المزدوجة والحريات الأربعة بين الشمال والجنوب فأضعف الإيمان أن تكون إعادة الجنوبيين إلى الجنوب بصورة مبرمجة وممرحلة وعالية الحساسية للسلام الاجتماعي وبعيدة كل البعد عن التحرش العنصري، فإن كان هناك هدف وطني مقدس يجب أن تحتشد له الإرادة السياسية في الشمال والجنوب معا فإن هذا الهدف هو(استدامة السلام بين الشمال والجنوب وطرد شبح الحرب نهائيا) فالحرب هي الخيار الأعلى كلفة لجميع الأطراف، وهي خسارة محققة لكل الشعب السوداني.

تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1206

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#37323 [عادل ]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2010 12:45 PM
يللا يا رشا هنا بيتحدد موقف الذين ينادون بحماية الجنوبيين وانا منهم .... لو تعرض أي جنوبي لأي عنف من قبل الدوله متمثله في اجهزتها التنفيذية أو أي من مهووسيها ومنسوبيها يجب أن يتصدى لهم أهل الشمال قبل المنظمات الاجنبيه وقبل حكومة الجنوب وفي ذلك حسنتين الاولي مفتاح لإعادة الوحده ولو بعد حين والثانية هي شرارة لإنهاء الاستعمار الاسلاسلطوي العنيف الظالم الذي دمر وفتت البلاد وفتن العباد .


#37282 [ام محمد]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2010 11:24 AM
ياعزيزتى لا تجعلى كرهك للمؤتمرنجية يشوش على تفكيرك ويعميك من رؤية الحقائق ......فالحرب لم تظلم الجنوبيين فقط حتى يستوجب على الشمال الاعتذار عنها ...بل تأذى منها الطرفان وحصدت خيرة ابناء السودان من الشماليين والجنوبيين معا....واتفاقية نيفاشا ربما اتت لانقاذ ابناء الوطن من حرب داحس والغبراء هذه حتى وان افضت الى الانفصال فليس هناك ماهو اسوأ من الحرب الا الحرب....وان كان الانفصال هو ثمن وقف مطحنة الحرب فنعم للانفصال لا للحرب......ومن يدرى ربما يقر التاريخ فى المستقبل ان الحسنة الوحيدة التى فعلتها هذه الحكومة فى حق هذا الشعب هى هذه الاتفاقية والتاريخ لا يجامل...وقد اثبت التاريخ ان كثير من الاحداث التى استنكرها الناس فى وقتهاثبت انها كانت عين العقل فيما بعد ...مثل اتفاقية السلام مع اسرائيل التى قام بها السادات


#37263 [Dr. tigani, ksa]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2010 10:55 AM
لماذا لا يحمل اليسار أي مسؤلية للحركة الشعبية؟ لماذا يسوقون أنها هي وحدها المسؤولة من شعب الجنوب وينبغي لها أن تكمم أي صوت جنوبي مخالف ولا يخشون أن مثل هذا العمى يمكن أن يسوق المؤتمر الحاكم متحدثا وحيدا باسم الشمال؟ لماذا نقول أن المؤتمر رقض تحكبم المحكمة ولا تقول أن الحركة رقضت؟ ماذا يعني ألا نتحدث عن ماتربد أن تفعله الحركة بالسودان من خلال الاستقواء بالاجنبي بحجة أننا نكره المؤتمر؟ لماذا نقول أن ألمسؤولين سيمنعون أبناءهم من دخول الحرب وليس هنالك شاهدا في الماضي بل العكس؟ ألا يكشف نواياتا للقراء حينما نتعمد الكذب والتغبيش؟ لماذامثلا لا نفرق بين عدد الناحبيين المسجليين للانتخابات من الجنوبيين شمالا والعدد الحقيقي على الأرض؟ هل فات علينا أن النازح الجنوبي نزح بأطفاله للشمال وأن هتلك أناس لا يسجلون ولا بمكن؟ أن واحدة من أهم أزمات هذا البلد المعارضة العمباء. وخصوصا اصحاب الأصوات المرتفعة دون ناخبين. لماذا تتخدثوت قبل الصادق والميرغنى وهم أصحاب كتل انتخابية تم انتزاع الجكم منها.
شخصبا مع فصل الجنوب مثل ما أنا مع الوحدة الطوعية لكن إذا كان سيقاتل شعب السودان بعد الانفصال فعليه أن يقاتل قبله ونحن معه.إن السلام وحده هو الذي يوفر آلايات شق العصبة الحاكمة أما الحرب فسيقويها وتعزلكم يا هؤلاء أراكم تتحدثون عن السلام وتراهنون على حرب تظنون أنها ستقلع خصومكم. هذا منطق عليّ وعلى أعدائي.


ردود على Dr. tigani, ksa
Saudi Arabia [شمالي] 10-21-2010 11:42 PM
يا Dr. tigani
بدون ما تتعب نفسك حد الاجهاد للبحث عن أعذار لحكومة المؤتمر الوطني
هل تعرف من هو الناطق باسم الخارجية السودانية؟
معاوية عثمان خالد
هل تتوقع أنه قدم لهذا المنصب عبر جدارته الأكاديمية !!
هل تعلم عدد أوائل السودان المهاجرين قسراً عن إرادتهم خارج السودان لضيق فرص العمل في السودان، وحصرها على أهل التمكين؟
هل تعرف من هو والد معاوية عثمان خالد ؟

الناس ديل بدأوا عملياً في توريث السلطة لأبنائهم
وكأننا قطعان من الخراف

هل تريدني بعد كل هذا أن أحارب وأقدم نفسي فداء لبقاء هؤلاء السلطة


#37156 [شمالي]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2010 05:03 AM
الكاتبة رشا عوض
كما جرت العادة، مقالك هو الترياق لداء أحسنت تشخيصه
الغريب في الأمر أن جميع أبواق الانقاذ التي تنعق في إعلامه اليومي وتتوعد شعبي شمال وجنوب السودان بالويل والحرب والثبور
هي أول من سيطلب ويترجى المسئولين لإعفاء أبنائه من الذهاب للحرب
هل يعتقدون اننا لا نستحق حتى مجرد الحياة الذليلة التي نعيشيها اليوم بسبب سياساتهم الخاطئة وتمكينهم التكويشي على كل المقدرات المالية لشعبنا
يعني حتى مجرد الحياة، هي كتيييييييرة علينا


#37057 [kavim]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2010 08:41 PM
كلامات حقيقة تستحق ان تكتب بما الذهب اشكرك استاذا رشا لفهمك الحصيف لما يجرى فى البلد


#36990 [الطيب الامين]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2010 05:42 PM
السلام عليكم ورحمة اللة وبعد
المؤتمر الوطني يحب نفسه ويدعي الفهم وينظر للاخرين بدونية .ولايسمح لاحد يدلي برايه ومتسيطر علي الاعلام وغيره. فماذا نعمل؟نحن لسنا دعاة عصبية . ولا نحتقر احد .عليه لايمكن حل مشاكلنا الا اذا تواضعنا ورجعنا الي قيم الاسلام وتطبيقها في اعمالنا .


#36893 [د. ياسر الشريف]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2010 01:48 PM
يا سلام عليك يا أستاذة رشا... مقال ممتاز.



رشا عوض
رشا عوض

مساحة اعلانية
تقييم
6.84/10 (52 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة