11-19-2012 11:09 AM

مستشفى الخرطوم .. ما بتنفعا العملية

منى سلمان
[email protected]

مستشفى الخرطوم .. ما بتنفعا العملية !!
قديما غنت مغنية :
بلاليناااا .. مرقت يوم عصرية .. ركبت لي عربية
ودوني للملكية .. الدكاترة كشفوا عليا
قالوا لي اذاك الحب وما بتنفع العملية
هوف رطن .. داؤود بسم .. قال لي قسم
والريد قسم يا عنيّي ..
اذن الاغنية تحكي عن حال حبوبتنا الشاعرة المغنية رهيفة القلب مرهفة المشاعر، والتي كانت تعاني لواعج من الحب، من شدة اعراضها توهمت المسكينة بأنها مريضة بعلة في القلب، وتحتاج للذهاب الى الاستشفاء ليس في اي مركز صحي مجاور، ولكن شدة مكنتها اجبرتها على ان (تمتطي) عربية وتتوجه لمستشفى الخرطوم الملكي – حتة واحدة ! طبعا اذا كانت الاعراض مصابة بخمة نفس وبتباتة وزيادة خفقان لابد ان توحي بأن الحكاية تحتاج لاخصائي كبير في علل الباطنية والقلب ..
ولكن كما اتضح لاحقا عندما قابلت كبار الاخصائيين الذين تبسموا في وجهها واقنعوها بانها جات سليمة، وان كل اعراضها ترجع لتعرض قلبها للاذى الجسيم بفعل الحب ..
حسنا، محنة حبوبة الحبّيبة الصحّية، والتي سطّرتها في حروف حنونة قوية شجية اللحن، والتي لم تفقد بهاءها ومقدرتها على تحريك النفوس حتى الان وربما ظلت بنفس الوهج الى يوم يبعثون .. بهذا المقطع من الاغنية شكّلت لنا – عن غير قصد منها - اضاءة عفوية عن حال الطب في سودانا زمان، وارّخت لاثنين من الدكاترة العظام والاهم وصفت حال ممارسة التطبيب في مستشفى الخرطوم الذي تتناوشنا على مصيره الظنون في هذه الايام ..
أول ما اظهرته لنا هذه الجزئية من الاغنية، إن حبوبة قد قامت بزيارة المستشفى طلبا للاستشفاء في ذات (عصرية) .. وهذا يعني ان حوادث المستشفى وعياداتها الخارجية كانت تستقبل المرضى طوال ساعات اليوم .. طبعا دا لسه حاصل وعادي ولكن الغير عادي أن يكون في استقبالها اثنين من كبار اخصائي المستشفى !!!
على ايامنا الان تحتاج للخروج من بيتك في ظلمات الدجى وتوقظ جارك صاحب الامجاد الوحيدة في الحي، أو ان تمتطي (الكارو) لعدم توفر (عربية) المواصلات في هذا الوقت المبكر، ثم عندما تصل المستشفى وتتخلص من لياقات الغفير وتجلس في الصف، تمارس فضيلة الزحيح على الكنب في صبر انتظارا لدورك في مقابلة الاخصائي، ولسانك يلهج بالدعاء ان يصلك الدور قبل ان يغادر سعادته المكتب لتناول الافطار والتي تعقبها الزوغة لاقرب المستوصفات .. دا لو كان جا من اساسو !!
فمهما حاولت وزارة الصحة ان تضبط طريقة عمل اخصائيها الذين يعملون في المستشفيات الحكومية، وتمنعهم من مغادرتها لعياداتهم الخاصة والمستوصفات، فشلت ولم تتمكن من ذلك لتمتعهم بخاصية (زوغان ود الموية) الذي يجيد التسرب من بين الاصابع ..
عاد ايش جاب لجاب ؟!! الساعة في المستوصف والتي يعاين فيها الطبيب عشرين مريضا بمعدل مريض كل ثلاثة دقائق، تدخل لجيبه ما يأخذه في شهر كامل بمستشفى الحكومة ويرى فيه الالاف المرضى المصابين بالايدز والكساح والجزام وسوء التغذية والـ(تي بي) وكل المعديات المهلكات من الاوبئة والامراض .. عاد الجابرو شنو ؟!!
ثاني الاشياء التي ذكرتها هذه الجزئية من الاغنية وخلدتها في ذاكرتنا، هي اضاءتها لسيرة عطرة لاثنين من العظماء الذين مارسو الطب في السودان .. احدهم خواجة تسودن عن رضا والثاني يعد ابو الطب في السودان ..
(هوف) الذي (رطن) بالانجليزي اكيد، هو بروفيسور هوف مورقان الذي ولد في ساوث ويلز بانجلترا، وتخرج في عام 1940 وحاز على عدة جوائز أثناء دراسته وعند تخرجه ونال دبلوم زمالة الكلية الملكية لاختصاصيي الباطنية، وقدم مورقان للخرطوم في العام 1952 ليشغل منصب البروفيسور الأول للباطنية بالكلية الجامعية وعميداً لكلية الطب بجامعة الخرطوم من 1955-1958. – دا بحدد لينا وقت ظهور الاغنية - كان بروفيسور مورقان طبيباً ممتازاً ومعلماً صبوراً وباحثاً مدققاً اهتم بدراسة كل ما تعرض له أثناء ممارسته من أمراض المناطق الحارة، ونشر أبحاثاً عن البنسلين والتهاب الكبد وغيرها.
أما الثاني فهو بروفيسر داؤود مصطفى خالد الذي تخرج من مدرسة كتشنر الطبية في 1940م، وكان من أميز الاطباء واكثرهم مهارة بما شهد به كبار الاطباء الغربين، ومن أنه كان يجيد تشخيص اعقد الامراض بمجرد جس الاصابع، دون الاستعانة بالاجهزة والتقنيات الحديثة والتي يستعين بها اطبائنا اليوم ورغم ذلك يموت المريض على طاولة عملياتهم وهو (مرحوم وغلطان) !!
ثالث الاشياء التي اضاءتها تلك الجزئية من الاغنية وارخت لها، هي مستشفى الخرطوم الذي قال عنها مؤخرا، وزير الصحة بولاية الخرطوم بروفيسور مأمون حميدة بأن مستشفى الخرطوم لن تقوم له قائمة وإن حشد له كل مال السودان وبتروله .. ليس هذا وحسب بل قال – لا فض فوه - أن مال البلاد وبترولها لن ينفعا مستشفى الخرطوم في شيء فهو أصبح يحتمل فوق طاقته، وأن تدهوره لن يقف عند انقطاع الكهرباء عنه، وأنه وارد تماماً أن تنقطع المياه عنه أيضاً وليس بمستشفى الخرطوم فقط وإنما بالمستشفيات الكبيرة والتي لا مجال لها أن تتحسن !!
اذن ما بين اغنية حبوبة التي وثّقت لنا عصر مستشفى الخرطوم الذهبي، وبين تصريحات وزير صحتنا الذي نعاها الينا غير مأسوف على شيخوختها .. انتهت قصة مكان وزمان مستشفى الخرطوم التي ماتت وشبعت موتا وبالتالي اكيد (ما بتنفعا العملية) .. لا ترميم ولا اعادة تأهيل .. الفاتحة يا جماعة !!


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 3046

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#516874 [Ahmed faris]
1.00/5 (1 صوت)

11-20-2012 09:55 AM
الحبيبة مني سليمان والكثيرون يركزون جل اهتماماتهم في معظم الكتابات بالهجوم المباشر علي الأطباء وعدم كفاءتهم فأود التنبيه لنقطة مهمة وهي مسالة التعليم في السودان طالتها يد الخراب ودراسة الطب جزء من هذه المنظومة فمن الصعب ان ترمي بشخص في بئر ثم تطلب منه الا يبتل بالماء ومن يديرون البلاد لا هم لهم سواء المصالح الشخصية وبفضل الله الاطباء السودانيين المهاجرين حتي هذه اللحظة يتمتعون بسمعة طيبة ومجيدون جداً لعملهم لتوفر بيئة عمل جيدة اما الوضع في السودان مختلف تماماً لا بيئة جيدة ولا مرتبات تقي شر الحاجة فلا تطلبو من الاطباء أشياء فوق طاقتهم فهم بشر مثلكم


#516549 [واحد من الناس]
1.50/5 (2 صوت)

11-19-2012 10:04 PM
من المفترض تتعمل مشستشفيات في الاطراف لأنو العاصمة اتوسعت وبي كدا ممكن نريح مواطنو الأطراف من مشقة المجي لمستشفى الخرطوم ونقلل الضغط على مستشفى الخرطوم


#516522 [فوزي الصياد يوسف]
2.50/5 (3 صوت)

11-19-2012 09:20 PM
حلو الموضوع يابت سلمان ـ مخضرم ربط بين الماضي والحاضر


#516302 [ود العمده]
1.50/5 (2 صوت)

11-19-2012 03:18 PM
الفاتحه أجاركم الله


#516259 [جمال]
1.50/5 (2 صوت)

11-19-2012 02:31 PM
يا سلام عليك يامنى سلمان حقيقة كتاباتك ومواضيعك رائعة وجذابة وتلفتين نظر القارئ لأشياء مهمة في قالب خفيف الظل وممتع وجذاب وكمان لا يخلو من ( القلاصة ) أحياناً .


#516234 [algandawi]
1.50/5 (2 صوت)

11-19-2012 02:05 PM
شوفوا الفرق ما بين تصريح وزير صحة ولاية الخرطوم بخصوص مستشفى الخرطوم وما قامت به الحكومة السعودية في مستشفى الرياض المركزي ((الشميسي)) من تشييد أبراج حديثة بنفس الموقع وسمته مجمع الملك سعود الطبي بسعة آلاف الأسرة بكامل تجهيزاتها الطبية الحديثةز ومامون حميدة مستثمر شاطر استطاع يبني مستشفيات عديدة خاصة به ولكنه لا يستطيع تأهيل مستشفيات محمد أحمد المسكين.


#516147 [الامير]
2.25/5 (3 صوت)

11-19-2012 01:01 PM
الصحفيين الواحد او الواحده منكم يلقى ليه راس خيط يتم الباقى خيال منو مشكله مستشفى الخرطوم مال وقروش واداره نظيفه تسعى للتجويد مش حراميه ينو مبانى غير مطابقه بمليارات الدولارات مستشفى الخرطوم تنعدم فيها الخيوط والمقصات والفوط وغيرها من الاساسيات للعمل وليس الكادر الطبى المتمكن ادعوك لزيارة المستشفى وعمل تحقبق شامل مع كل العاملين من المدير اى الغفير وبعد كده نشوف موقع الوزير العالم المستثمر مقدم برامج التلفزيون السوبر مان حميده


#516128 [ابوكرنك]
2.25/5 (3 صوت)

11-19-2012 12:50 PM
الفاتحة علي كل السودان ناسو مؤسسساتو


#516074 [ود الراوي]
3.00/5 (2 صوت)

11-19-2012 12:00 PM
الفاتحة!!


منى سلمان
منى سلمان

مساحة اعلانية
تقييم
7.63/10 (4 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة