وتد العم زكريا
11-17-2012 11:19 PM

تداعيات

وتد العم زكريا

يحيي فضل الله
[email protected]

طرقات عنيفة و منفعلة علي الباب ، كان الباب من الزنك ، اكثر من اربعة طرقات متتالية ، كان ذلك فيما بعد الخامسة صباحا وجدتني أصحو متململا وقد أيقظتني الطرقات وحين سمعت خطوات والدي تتجه نحو الباب حاولت العودة إلي النوم ولكن ها هي خطوات والدي تتجه نحوي فمسني هاجس ان زيارة خاطفة لملاك الموت حدثت في الليلة الماضية .
(( قوم شوف زكريا ده عايزك )) ، لكزني والدي في ذراعي
(( زكريا ؟ ،زكريا منو ؟ ))
(( عمك زكريا ، زكريا الحداد ))
(( معقول عايزني هسه ؟ ، مالو ؟ ))
(( أهو واقف بي عجلتو قدام الباب منتظرك ))
وكان ان واجهت صباحا صاخبا حين وصلت العم (زكريا) لأنه ما ان رأني حتي صرخ في وجهي :- (( قلت لي بتلف ؟ ، أمبارح بالليل دقيت وتد في نص البيت صحيت الصباح لقيتو ما تحرك ملي ، أها برضو قولي لي بتلف ، انا بعد الشغل بجيك ونمشوا البيت عشان تشوف الوتد بنفسك ، ٌقلت لي بتلف ؟ ، بتلف ؟ ))
ورفع رجله اليمني علي البدال وتحرك بدراجته مبتعدا عني ، دار بالدراجة في إتجاهي مرة أخري وحين إقترب مني ، أنزل رجله اليمني من البدال ونظر الي نظرة غريبة بعدها فرك إبهاميه علي سبابتيه معبرا عن لف السيجارة قائلا :- (( بتلف ؟ )) و إستدار بدراجته يسارا و مضي.
عادة ما يشرب العم (زكريا) قهوته الصباحية في مقهي و مطعم (اولاد الدقوني ) في السوق (البره ) ،بعدها يتوجه الي برندة الحدادين جنوب زريبة العيش حيث يبدأ في الترتيبات الاولي من أشعال النار وتجهيز العدة و جوزي الكير ، كان العم (احمد طويل) حين يريد ان يغيظ العم (زكريا) يناديه ب(نافخ الكير ) فينافحه العم (زكريا) مستعينا بأصداء قرأنية عن أهمية الحديد و بالتالي أهمية الحداد وأن القرأن الكريم أفرد للحديد سورة و كانت شلة
(الكوتشينه) تسلتذ بهذه المشاكسات قبل بداية اللعب و يكرهونها أثناء اللعب لانها قد تؤدي الي الفركشة و حردان اللعب و لازالت شلة (الكوتشينه) تذكر كيف ان العم (احمد طويل ) قد قال للعم (زكريا) اثناء اللعب و قد كان العم زكريا يتلكأ في رمي (البايظ)
(( ما ترمي بايظك يا نافخ الكير ))
فكان ان فركشت شلة (الكوتشينه) ولم تجتمع للعب لاكثر من اسبوعين و لكن سرعان ما عادت الشلة بعد ان تم تحذير العم (احمد طويل ) من التفوه بجملة (نافخ الكير) اثناء اللعب و لكن المودة وصفاء النية بين العم زكريا و العم (احمد طويل) تبيح للاخير ان ينادي صديقه ب(نافح الكير) و تبيح للعم (زكريا) ان ينادي العم ( احمد طويل ) ب ( بتاع الكرشة و المصارين ) لان العم (احمد طويل ) كان يعمل في زنك الكرشة ، لا ادري متي إنضم العم (زكريا) الي شلة (الكوتشينه) وانا لم اره في اوقات قديمة للشلة ، اعرف ذلك لان الشلة هم اصدقاء والدي – (ابو تايه) – كما يحلو للشلة أن تناديه ،ربما إنضم العم (زكريا) الي الشلة في منتصف السبعينات حيث اصبح مركز الشلة تحت ظلال اشجار النيم التي بالقرب منزل العم (حسن خير السيد ) في بداية حي (الملكية) غرب مكاتب وقاية النباتات قبلها كان مركز الشلة منذ بداية الستينات علي برندة مقهي و مطعم والدي في السوق الكبير مجاورا لفرن العم (إدريس) وهناك مراكز اخري مدسوسه هنا وهناك بين حي (السوق) وحي (الموظفين) وقد تصل الي فوق الجبل في براحات وادي (لوفو) الخضراء و الي رواكيب حي (الرديف) و (الملكية) حسب نوع الطقوس المختلفة بإختلاف المناسبات التي تلعب فيها (الكوتشينه) ، كنت اقلب في ذهني كل هذه العلائق عن العم (زكريا) و انا اشرب شاي الصباح لان مداهمته لي الصباحية هذي جعلتني انا إبن الثانوية العامة و كنت وقتها مقبل علي أخر مراحلها و كنا في إجازة الخريف ، جعلتني مداهمة عم (زكريا) الصباحية و الثقة التي تحدث بها عن الوتد افكر في عقله البسيط و اعجب بالمثابرة العملية التي جعلته يستعمل فكرة الوتد لإثبات ما يصر عليه و يجوس صوته الرنان في دواخلي :- ((أمبارح بالليل دقيت وتد في نص البيت صحيت الصباح لقيتو ما تحرك ملي ))

في المساء قبيل المغرب جاءني العم (زكريا) وهو عائدا من عمله في برندة الحدادين وأصر علي ذهابي معه الي بيته حتي أتاكد بنفسي من أمر ذلك الوتد ، حاولت التملص من هذا المشوار بحجة انني لا استطيع ان ارافقه وهو علي دراجته و اكون أنا ماشيا الي جانبه ولكنه العم (زكريا) كان قد أعد كل شئ فقد ترجل من دراجته و تكلها علي الصريف و سرعان ما عاد و هو يقود دراجة اخري من بيت جارنا (الحاج موسي )
(( دي عجله بس بعدين ترجعا لي جدو ))
قذف لي بالدراجة و أعتلي دراجته و تبعته ولكن العم (زكريا) لطعني لاكثر من عشرين دقيقة وكنت وقتها أمتلك ساعة (جوفيال) ، لطعني في كنتين (الملكية) وهو في غلاط مع (حمدون اب شبك ) عن (بت الديناري ) التي اطاحت ب(الشريف اب كرنك) في عشرة الكوتشينة السابقة واصول لعبة الكونكان و لا أملك إلا إنتظاري حتي أتخلص من مغبة مداهمة صباحية أخري ، عبرنا مقابر (البانجديد) والعم (زكريا) يتحدث مفتخرا بفكرة الوتد و مستلذا بفكرة و(جعلنا الجبال اوتادأ) ، فتعليم العم (زكريا) لم يتعد الخلوة و من بين حديثه المنفعل وصفني بأني ( ولد فنطوط ما عارف حاجه ) و عرج بي العم (زكريا) الي دكان في (البانجديد) ، إشتري جاز ابيض و طحنيه للاولاد و لحسن الحظ كنا قرب البيت فدخلنا بالدراجتين ، تكل العم زكريا دراجته علي الصريف و فعلت ، أجلسني علي سريرمفروش في الراكوبة و دلف الي داخل البيت ولطعني هناك لاكثر من عشرة دقائق - الساعة الجوفيال - وعاد يحمل لي كوب من عصير ليمون فاتر البرودة فوجدتني أحمل كوب الليمون و أتبعه نحو الجانب الاخر من الحوش خلف الراكوبة وأشار العم (زكريا) بسبابته حيث غرز الوتد في الارض و صرخ في وجهي صرخاته الرنانة :- (( اهو ده الوتد ما اتحرك ملي و برضو قولي لي بتلف ، بتلف ؟ ))
ما حدث هو ان العم (زكريا) قد داهم مجلسنا في عزومة زواج بحي(الملكية) و نحن أنداد اصدقاء نتداول فيما بيننا معلومات حول الارض و الشمس و النجوم و المجرات و حين ذكرت متلذذا بالفكرة ان الارض تدور حول نفسها و حول الشمس ، صرخ العم زكريا بصوته الرنان :- ( بدور ؟ ، يعني شنو بدور ؟ )
واستخدمت سبابتي بحركة تعبر عن الدوران و قلت :- ( بدور ، يعني بتلف حول نفسها و حول الشمس )
(بتلف ؟ )
( ايوه بتلف )
و تذهب رنة صوت العم (زكريا) الي كثافة في التهكم من الفكرة و يهز رأسه بطريقة غريبة و يردد متسائلا :- (بتلف ؟ ، بتلف ؟ ، بتلف ؟ ، بتلف ؟ ) كانت كثافة التهكم في نظرات العم (زكريا) كفيلة بان نصمت و لا نرد عليه وهو ينفجر فينا بصرخاته الرنانة و يتهمنا بالجهل و الجاهلية و متابعة خزعبلات الخواجات و خصني انا وحدي بعدد من الصفات أهمها اني ضلالي و ضليل و قد كانت لصرخات العم (زكريا) الرنانة المحتجة علي فكرة دوران الارض حول نفسها و حول الشمس جمهور من معازيم الغداء و اصبحت تلك الضجة نوع من التسلية و لكن يبدو ان صرخات العم (زكريا) الرنانة كانت جادة بما يكفي كي اكون أنا الان امام الوتد نفسه ، الوتد الذي غرزه العم (زكريا) كي يثبت لي ان الارض لا تلف ، نقف نحن الان ، أنا و العم (زكريا) و تحتنا الوتد و حين كنت أتفكر في فكرة ما الذي يهم العم (زكريا) اذا كانت الارض بتلف او ما بتلف يأتيني صوت العم (زكريا) واضح الرنات كي يضعني في مأزق اخر :- (يا ود يا فنطوط ، الارض دي لو بتلف كنا نحنا وقعنا من فوقا و كان موية الدنيا كلها إتدفقت ، قلت لي بتلف ؟ ، بتلف إنتا ) ولم ينس العم (زكريا) ان يفرك إبهاميه علي سبابتيه معبرا عن لف السيجارة ، طبعا انا لا استطيع ان أغامر واشرح للعم زكريا قانون الجاذبية لان الوتد كان قد إنغرس في مخيلة العم (زكريا) .
في ما بعد الخامسة صباحا ،خبطات مستعجلة و منفعلة علي باب الزنك ، ايقظتني الطرقات عرفت إنها مداهمة اخري صباحية للعم (زكريا) فقد تركته البارحة دون ان أنزع وتد تساؤلاته حول دوران الارض ، نهضت ، وصلته حافيا ، كان علي دراجته و رجله اليمني علي الارض و كانت نظراته تشع بلذة إكتساف أخري و لم يهتم حتي ب(صباح الخير) فداهمني قائلا:-( سيبنا الوتد ، أمبارح بعد ما إنت مشيت انا ختيت كوباية مويه ، كوباية المنيوم خفيفه ،ملانة مويه ،هسه الصباح جيت لقيت قطرة من الموية ما ادفقت و كوباية الالمنيوم ما إتحركت من مكانا ، برضو بتقول لي بتلف ؟ ، بتلف ؟ ، بتلف إنتا ))
وفرك إبهاميه علي سبابتيه ووضع رجله اليمني علي البدال بثقة مفرطة و دار بدراجته في دائرة صغيرة و إتجه يسارا و أختفي.



تعليقات 18 | إهداء 0 | زيارات 2923

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#522404 [أبوزينب عبدالمنعم الصديق]
1.00/5 (1 صوت)

11-27-2012 05:19 AM
هههههههههههههههه
استاذ يحيى قلتا لى بتلف؟
بتلف انت
لا لا بلف انا
تحياتى استاذى


#515543 [صلاح]
3.00/5 (2 صوت)

11-18-2012 10:09 PM
نسيت اقول ليك الرواية البتحكي عن قصة البعاتي ديك ورواية الناظر ابكر التوم رجاءاً يا استاذ يحيى


#515521 [صلاح]
3.00/5 (2 صوت)

11-18-2012 09:42 PM
يا سلام عليك يا استاذ يحيى والله جريدة حكايات فقدت مادة دسمة بفقدها رايعة التداعيات لذا ارجو منك ان تواصلنا بكل القصص الجميلة روايات ناس (كبي جزلان وتادو كوري وشكوى مضادة وعصابةالدندرمة
ورواية عمك فؤاد اجيا وكل السرديات الجميلة الموجودة عندك عليك الله


#515486 [M.Tano]
1.00/5 (2 صوت)

11-18-2012 08:43 PM
أتحفنا أيها الجميل ... لك كل المحبة والتقدير ياصاحب التداعيات !!


#515411 [salih ramtool]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 06:49 PM
هههههههههههههههههههه
والله عمك دة حددها معاك يا رائع , قلت قاعد تفكها في الجماعة وجا عمك فكاها فيك ,
تسلم كتير يا رائع ,
لكن صحي بتلف انت دة


#515398 [الامين ودالمكاوي]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 06:26 PM
رائع ياصاحب التداعيات ...ونحنا في انتظار المزيد من الروائع


#515253 [ابو منيب]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 03:43 PM
ياخى طفشنا من ربيع عبد العاطى .. وأمين حسن عمر .. ونافع غندور ومندور وبقينا نفتش لى ريحة البلد فى كتاباتك وتداعياتك وعند الرائعين أمثالك .


والله بلد وزيرة ثقافتها زول حسيس زيك ومعجون فى سماحة الوطن وتفاصيلو الحنينة تكون قادرة ان تساهم بقدحها فى رفد التراث الإنسانى بماهو مفيد بس نقول شنو أقدارنا اللئيمة .. وزمان شريعة قدقدو !!!!


#515198 [حاتم أب تفة]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 03:05 PM
شكراً للراكوبة أن أعادت إلينا "تداعيات" وشكراً يا أستاذ يحيى على تداعياتك "الزي الورد" دي..!
جيتنا وفيك ملامحنا، وعليك دينك ما تغيب تاني ياخ


#515094 [ودالحاج جابر]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 01:49 PM
كان موية الدنيا كلها إتدفقت حلوه العباره دى .


#514795 [yasso]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 10:37 AM
شغل جميل يا رجل ما احوجنا اليه فى هذا الزمان الاغبر


#514671 [محمد أحمد]
5.00/5 (1 صوت)

11-18-2012 09:26 AM
مشتاقين لكتاباتك صدقني يا يحي فضل الله ، بس خليها ممتعة ومضحكة في نفس الوقت ذي ما كان زمان ،انت وود عوضة بريق امل ، بس ود عووضة فيه شي من العنصرية من غير لازم.


#514558 [زول ساكت]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 08:27 AM
هههههههههه والله ياستاد يحيى افتقدناتداعيت زمن والله لكن قصصك وتداعياتك دى بتوضح انك بتلف انتاااا هههههههههههههههههه تحياتى لك وربنا يديم ليك الصحة


#514511 [على ابوتامر]
4.00/5 (1 صوت)

11-18-2012 07:49 AM
ياخى انحنا فتحنا و عينا على تداعيات يخى فضل الله و ترجمات على المك ما تحرمنا من التداعيات بالله و مشتاقين ليك فى البلد.. قريت تحولات فى ممكله الاحلام للمره التالته و مشتاقين ليك فى البلد


#514486 [azoooooooz]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 07:07 AM
قاص بحق وحقيقة وكتاباتك ممتعة وموقلة في الثقافة السودانية وحكاياتها
متعك الله بالصحة والعافية استاذ يحيى فضل الله


#514483 [awadaseed]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2012 07:00 AM
اناس كثر وصفوا بالعلم والمعرفه انكروا حقيقة ان الارض تدور سواءا في محورها او حول الشمس بلا علم ولا برهان بين وى ما تراه اعينهم ..والعين البشريه قاصرهعن ان ترى الاشياء على حقيقته ..فهل ترى الملائكه والجن والغيب والبعيد في غاية البعد طبعا لا

وهل استطاع موسى ان يرى ربه ..وهل الجبل صمد ازاء التجلي .. لا

ولكن لاعتب عليهمفي ذلك لانهم ما نالوا حظهم من العلم والمعرفه لسبب او اخر .

لكن يايحيى الوتد كات تختو لي تحت الظل .. ضلنا المرسوم على رمل المسافه . اظنك فهمت قصدي


#514376 [alsadeg]
1.00/5 (1 صوت)

11-18-2012 12:24 AM
رائـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
يمكن بتلف
ههههههههههههههههههههههه
يديك العافيه


#514370 [القرم تفاحة ابل]
3.25/5 (4 صوت)

11-18-2012 12:05 AM
صحي بتلف


#514363 [كتاحة]
3.00/5 (2 صوت)

11-17-2012 11:44 PM
رااااااااااااااااائع كعادتك يا استاذ يحي فضل الله .. رد الله غربتك

قلت لي بتلف !... بتلف انت


يحيي فضل الله
 يحيي فضل الله

مساحة اعلانية
تقييم
1.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة