المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
دولة قانون أم شريعة؟ (2).. فصل ال(شريعة) عن القانون ..
دولة قانون أم شريعة؟ (2).. فصل ال(شريعة) عن القانون ..
11-15-2012 11:10 AM

دولة قانون أم شريعة؟ (2).. فصل ال(شريعة) عن القانون ..

سيف الحق حسن
saifalhag.hassan@gmail.com

مكمن الخطورة في إستغلال ال(شريعة) وتطويعها لتكون المصدر الأوحد والرئيس للقانون لأن الناس لا تفرق بين القانون والشريعة وغير واعية بحقوقها في المواطنة أصلا. ولاحظ وضعي لها بين قوسين دون الألف واللام لإختلاف مفهومها. فدعاتها الراديكاليون يريدون تطبيقها بالرغم من إختلاف الزمان والمكان وتغير الناس. فهذا يحطم مفهوم القانون. فالقانون أشمل كمرجعية للإحتكام به لأنه قابل للتطور والتغيير والتعديل وأسهل في مرجعية الناس الذين خلقهم الله تعالى مختلفين في بلد واحد بالرغم عن إختلافاتهم دينيا، وعرقيا، وثقافيا، ليقيم العدالة ويحقق المساواة بينهم.

وأرجو أن تكون قد وضحت رؤيتي في مقالي السابق بأن القانون وال (شريعة) مفهومان منفصلان. فما تعرفه من أن الشريعة كمفهوم أوسع كثيرًا من صبّها فى مجموعة قوانين أو حدود ففيها الكثير من أمور العقائد والعبادات. و حتى لو كانت الشريعة كلها تنتمى إلى (المعاملات) و(الحدود)، يبقى مفهومها مختلفًا تمامًا عن فكرة (القانون) ناهيك بـ(تطبيق القانون). فيمكن لأى من كان أن يطبق ما يريد ثم يطلق عليه اسم (الشريعة)، ولكن علينا أن نعي ان كلمة (تطبيق) ترتبط فى الأصل بالقانون (تطبيق القانون). ف (تطبيق الشريعة) هو عبارة تطلق لتضليل العقول وتزييف الوعي، وهو محض شعار سياسى خاطئ لا يميّز بين مفهوم القانون (أى قانون) ومفهوم الشريعة (أى شريعة)، والتمييز بينهما يوضح لماذا أنتجت عبارة (تطبيق الشريعة) تلك النماذج المرعبة الفاشلة من النظم التى تسمى نفسها إسلامية.

و أود أعطيك بعض الأمثلة لتبيين بعض الفرق:

- إذا إفترضنا أن شخصًا تقدم للزواج من سيدة، فعرض عليها الأمر وقبلت، واحتفلا مع الأهل والأصدقاء، لكنهما لم يسجلا الزواج فى الأوراق الرسمية للدولة، فإن (القانون) لن يستطيع أن يعترف بالزواج، على الرغم من كونه زواجًا شرعيًّا صحيحًا تمامًا (عرض فقبول فإشهار).

ولنأخذ الآن بمثال عكسى:

- لو أن زوجا طلق زوجته ثلاث مرات، فليس لها أن ترجع إليه إلا بعد الزواج من محلل شرعى، ثم يطلقها المحلل أو يتوفاه الله فتستطيع العودة إلى زوجها الأول، لكن لاحظ: تشترط (الشريعة) هنا أن يكون الزواج من (المحلل) صادقا على نية الاستمرار والدوام. ضع مائة خط تحت (نية). أما إذا تم الاتفاق مع المحلل على الطلاق بعد أيام أو ساعات، فإن الشريعة تعتبر زواجها منه (واقعة زنى). فهذا رأي الشريعة: واضح؟.
أما القانون هنا لا يفتش في ما هي النية –فالله وحده أعلم بالنوايا. فإذا إتفقت الزوجة بالفعل مع المحلل على أن يطلقها بعد فترة وجيزة وتمّ لها ذلك، لن يستطيع (القانون) أن يفعل فى هذه الحالة شىء إطلاقا! وذلك ببساطة لأن القانون (حتى لو سُمي إسلاميا) يتعامل مع الأوراق والأدلة والثوابت الشرعية. فيكفى أن تقدم الزوجة شهادة الطلاق من المحلل، وتنتظر فترة العدة حتى تستطيع العودة إلى زوجها الأول، دون أن يستطيع القانون منعها أو محاسبتها.

فهذا فارق مهم بين القانون (الذى يتعامل مع الواقع الرسمي والثوابت) وبين الشريعة التى تتعامل مع (الضمير).

إذا الشريعة إعتمادها الكلي على الضمير الحي للأشخاص أو بالتحديد ضمائر المتهمين وفي الغالب لا تعاقب إلا بوقوع الجرم. بمعنى ان في بعض الأحيان تكون شروط إثبات الجرم شبه مستحيلة. وبالتالي يتعطل العقاب إلا إذا إعترف المجرم على نفسه، يريد تطهيرها. وهكذا نرجع للنقطة الأولى بأن الشريعة تعتمد على المسؤولية الفردية والضمائر الحية. بينما القانون يتعامل بالأدلة المقدمة ويردع وبه فقرات كالشروع في الجرم.

وهناك جانب آخر هو ان العقوبات أساسا ليست الحدود فقط بل هى التعزير كذلك. والتعزير هو العقوبة التى فوَّضت الشريعةُ إلى الحاكم (بالتأكيد حاكم شرعي منتخب ديمقراطيا) وضْعَها لمعاقبة جرائم لم تَرِد فى الحدود أو حتى وردت فى الحدود ونتيجة للعجز عن توفير شروط تطبيق الحد عليها يمكن للحاكم أن يضع لها عقوبة من عنده. ولهذا مثلا: تجارة العبيد والنخاسة وشراء الجوارى وما ملكت اليمين لم تحرمها الشريعة ولكن القانون الوضعى هو الذى أوقف تجارة العبيد.
فإذا القانون الوضعى جاء مع تطور البشر وبحسب الفطرة الإنسانية وهو بالتأكيد متلائم مع الشريعة المتطورة والمتقدمة التي إرتضاها لنا الله عز وجل. فلا يمكن أن يأتي دعاة ال(شريعة) الرجعيون لإرجاعنا للخلف دور والبشرية تسير للأمام.

لقد استخدمتُ الأمثلة السابقة من زواج وطلاق وحدود، حتى أوضح لك أنه حتى فى الأمور التى تحددها الشريعة أو تختص بها، يظل الفارق كبيرًا جدًّا بين الشريعة والقانون حتى يستحيل المطابقة بين (وظيفة) كل منهما، فكما أن المحاكم لا تستطيع أن تترك القانون والأدلة لتعتمد على ضمير المتقاضين، فإن الشريعة إذا احتلت وظيفة القانون أو استُخدمت بطريقته تحت شعار (تطبيق الشريعة)، فإنها تؤدى إلى دولة تفتش الضمائر وتحاكم الناس على نياتهم وعلى الفور تتحول إلى دولة (الإكراه فى الدين)، دولة الرعب والنفاق والفشل أو دولة تعمل فيها كل حركة تنادي ب(تطبيق ال(الشريعة)) العاوزه تسويهو، أو كما قال أحد السفهاء شططا.





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1054

خدمات المحتوى


التعليقات
#513766 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

11-17-2012 09:08 AM
بكل اختصار : أعتقد أن مشكلتنا الاساسية في السودان هي قلة الوعي الديني و السياسي و الاجتماعي اذ من دون وعي كاف لن ينجح اي فكر أو منهج سياسي و لن يتم تطبيق أي نموذج بناء في ادارة شئون البلاد و العباد .
إن قلة الوعي هي التي سمحت لمنافقي الانقاذ ان يضحكوا على الشعب السوداني بكافة اطيافه و أن يتاجروا بالدين و يفعلوا الافاعيل.


#513249 [الواسوق]
0.00/5 (0 صوت)

11-16-2012 02:21 PM
الأخ سيف الحق... لك التحية
استمعت إلى بعض الآراء من المختصين بعلوم الشريعة والقانون وقد خلصت إلى أن الشريعة نص وفقه والفقه يعتمد على الفهم ويجتهد فيه العلماء بجهدهم في أفكار تصوغ قوانين باختيار الشعب فيكون في هذا تكريم للفقيه بالتأويل والعامة بالاختيار ويكون القانون هو الترجمة لهذة الممارسة - التي هي في النهاية ... - ديموقراطية. عود على ذي بدئ فإنه يستحيل على أي كان تطبيق النص القرآني والنبوي تطبيقاً كاملاً بل أن عظمة النص تكمن في تعدد التفاسير بداعي دهرية الرسالة وتباين الظرف والمكان والبشر وعليه فكل من يدعي معرفة مراد الله ورسوله على وجة التمام فهو واهم وعليه فإن شرعة كل زمان توجد في قانونه الوضعيي الذي بدور يجب ان يراعي التعدية وتيسير التطبيق. انا مع تحجيم مرجعية الشريعة في الدستور لتكون في إطار المعاملات الاسلامية وفي حدود القانون المقترع عليه لتتحرر من الأهواء وفي المقابل يحق لمسيحي السودان والأقليات الأخرى الاحتكام لشرائعهم. بدون أي تخصيص مثير للحساسيات. المشكلة تكمن في نزعة المتأسلمين المهووسة في السيطرة واحتكار الرأي فهم يصرون في كل مرة على أن الشريعة النصية مقولبة وجاهزة للتطبيق وهم يعلمون أنهم أكبر المستفيدين من هذا الادعاء لامتلاك سلطة التأويل فيحورنة في كل مرة حسب أهوائهم. أكثر ما يثير حزني هو تردي المكون الإنساني السوداني وهوان البلد. أتسائل: من من الحكومات المتعاقبة على السودان جائت ببرنامج لخدمة السودان وانسانه؟ لا احد. الكل جاء لتنفيذ برنامج سياسي. الفشل الأخير في 89 جاء بوصل حكم أيديولوجي للحكم ولأول مرة فكان ما نرى اليوم من مرارات. ليس فيهم رجل رشيد ولكن التكلان على الله نسأله الفرج والتيسير.


#512553 [muslim.ana]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2012 02:25 PM
دعنا لا نستخدم كلمة شريعة التي تثير الحساسية هذه!

الاسلام (القرآن والسنة) خاطبت الضمير ولكنه لم يكن خطاباً فلسفياً أو سفسطة فقط. ولكنها أوجدت حلول من خلال منظومة (مقاصد، موجهات، أحكام، قيم وفضائل، الخ).

وما ذكر أعلاه توجد به مناطق تقاطع مع القانون، فيصبح هو مصدر التشريع في القانون سواء أن بموجهات عامة أو تحقيق مقاصد أو حكم محدد بالتفصيل، وهي لا تمثل إلا جزء يسير من القانون لأن غالبية ال(شريعة) هي ما أطلق عليه منطقة العفو والتي لم يرد فيها أي شئ وتركت كاملة للانسان.

وعليه بعد سن القوانين، وإستخدام المرجعية أعلاه فسيصبح بعدها التطبيق (للقانون) وليس للشريعة!
ولن يأتي أحد ليقل لك وفقاً لمثال الزواج الذي ضربته بأن المطلوب منك شاهدين بتاعين الشريعة وشاهدين بتاعين القانون لأننا دولة شريعة وقانون. بمعنى أنه لن يوجد عندها شئ إسمه تطبيق الشريعة لأن تطبيق القانون نفسه هو عبارة عن تطبيق ما أرادت تحقيقه هذه الشريعة.

ودعك من جمل "دعاة الشريعة الرجعيون" وغيرها، والتي يقابلها عند الطرف الآخر "دعاة العلمانية الفاجرون أو المنحلون أو ...الخ"، لأنها جميعاً لن تزيد أحداً شيئاً أو تنقصه، ولكنها ستخدم فقط مصالح هؤلاء المتاجرين بالدين حيث سننشغل نحن بتبادل مثل هذه العبارات بينما يستمروا هم في تخدير الناس بإسم الدين. بالرغم من أن الهدف الذي يمكن أن يجمعنا الآن والذي نتفق عليه هو: "أيقاف من يتاجر ويكذب بإسم الدين ليحقق مصالحه الشخصية أو الحزبية"!

وأما إن أردت مواصلة نهجك وأستخدام مثل هذه الجمل فلا أعتقد أن الامر سيكون صعباً حينها بأيجاد جمل مقابلة لها!


سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة