المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أسئلة مشرعة علي خطو سنابك الانفصال
أسئلة مشرعة علي خطو سنابك الانفصال
10-25-2010 12:40 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة مشرعة علي خطو سنابك الانفصال

بقلم / عمر محمد ادم الإمام
[email protected]

لأكثر من ثماني سنوات توقفت عن الكتابة للصحافة وكنت أظن نفسي قد انقطعت عنها بطلاق بائن بينونة كبري وها أنا ذا تعاودني حمي الكتابة من جديد ويداي تأكلاني والقلم يطاوعني من بعد فراق . مع أن لي أسبابي الخاصة للمعاودة والعود احمد إلي أن روح المسؤولية لا تنفك تبرح ذاتي جلدا لتذكرها بان المرحلة التي يمر بها وطني حالها من حالي صلاحا أو فسادا ً . اقلنا تشاؤمنا وأكثرنا تفاؤلنا ساوي بهم الإحباط هذه الأيام . فبعد أكثر من مئة عام علي تكوين الدولة السودانية الحديثة وأكثر من خمسون عام علي استقلالها نقف اليوم وحالنا حال القائل لا ابل وثقنا ولا بكفنا الحصيد روائعا ، فلا أصبح صبح ولا وعد ولا تمني وجنينا الأسف المورق في وقت الحصاد.
أطالع باهتمام كُتاب الدراسات السودانية وبالأخص كتابات دكتور حيدر إبراهيم وان كنت في كثير من الأحيان لا اتفق معه فيما يذهب إليه من أراء إلا أنني اقدر بشدة بحثه وهمه الدائبان في مجال التنوير والتعريف بالسودان . طالعت له سلسلة مقالات منشورة بالصحف السودانية بعنوان السودان.. أيُّ مستقبل؟ واستوقفتني المقال مرات ومرات . يقول دكتور حيدر إبراهيم (( كانت النخبة التي حكمت السودان بعد الاستقلال مكوَّنة من عناصر مؤتمر الخريجين الذي قاد الحركة الوطنية، ويمثل مؤتمر الخريجين الانشطارية والانقسامية النخبوية في أعلى مستوياتها، وكانت انتخابات الخريجين الدورية تعبِّر بامتياز عن الشخصية السودانية الانشطارية. وقد انتقلت طرق ونوع وأساليب المنافسة في المؤتمر إلى مجال حكم السودان. وكرَّس النواب والوزراء ثقافة المنافسة غير الموضوعية وروح الانقسامية في السياسة والإدارة )) انتهي .. يهمنى هنا وصف الشخصية السودانية بالانشطارية والتي عبر عنها السياسيين السودانيين في أكثر من مكان ، انظر معي إلي تاريخنا السياسي من عند الثلاثينيات والي الآن ماذا حل بأحزاب مثل حزب المؤتمر الوطني ، الأمة ، الاتحادي ، الشيوعي و البعث ، كلها انشطرت وما زالت لا تنفك عن رحلاتها الانشطارية . ما بال أحزابنا لا تري في التشرذم عيب وتعيبه في حق الوطن ؟ تلك الأحزاب التي يناط بها أن تحافظ علي وحدتنا ، تظهر لنا أنها لا تستطيع أن تحقق ديمومة وحدوية لذاتها فما بالك بوطن !! وفاقد الشيء لا يعطيه .
ما آل إليه السودان الآن نتاج أزمات بدأت منذ مرحلة التكوين الأولي للدولة السودانية الحديثة - فترة المهدية -وازدادت هذه الأزمات حدة ابنان فترة الاستعمار الانجليزي المصري وصولا إلي مرحلة ما بعد الاستقلال . والكل يعلم ان مكونات المجتمع السوداني إبان المهدية لم تكن علي توافق وانسجام . وورثها الاستعمار بعللها و زاد الطين بله بوضعه قوانين المناطق المقفولة واعتماده لمناطق معينة في خطته التنموية بما يتوافق مع مصالحه الاستعمارية . واقصد بهذه المناطق التي يمثلها حرف (T) الانجليزي والممتدة من مدينة كوستي جنوبا إلي الخرطوم شمالا ثم ود مدني شرقا والأبيض غربا ( مشاريع إنتاج الصمغ العربي والقطن بجانب مقر قيادة الحكومة ) .
لم يخرج قادة الحكومات التي تلت الاستعمار من عباءة الاستعمار التنموية أبدا ً ، بل تعاملوا مع المناطق المنتجة فقط وتركوا ما تبقي من السودان في حالة شلل تنموي . وعندما أقول أنهم لم يخرجوا من عباءة الاستعمار اعني أنهم ورثوا وورثوا المشروعات الاقتصادية التي اعتمد عليها الاستعمار ولم يحاولوا تعميم وتوسيع ونقل هذه المشروعات إلي مناطق مختلفة أخري، كما لم يحاولوا الاعتماد علي غيرها . أو إعادة توزيع العائد منها من اجل خلق تنمية متوازنة ، فتم الاعتماد علي منتج أو منتجين لكسب النقد الأجنبي- زراعة و بترول - . و ما يؤكد كلامي هذا عقد مقارنة بسيطة بين مقومات الاقتصاد في الدولة السودانية المستعمرة و الدولة السودانية في فترة ما بعد الاستقلال (( الاعتماد علي الصمغ العربي و القطن والماشية )) ثم عقد مقارنة بمشاريع التنمية في الفترتين ؟؟ لا اختلاف يذكر . !!
هذا الأمر يقودني إلي اتفاق كامل مع ما ذكره د . حيدر إبراهيم عندما قال في مقاله سابق الذكر (( إن السودان لو أصر على أن ينهج المسار الذي اختطه الآن وان يمشي عليه: فلا مستقبل للسودان. وأعني بذلك منهج إعارة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة أو تبدو وكأنها جديدة. كما أن الطرح الخاطئ للمشكلات والقضايا العظمى يعطي حتماً حلولاً خاطئة )) . متخذو القرار في أي منظمة خاصة كانت أو عامة يدركون كامل الإدراك أن الاعتماد علي المعلومات الخاطئة يقود إلي قرارات تقود بدورها إلي حلول خاطئة . فالسودان ومنذ عهد المسؤولية الوطنية – فترة ما بعد الاستقلال – والي الآن ينتهج سياسات خاطئة قادت إلي نتائج كوارثيه علي صعيدي الحكومة والمعارضة (( انشقاقات الأحزاب ، ترحيل اليهود الفلاشا ، عدم اعتماد تنمية متوازنة ، عدم وجود محاصصة عادلة في الثروة والسلطة ، اعتماد حق تقرير المصير – انظر مؤتمر القضايا المصيرية للتجمع الوطني الديمقراطي – اسمرا 1995 – اتفاقية نيفاشا ، عدم وجود برنامج حد ادني علي مستوي الحكومة والمعارضة يضع ثوابت وطنية لا يمكن المساس بها ، عدم وجود دستور معترف به للدولة السودانية ، الخ ...) مسار القطار السوداني أوصلنا إلي محطة التاسع من يناير 2011 م وما زال المسار يخبر عن محطات أخري . محطات لا تنبئ بمستقبل زاهر .
قصدت من هذا المقال طرح أسئلة ، ازعم أنها مفصلية في مسار الدولة السودانية في مرحلة ما بعد التاسع من يناير . فسياسيا منذ عام 1989 والي العام 1998 سيطرت الشرعية الثورية علي الحياة السياسية ثم دستور 1998 م فيما بعد ذلك . وفي عام 2005 م تواضع شريكي الحكم علي اتفاقية ثنائية - اتفاق نيفاشا - وتم تضمينها في دستور 1998 المعدل ليصبح الدستور الانتقالي للعام 2005 م قيد العمل ، هذا الدستور سيظل ساريا إلي التاسع من شهر يوليو عام 2011 م كما نصت علي ذلك المادة 226 (9) (( يحكم هذا الدستور الفترة الانتقالية, ويكون خاضعاً لأي تعديل أو مراجعة وفقاً للمادة 224, ويظل سارياً إلي حين اعتماد دستور دائم )) . هذه المادة مقروءة مع المادة 226 (10) والتي تنص علي انه (( إذا جاءت نتيجة الاستفتاء حول تقرير المصير لصالح الانفصال فإن أبواب وفصول ومواد وفقرات وجداول هذا الدستور التي تنص على مؤسسات جنوب السودان وتمثيله وحقوقه والتزاماته تُعتبر ملغاة )) . هذه المادة تطرح أسئلة كثيرة علي سبيل المثال من سيملأ حصة الجنوب السوداني التي حصل عليها بموجب اتفاق نيفاشا والتي منحته نصيب في إدارة الشمال ؟ (الهيئة التشريعية القومية وتشمل المجلس الوطني ومجالس الولايات ) انظر المواد 118 -1 و 2 من الدستور .
عشية اختيار الجنوب السوداني للانفصال ما الذي سيكون عليه الوضع الدستوري للبلاد ؟ هل ستعود البلاد للعمل بدستور 1998 م – أو النسخة المطورة منه في العام 2005 م أم ستدار بالشرعية الثورية ؟ هذا السؤال بالتأكيد أجاب عنه الدستور الانتقالي لعام 2005م عندما نص في الفقرة الخاصة بالاستفتاء علي تقرير المصير المادة 222- (1) علي إجراء الاستفتاء قبل ستة أشهر من نهاية الفترة الانتقالية ، بمعني انه سيظل الوضع السياسي محكوم بالدستور الانتقالي –مع إلغاء البنود الخاصة باتفاق نيفاشا - إلي يوليو إذا اختار الجنوب الانفصال . نتيجة لذلك في حال نفاذ خيار الانفصال في يناير 2011 م سيكون السودان موحدا إلي بداية شهر يوليو 2011 م . ثم ماذا بعد ذلك التاريخ ؟؟ . سنرجع إلي تعديل الدستور الانتقالي ليكون دستورا دائما للسودان مع ملاحظة أن المادة 226ـ (1) ذكرت أن هذا الدستور استمدت نصوصه من اتفاقية السلام الشامل ودستور جمهورية السودان للعام 1998 ( دستور التوالي الذي رفضته جميع قوي المعارضة آنذاك ولكنها قبلت العمل به إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة ) بمعني أننا سنرجع إلي نقطة العام 1998 م . ولكن ما موقف القوي السياسية التي خاضت الانتخابات الماضية من هذا الدستور ؟ .
تحدثت الخطة الإستراتيجية الربع قرنية التي أصدرها المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي في العام 2003 م والتي أجازها مجلس الوزراء و التي تعبر عن قيم وأهداف يجب تحقيقها بحلول عام 2028 م ، تحدثت عن استكمال بناء أمة سودانية موحدة ، آمنة ، متحضرة ، متقدمة، متطورة . و تعمل علي الارتقاء بالبعد الاجتماعي للنمو الاقتصادي عن طريق التنمية الاجتماعية الشاملة و التعدد والتنويع في توزيع أقطاب التنمية الاستثمارية علي الجغرافيا السودانية . هذه الإستراتيجية صممت لدولة تعتمد اعتمادا شبه كامل علي البترول الذي ينتج أكثر من 70 % منه في الجنوب الذي إذا ما اختار الانفصال فلا نعتقد أن أي من أحلام الإستراتيجية التي تريد استكمال بناء الأمة السودانية الموحدة ستنجز علي ارض الواقع . ما لم يتم إيجاد بدائل سريعة تجنبنا شر الاستدانة. ضبابية المستقبل الاقتصادي في ظل عدم وجود بدائل اقتصادية أوصل سعر الدولار لثلاثة جنيهات في السوق الموازي .وما زال بنك السودان يضع في ضوابط لا تؤثر سوي سلبا ً . مع توصية الخبراء بان الحل يكمن في ضخ عملات صعبة وليس العكس .
سؤال آخر ألا تتأثر استراتيجيات القطاع الخاص بالقرار السياسي المرتقب اتخاذه في يناير القادم ؟ واضعين في الاعتبار خروج قطاع استهلاكي كبير يفوق تعداده 15 مليون نسمة من القطاع السوقي المستهدف ، هذا العدد كفيل بان يغير سوق البائعين إلي سوق مشترين والعكس صحيح .
بالجانب الآخر ، جانب بناء الإنسان السوداني اعتقد أننا سنحتاج إلي تغيير ثقافة أجيال قامت علي أن جغرافيا السودان مليون ميل ، وعدد سكانه يقارب الأربعين مليون نسمة ،وانه البلد الأكبر في إفريقيا ، و به مناخ استوائي وتحده جنوبا كينيا ، يوغندا و الكنغو .ألا تتفق معي عزيزي القاري أننا بالفعل نحتاج إلي تغيير مناهج وزارة التربية والتعليم ؟ . فقط لا لشيء سوي لتعلم أجيالنا القادمة لماذا انفصل السودان إلي دولتين. السنا مطالبين بإيضاح لأطفالنا يحمل إجابة واضحة عن أسئلة لماذا وكيف انفصل الجنوب ؟

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1201

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عمر محمد ادم الإمام
مساحة اعلانية
تقييم
4.54/10 (32 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة