01-03-2013 10:34 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

دور الحديث النبوي
كمصدر للأحكام

امين عمر سيد احمد
[email protected]

مقدمة

لايحتاج المرء لكبير عناء لإدراك مدى التخلف الذي يسم المجتمع المسلم اليوم، فياساً بالمجتمعات الأخرى، ومدى البؤس والفقر الذي يعتري كل جوانب حياته تقريباً. تتعدد المظاهر وتتجلى الآيات التي تبرهن على عمق هذه الأزمة، وعن ضعف بنية هذا المجتمع وعجزه عن الإسهام العام في تطور الحضارة الإنسانية في مستواها الراهن، سواءاً في جانبها المادي، أو في بعدها المعنوي (لنا دراسة تحت النشر بإسم "أزمة العقل المسلم" يمكن الرجوع إليها لاحقاً للوقوف بشكل أكثر تفصيلاً على مظاهر وتجليات تلك الأزمة، والأسباب الكامنة وراء ظهورها وإستمرارها). والأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما تمتد جذورها إلى البدايات الأولى للدولة الإسلامية، حيث نشأ واقع جديد أصبح العقل المسلم بموجبه أسيراً لمنظومة من الأفكار والمفاهيم المستندة على نصوص الدين، بعد أن تم تفسيرها وتأويلها من قبل أجيال من الفقهاء تأثرت تفاسيرهم وتأويلاتهم تلك ببيئة وواقع مجتمع الجزيرة العربية، بكل سماته البدوية، في تلك اللحظة البعيدة في التاريخ. ولمجموعة من الأسباب، تم تناولها وتبيانها في دراستنا سابقة الذكر، أصاب الجمود والركود ذلك العقل، وعجز عن تجديد نفسه، بشكل أفقده القدرة على العطاء الإيجابي، والتفاعل الحي، مع كل ما تطرحه الحياة من جديد.

لقد لعب فهم الفقهاء المتعسف للسنة النبوية دوراً جوهرياً ومفصلياً في أزمة العقل المسلم، حيث تم إضفاء قدسية ومرجعية تامة عليها تماثل تلك التي أعطيت للقرآن الكريم. تسبب هذا، في إغراق ساحة الفكر بعدد هائل من النصوص التي لا تتسق مع جوهر القرآن و لا تنسجم مع العقل الذي حباه الله لأعظم مخلوقاته، وميزه به. لقد أدى هذا الفهم المتعسف، في نهاية المطاف، وبالإضافة لعوامل أخرى، إلى حالة الشلل التي أقعدت المجتمع المسلم، وحولته في نهاية المطاف إلى عالة على الإنسانية.

صحة ومرجعية الحديث النبوي تحت المجهر

يتمثل الهدف الرئيسي لهذه الورقة، في دحض فكرتين رئيسيتين: أولاهما فكرة أن كل ما ورد بكتب السنة النبوية المدونة ذو صحة مطلقة، وثانيهما فكرة أن السنة النبوية لها نفس حجية القرآن الكريم، حيث سنعتمد في تحقيق هدفنا ذلك على ما هو متاح لدينا من نصوص، بالإضافة للأدلة العقلية التي لا يمكن أن يأباها العقل السليم. وفي هذا نقول:

أولاً:

من المعلوم أن الرسول (ص) منع تدوين أحاديثه بحياته، بل طالب بمحو ماكتب منها إن وجد، حيث روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه". في إعتقادنا أن سبب هذا المنع إنما كان بسبب خوفه (ص) من أن تعامل آراءه الشخصية وعمله في خاصة نفسه بإعتبارها مقدسات، وتأخذ بالتالي صفة الأبدية التي يجب أن لا تتوفر إلا للنصوص الخاصة بالعقيدة، حيث ما عدا ذلك يدخل في إطار المتغير والمتحول وفقاً لسنن الكون، سواءاً كان ذلك على مستوى الطبيعة المادية أم المجتمع أم النفس البشرية. إذا كان الرسول (ص) قد أراد لسنته التدوين والفهم على النحو الذي أفاد به اللاحقون فلماذا لم يأمر صراحة بذلك، وهو أمر سهل جداً، خاصة وأن الأمر في غاية الخطورة والحساسية ويمس في الصميم مصادر التشريع للمسلمين. إن الرأي الذي يقول به البعض، والذي يفيد بأن سبب المنع كان بسبب خوفه (ص) من إختلاط السنة بالقرآن، غير صحيح، حيث أنه كان من الممكن والمتاح في ذلك الزمان، في رأينا، تخصيص كتبة للحديث مختلفين عن كتبة الوحي.

إن البخاري نفسه، ومعلوم أنه أصح مدوني الحديث عند السنة، يروي حديث أبو هريرة الذي يقول : "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم" فكيف يستقيم عقلاً أن يصرح الراوي الرئيسي للحديث النبوي بإخفائه جزأً هاماً من الحديث إذا كان الحديث فعلاً يعتبر مصدراً من مصادر الأحكام والتشريع؟

ثانياً:

إعتبر جامعو الحديث أن الحديث الذي يفيد بالمنع منسوخ بدليل وجود أحاديث تؤكد الكتابة، كحديث اكتبوا لأبي شاه، وحديث صحيفة علي وحديث كتاب عمرو بن حزم وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر أنسا رضي الله عنهما حين وجهه إلى البحرين وحديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب. وهنا نقول:

حديث اكتبوا لأبي شاه : يتعلق الحديث بحادثة قتل خطب الرسول (ص) بعدها قائلاً : "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد. ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما يودى وإما يقاد، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال اكتب لي يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه". فالحديث، إذاً، يفيد برغبة أبي شاه في أن يسجل له قول الرسول على الورق ربما لعدم قدرته على الحفظ أو لرغبة إجتاحته لينقل ماسمعه للآخرين إعجاباً بما إحتواه الحديث من صور بلاغية متميزة أو أي سبب آخر. وفي الحقيقة يدل هذا الحديث على النقيض تماماً مما رمى إليه القائلون بأنه ناسخ لحديث النهي عن التدوين، حيث أن أبي شاه طلب إستثناءاً أن يسمح له بالكتابة، وهو أمر يعضد الرأي القائل بمنع التدوين، وإلا ما طلب إذناً لذلك من الرسول (ص). إضافة لهذا، فالحديث مرتبط بحادثة عرضية بسيطة لا يمكن أن تمثل أساساً صلباً لقرار جوهري مثل تدوين الحديث.

حديث صحيفة علي: وقد ورد في صحيح البخاري بأكثر من صيغة أهمها إثنان هما: " عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي هل عندكم كتاب ؟ قال لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال قلت فما في هذه الصحيفة ؟ قال العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر". والرواية الأخرى : "عن إبراهيم التيمي حدثني أبي قال : خطبنا علي رضي الله عنه على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل وإذا فيها ( المدينة حرم من عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا). وإذا فيه (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا). وإذا فيها ( من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا)".

أن الإستدلال بحديث صحيفة علي بإعتبار نسخه لحديث الرسول (ص) الخاص بنهيه تدوين حديثه، لهو في حقيقة إثبات كامل للعكس، حيث يؤكد علي بوضوح قاطع لا لبس فيه أن الكتاب الوحيد في نظره هو كتاب الله مع إستثناء وحيد هو ما جاء بالصحيفة التي سرد محتواها وهو محتوى بسيط، تم تدوينه لاسباب غير معلومة لدينا، بدليل أن الصحيفة كانت معلقة بسيفه مما يؤكد صغرها ومحدوديتها. كما يؤكد أن حديث النهي عن تدوين الحديث لم ينسخ، أن علياً كان يتحدث، في الرواية الثانية، وهو على المنبر مما يرجح معه أن الحديث دار بعد وفاة الرسول (ص) فإذا وضعنا في الإعتبار أن المادة المدونة كانت عبارة عن صحيفة وليس كتاب يصبح من المؤكد لكل ذي عقل أن حديث الرسول عن نهي تدوين حديثه لم ينسخ.

حديث كتاب عمرو بن حزم: وهو حديث لم يرد في الصحيحين. أورده الدارقطني وورد برواية اخرى في سنن النسائي الكبرى وسنن البيهقي الكبرى كما ورد في شرح معاني الآثار للطحاوي في معرض النفي والإنكار له، ويفيد الحديث بأنه " كان في كتاب عمرو بن حزم حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران في كل سن خمس من الإبل وفي الأصابع في كل ما هنالك عشر عشر من الإبل وفي الأذن خمسون وفي العين خمسون وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي الأنف إذا استؤصل المارن الدية كاملة وفي المأمومة ثلث النفس وفي الجائفة ثلث النفس".

كما هو واضح، فان الحديث يدل على أن هنالك خطاب ضمنت فيه بعض الأحكام الخاصة بالفرائض والديات وما إلى ذلك حمله عمرو بن حزم عندما بعث الى نجران، وهو شيئ طبيعي ومعتاد أن يحمل المبعوثون رسائل بحوذتهم تعينهم على إنجاح مهمتهم خاصة إذا وضعنا في الأمور أن هناك جوانب حسابية يخشى معها نسيان الأرقام كما في حالة الرسالة التي يحملها عمرو بن حزم. نشير إلى أن بعث عمرو بن حزم والمهام التي من المفترض أن يؤديها تدخل في إطار مهام الرسول (ص) السياسية كقائد وليس في إطار دوره كنبي، وهو أمر سنتعرض له لاحقاً في هذه الورقة. في تقديرنا، أنه من الصعب جداً تصور أن الدافع من كتابة هذه الرسالة هو حث المسلمين على تدوين السنة، لأنه لو أراد الرسول (ص) نسخ حديثه المشار إليه سابقاً بالنهي عن تدوين السنة لما ربط ذلك بخطاب يحمله مبعوث له، وإنما كان الطبيعي إختيار أناس بعينهم يعكفون ليلهم ونهارهم في تسجيل الأحاديث وجعلها متاحة للجمع كما هو الحال بالنسبة للقرآن الكريم.

حديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة: وهو حديث كسابقه من حيث المحتوى ورد في عدد من كتب الحديث من غير الصحيحين حيث جاء به " كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه فعمل به أبو بكر حتى قبض ثم عمل به عمر حتى قبض فكان فيه في خمس من الإبل شاة وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فإن زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة فإن زادت واحدة فشاتان إلى مائتين فإن زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث إلى ثلثمائة فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة شاة وليس فيها شىء حتى تبلغ المائة ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية".

واضح أن المكتوب كان بغرض الإرسال للأقاليم المختلفة وهو شئ طبيعي كما أسلفنا ولا يمت لموضوع نسخ الرسول (ص) لحديثه الخاص بالنهي عن تدوين السنة. لو تمعنا في محتويات الحديثين السابقين لوجدناهما يتناولان موضوعاً مشتركاً يتمثل في إعطاء موجهات تعين مبعوثي الدولة للأقاليم المختلفة في تحديد أنصبة الزكاة وما إليها خاصة وأن ذلك يتطلب معاملات حسابية تفترض كتابتها لأجل تحقيق الدقة. تجدر الإشارة أيضاً إلى أن حديث صحيفة علي المشار اليه آنفاً، والذي يعتبر أكثر صحة من لاحقيه، ينص على أن ماكتب من السنة هو تلك الصحيفة الصغيرة التي استعرضها علي في مقالته تلك.

حديث أبي هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب: وهو حديث ورد في صحيح البخاري على النحو التالي : "حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو قال أخبرني وهب بن منبه عن أخيه قال : سمعت أبا هريرة يقول ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". إن الإستدلال بهذا الحديث لتأكيد نسخ حديث الرسول (ص) عن منع تدوين أحاديثه تشوبه ثلاثة عقبات رئيسية: أولاً ومن الناحية المبدئية ليس من المتاح معرفة أيهما الناسخ وأيهما المنسوخ لعدم توفر السياق الزماني لهذا الحديث على وجه الخصوص وللأحاديث المروية بشكل عام إلا فيما ندر، فالحديث، بإفتراض صحته ربما يكون سابقاً لحديث الرسول المشار إليه، ذلك الذي يفيد بالمنع. هذا من ناحية، ثانياً يتعارض هذا الحديث مع حديث صحيح آخر لعلي بن ابي طالب سبق ذكره ويشير بوضوح إلى عدم وجود أحاديث مدونة غير تلك المشار إليها في حديثه، ثالثاً، توجد إشكالية في قبول محتوى الحديث من الأساس بإعتبار قول أبوهريرة أن عبدالله بن عمرو روى أحاديث أكثر منه وهو ما تدحضه الإحصاءات التي بين يدينا حيث أن الأحاديث المنقولة عن أبي هريرة في صحيح البخاري مثلاً تفوق تلك المنقولة عن عبدالله بن عمرو بأكثر من عشرة أضعاف.

ثالثاً:

الرسول (ص) بشر، وبالتالي له صفاته وآراءه الشخصية النابعة من هذه الحقيقة والتي أثبتتها آيات القرآن وأحاديث الرسول (ص) نفسه : "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين" – سورة فصلت، "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" – سورة الكهف، "إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها" - صحيح البخاري، "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أن بشر" - صحيح مسلم، "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت ذكروني" - صحيح البخاري، "عن مسروق عن عائشة قالت : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلمها بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما فلما خرجا قلت يا رسول الله من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان قال وما ذاك قالت قلت لعنتهما وسببتهما قال أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا" - صحيح مسلم.

وكما هو معلوم فإن البشر، ومهما تمايزوا في تراكيبهم النفسية وتكويناتهم الشخصية وقدراتهم الذهنية، يتأثرون في أقوالهم وأفعالهم بالمجتمع الذي يحيط بهم بكل ما يشتمل عليه ذلك المجتمع من تقاليد وعادات وافكار وقيم وأساليب حياة وبكل ما يعتمل فيه من طموحات وآمال ورغبات. ومعلوم بداهة أن العوامل التي تؤثر في الإنسان متجددة ومتغيرة بإعتبارات التغير في الزمان والمكان وبالتالي ما يمكن أن يناسب شخصاً ما في زمن ما ربما لايناسب نفس الشخص لو تغير الزمان، وما يناسب شخصاً في مكان ما ربما لا يناسب شخصاً آخر في مكان آخر. صحيح أن الرسول (ص) كان شخصاً إستثنائياً في بشريته، بمعنى تمثله بالحد الأقصى من السجايا البشرية الحميدة كالأمانة والكرم والحياء. وصحيح أيضاً أن ربه قد ميزه على الآخرين، وفق هذه الإستثنائية، في جوانب عديدة ولأهداف مرتبطة بتسهيل دوره كرسول مثل عدم تقييده بالحد المعروف لعدد الزوجات. لكن ماعدا هذه الأمور الإستثنائية، فالرسول بشر مثل كل البشر الآخرين، بالبداهة وبدليل النصوص أعلاه، حيث أن الإعتقاد عكس ذلك يهز مبدأ الوحدانية الذي يمثل حجر الزاوية للعقيدة كلها.

على ضؤ ذلك لا يمكننا أن نفترض أن كل ماصدر عن الرسول (ص) سواءاً قولاً أو فعلاً أو إقراراً يمثل مصدراً للتشريع أو منبعاً لإصدار الأحكام. ولا يمكننا أن نفهم أن طريقة الرسول (ص) في تنسيق شعره أو لبسه يمكن أن تكتسب طابع الخلود وتكتسي سمة القدسية. الرسول (ص) قدوة لنا في تلك القيم الخالدة بطبعها كالصدق والأمانة والعدل، على الرغم من أن طريقة التعبير عنها قد تختلف هنا وهناك، لكن فيما عدا ذلك فالخيار متروك للبشر في تدبير أمر حياتهم وفقاً لمتغيرات عصرهم ومكانهم. وفي الواقع، يوجد من الأمثلة والشواهد البديهية ما هو كفيل ببيان بشريته (ص) وتأثره بالبيئة التي نشأ فيها، فقد كان يستخدم ناقته في الترحال وكان يقضي حاجته بشكل مختلف عن مانقوم به الآن فهل يمكن عقلاً إعتبار هذا من السنة وبالتالي يجب علينا الإمتثال لها؟ لقد وقف الرسول (ص) على المنبر، وفق ما جاء بصحيح البخاري، رافضاً نكاح علي بن أبي طالب من إبنةً لبني هشام بن المغيرة حيث قال : "فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق إبنتي وينكح إبنتهم فانما هي بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها ..". هل ما جاش بصدر الرسول (ص) هنا أمراً ربانياً خالداً أم هي عاطفة الأبوة التي لا يمكن أخذها كتشريع يمنع التعدد في الزوجات؟ أنه و لولا وجود نصوص أخرى في القرآن أو السنة أكثر حسماً وقوة وتواتراً تبيح التعدد لأفتى العلماء التقليديون الذين يأخذون كل ما جاء بالسنة كتشريع ومصدر للأحكام، لأفتوا بتحريم تعدد الزوجات تأسيسآ على الرفض القاطع الذي عبر عنه الرسول (ص) في هذا الحديث.

رابعاً:

بحكم وضعه الإستثنائي كنبي وكرسول لقوم تغلب عليهم البداوة وتنعدم لديهم مؤسسات الحكم المعروفة من تقسيم للأدوار وتخصيص للمسئوليات، ونسبة لعدم وجود قادة سياسيين يمكن أن يقوموا بمهام الحكم والإدارة والقضاء في الظرف الناشيئ الجديد الذي فرضته دعوة التوحيد الديني وما أدت إليه من نشؤ وحدة سياسية، كان من المحتم أن يكون الرسول (ص) هو مؤسس هذه الدولة وقائدها حتى إنتقاله للملأ الأعلى. لقد فرض هذا الوضع على الرسول (ص) دوراً جديداً كمصلح إجتماعي وقائد سياسي بكل ما يتطلبه ذلك من موجهات وقرارات لم تكن تضمن في دوره الأساسي كبشير ونذير. على ضؤ هذه الحقيقة يصبح من التعسف البالغ إعتبار أن ما قاله أو فعله أو أقره الرسول (ص) في هذا الدور يمثل جانباً مكملاً لرسالته ويصبح بالتالي جانباً من جوانب الدين أو ركناً من أركان العقيدة.

خامساً:

يحتوي القرآن الكريم على طائفة من الآيات التي دعم بها الفقهاء حجتهم حول الحجية المطلقة للحديث النبوي كقوله تعالى: " قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين" – سورة آل عمران، وكقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" - سورة النساء، "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " – سورة الحشر.

إنه لمن الواضح من السياق العام للآيات وبالرجوع لأسباب النزول أن طاعة الرسول (ص) المشار إليها لا تعني أن قوله وفعله وإقراره هي إمتداد للقرآن الكريم، وإنما أتت في سياق وضعيته الإستثنائية كقائد سياسي وإجتماعي، إضافة لدوره الديني كمبلغ لكلام ربه بالطبع. يمكننا أن نلمس المعنى المشار إليه بالتمعن في صيغة البيعة الواردة بصحيح البخاري : "حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس سمعت جريرا رضي الله عنه : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم"، فمن الواضح أن التركيز على إيضاح السمع والطاعة والنصح مرتبطة بوضعية الرسول (ص) كقائد سياسي إجتماعي حيث أن إقرار الراوي بالشهادة والصلاة والزكاة حسم أمر الإذعان للرسول (ص) كرسول ونبي من البداية ولايحتاج لتأكيد بعبارات السمع والطاعة والنصح.

نلمس هذا المعنى أيضاً في الإشارات المتعددة في القرآن الكريم لطاعة ولي الأمر ورد الأمر إليه في حالات التنازع مما يستدل عليه، كمثال، من الآية "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، والآية "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" - سورة النساء، والتي أبانت بجلاء أن رد الأمر يمكن أن يشمل حتى ولاة الأمر الذين ليس لهم بالتأكيد أي صفة نبوية، وبالتالي فإن تصرفهم المبني على رد الأمر إليهم لا يعدو أن يكون عملاً بشرياً محضاً، فيصبح جلياً، إذاً، أن رد الأمر للرسول (ص) لا يعني بأي حال أن السنة النبوية لها حجية القرآن الكريم. وفي الحقيقة يحتوي الخطاب القرآني على الكثير من النصوص التي تختص بدور الرسول (ص) السياسي والزعامي وتخاطبه أو تخاطب المسلمين وفق فرضية الوضع الإستثنائي للرسول (ص) كقوله تعالى: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب" - سورة الحشر. فما الذي يجعل عبارة "وما أتاكم الرسول فخذوه" ذات طابع خالد غير مربوط بمناسبة، وعبارة "وللرسول ولذي القربى" ذات طابع وقتي مربوط بوجوده (ص) على قيد الحياة، علماً بأن العبارتين نزلتا في آية واحدة ولمناسبة واحدة؟. فالمسألة إذاً تتعلق بوضوح بالدور الزعامي السياسي كما أن الحديث النبوي يؤكد أن رد الأمر إلى الرسول، ذلك المقصود في الآيات المشار إليها أعلاه، إنما يتأسس على أرضية قوله (ص): "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أن بشر".

سادساً:

لقد أشارت عشرات الآيات القرآنية إلى أن القرآن هو كتاب المسلمين، وبالتالي مصدر دينهم وأساس أحكامهم بغيرذكر لمصدر آخر، والأمثلة كثيرة: " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون" – سورة الأنعام، "الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين" - سورة القصص، " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " – سورة محمد، " ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون " – سورة الزمر إلخ. إذا كان رب السماوات والأرض جاعلاً للناس كتاباً آخر لدينهم غير القرآن لكن قد أعلن ذلك بوضوح، وبدون مواربة، فهذا أمر أكبر وأخطر من أن يترك لتقدير العباد و إستنتاجاتهم.

سابعاَ:

من المعلوم أن هذا تدوين السنة بدأ بعد وقت طويل من وفاته، أي بعد حوالي 200عاماً. ومن المعلوم أيضاً أن الذاكرة الإنسانية ومهما كانت قدرات البشر، لها طاقة محدودة وأنها قابلة للضعف يصيبها الوهن مثلما يصيب كل الأشياء خاصة إذا وضعنا في الإعتبار أننا نتحدث عن روايات منقولة عبر مجموعة من الأشخاص عاشوا في ظروف شهدت إضطرابات هائلة وإنقسامات حادة وسط المسلمين، مما يرفع من إحتمالية الحذف والإضافة في عملية النقل.

وحتى إذا إفترضنا جدلاً أن الذاكرة يمكن أن تصيب، عبر النقل الشفهي، في تذكر قول أو فعل حدث قبل أكثر من قرن من الزمان، فإنه من غير المحتمل والمعقول أن تسعفنا تلك الذاكرة لتحدد لنا اللحظة الزمنية التي تم فيها القول أو الفعل أوتعكس لنا السياق الذي تم فيه هذه القول أو الفعل، حيث أن اللحظة و السياق يعتبران عاملان حاسمان في إستنباط الدلالة من المنقول. لذا فإن القول بالصحة المطلقة لما روي عن الرسول (ص) وجمع في كتب الحديث المعروفة لا يتناسب مع البداهة البشرية، فإذا كان الرسول (ص) نفسه يقول "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت ذكروني" فكيف ننفي هذا عن من هم دونه؟

إن من الشواهد الحاسمة على إمكانيات الذاكرة البشرية ومحدوديتها، نسيان الرواة للوصية الثالثة للرسول (ص) وهو على فراش الموت حيث ورد: " قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ( ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ). فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه، فذهبوا يردون عليه فقال (دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه). وأوصاهم بثلاث قال (أخرجوا المشركين من الجزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها". إنه وعلى الرغم من الأهمية البالغة جداً، التي تفوق ما عداها، لهذا الحدث وللرسالة التي أراد الرسول (ص) إبلاغها نجد أن الذاكرة قد عجزت عن نقل بقية ماقاله الرسول (ص).

أننا نجد في صحيح البخاري نفسه، ناهيك عن مضاهاته مع كتب الحديث الأخرى، روايات متضاربة لقضية واحدة. وكمثال على ذلك الروايات التي تتحدث عن صحيفة علي، فتارة يكون محتوى الصحيفة "المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل"، وتارة أخرى : "العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر"، أيضاً من الأمثلة البينة حديث "الميت يعذب ببكاء أهله" الذي جاء بروايات مختلفة من ضمنها رواية السيدة عائشة التي تنسف الأخريات نسفا بتأكيد أن الحديث لا ينطبق على المسلمين بدليل قوله تعالى الذي ساقته "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

ثامناً:

إذا إفترضنا دقة النقل من فاه لفاه للحديث المدون حالياً، وتجاوزنا عن إختلاف وتباعد الظرف المكاني والزماني بين حدوث الحدث وتدوينه لفترة زمنية تمتد لقرنين من الزمان، وهو أمر لا يمكن تصوره عقلاً، نرى أنه من المستحيل تقبل أن كل ما قاله أو فعله أو أقره الرسول (ص) قد تم نقله. دليلنا على ذلك ندرة الأحاديث المروية عن أولئك الذين كانوا يشكلون الحلقة الضيقة المحيطة بالرسول (ص) منذ بدايات الدعوة كعلي وأبوبكر وعمر حيث لم يتجاوز مجموع ما روي عنهم جزءاً بسيطاً يكاد لا يذكر مقارنة بذلك المروي عن أبي هريرة، مثلاً، علماً بأنهم كانوا قادة الدولة وأصحاب الرأي ومستشاري الرسول (ص) فضلاً عن علاقتهم العضوية ببيت النبوة بإعتبار نسابتهم للرسول (ص)، في حين لم تتعد صحبة ابوهريرة للرسول (ص) بضعة أعوام لم تتسم فيه هذه الصحبة بأي حال من الأحوال بالعمق الذي إتسمت به صحبة الرسول بعلي وأبوبكر وعمر.

تاسعاً:

يدل سياق كثير من الأحاديث المروية على خطأ ما يعتقده البعض من أن كل الأحاديث ذات أصل ديني، أي أنها تعبر عن أوامر إلهية. كأمثلة على ما نقول مارواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إياكم والجلوس في الطرقات). فقالوا ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال (فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا وما حق الطريق ؟ قال (غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر)". ومارواه البخاري أيضاً عن جابر حيث قال : "كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى قال فأتاه فقال يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب فقال من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". فكما هو واضح من سياق الحديثين فقد كان للرسول (ص) رأيين قاطعين في شيئين نهى عنهما تماماً وهما الجلوس على الطرقات والرقي إلا أنه عدل عنهما كإستجابة لطلب من بعض أصحابه، فكيف يستقيم عقلاً أن يتم هذا العدول إن كان الأمر الأصلي صدر عن الرسول (ص) بصفته الدينية كناقل للوحي وليس بصفته السياسيةً والإجتماعية كرئيس وزعيم للمجتمع الجديد؟

عاشراً:

هنالك الكثير من الأحاديث الواردة بصحيح البخاري، وهو أصح كتب الحديث عند أهل السنة، لا يمكن القبول بها عقلاً، وتصطدم بحقائق العلم، وبالتالي لا يمكن لنا أن نقول أنها إلهية المنشأ. وكأمثلة لذلك : "قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس (أتدري أين تذهب). قلت الله ورسوله أعلم قال (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها..".
" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان أو الشيطان".
"إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد".
"ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران النيل والفرات".

من الواضح الذي لا يقبل الجدل أن النماذج اعلاه من الأحاديث الصحيحة لا يمكن أن تتفق مع معطيات العلم سواءاً فيما يخص حركة الشمس أو تحديد جنس المولود أو مكان منابع الفرات والنيل. وبإعتبار أن كلام الله لا يمكن أن يكون خطأ تصبح الإحتمالات المتاحة هي أن الأحاديث إما تمثل آراء شخصية للرسول (ص)، أو أنه لم يتم نقلها بدقة.

أيضاً هنالك نصوصاً رويت لا يمكن القبول بها عقلاً، فمن من الناس يمكن أن يقبل مثل هذا النص الوارد بصحيح البخاري مثلاً: "حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم" حيث ذكر الشراح: أن المراد أنه شاهد ما صورته زنا ورجم فقد ذكروا أنها كانت نائمة إلى جانب قرد فجاء آخر فغمزها فذهبت معه حتى واقعها ثم رجعت توهم أنها ما زالت إلى جنبه وهذا ربما يحصل بدافع الغريزة وإلا فالحيوان ليس مكلفا ولا يسمى فعله بما يسمى به فعل المكلفين من بني آدم.

خاتمة

لا شك لدينا من أن شرح كل ما يرتبط بالعقيدة والعبادات يعتبر من أوجب واجبات الرسل، كما أن البلاغ ليس هو المهمة الوحيدة للرسول (ص)، وإنما عليه البيان أيضاً. والمقصود بالبيان تلك الأحاديث، خاصة العملية، التي تشرح القرآن أو تفصِل فيه، فالقرآن، كما هو معلوم، لم يحدد ركعات الصلاة ولا مناسك الحج، مثلاً، وإنما ترك هذا كله للرسول ليوضحه. بيد أننا نتفق مع الرأي الذي يقول بأن السنة ليس لها تأبيد القرآن الكريم، وأنه يؤخذ بها ما ظلت صالحة فإذا ظهر أن التطور جاوزها، فإننا نعود إلى القرآن الكريم لإلتماس الحلول بما يتفق مع مقاصد وقيم القرآن.

لقد أوفى الأستاذ جمال البنا في كتابه "الحجاب" القول حينما قال " فإذا وجدت أحاديث ثبت تخلفها عن التطور فإننا نتوقف أمامها دون أي حرج لأكثر من سبب، وبناء على أكثر من أساس، كلها إسلامية، لعل أبسطها نفي الحرج وعدم التكليف بما يجاوز الوسع والطاقة.. وإنتفاء العلة أو الحكمة. وهذه كلها مبررات أصولية تدعو للتجاوز عن نص ما، والأخذ بنص آخر. ولكن الفقهاء لم يلجأوا إلى هذه المعالجة ذات الفعالية والتي تلحظ الإعتبارات والمتغيرات لأن خطهم الأصلي "ثبوتي" يقوم على قواعد المنطق الصوري ويلجأ إلى سد الذريعة وليس للتعامل معها".

إن من أهم وأبرز واجبات الفقه الجديد الذي ندعو ونتطلع إليه، هو النظر في هذا الكم الهائل من الأحاديث المنسوبة إلى الرسول (ص) في إتجاه فرز ما ورد منه بإعتباره بشراً وزعيماً لأمة، وماورد بإعتباره رسولاً نبياً. إن الهدف المنشود الذي يستهدف تجديد العقل المسلم وإخراجه من أزمته الحالية ليعانق الحاضر والمستقبل، لا سبيل إليه إلا بتثوير الفقه والخروج به من المسلمات والقوالب الجاهزة، تلك التي خلقها أناس مهما أطنبنا القول في مدحهم وسرد قدراتهم، يفتقدون عنصراً مهماً وجوهرياً وهو معرفة قضايا عصرنا ومتطلباته، ببساطة لأنهم بشر ليس لهم إمكانية التنبؤ بما سيحدث بعد مئات السنين. إن مأثرتهم الكبرى تكمن في قدرتهم على إدراك وفهم بيئتهم وظروف حياتهم، بشكل أتاح لهم إبتكار المناهج والآليات التي تسمح لهم بالإجابة على الأسئلة المرتبطة بواقع زمانهم وشروط مكانهم. فالتأسي الحقيقي بهم، إذاً، يجب أن ينصب في هذه الناحية وليس في إجترار مقولاتهم والترديد القردي لآرائهم، ولا في النظر إليهم وكأنهم ملائكة أو أنبياء. فهم رجال ونحن رجال!

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1811

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#551438 [الشيخ أبو الأنوار محمد جرمه]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2013 03:34 PM
فضيلة الأخ أمين عمر بعد التحية
ما أجمل ما أفادت به قريحتكمl من الحديث حول :دور الحديث كمصدر للأحكام. ما أتيت به هو أصل المهزلة التي اتبعها دعات الأخ بما جاء من السلف أو بما كان عليه السلف دون الأعتبار بان السلف لم يكونوا متفقين في كل شيء بل هناك نقاط خلافات عديدة فبأيهم نفتدي عند اختلافهم؟ ثم ما ذكرته من عاما الزمان والمكان لهو حجة ل يتجاوزها الا متنطع.
وأما ما أردت الاشارة عليه أنا فان الرجوع على العقل في جميع الأحوال لفهم القرآن والاحاديث النبوية يدخل المسلم في حيرة قد لايتجاوزهاكما ان اللغة العربية في بلاغتها وتشبيهاتها وكناياتها واستعاراتهاجعلت من الكتاب والسنة مادة تتناول من حيثياة عديدة وتأويلاةتفي أغراض كل من نصح لله ورسوله.
وعليه كل المور الأيمانية لادخل للعقل فيهاالا من حيث مطابقتها للشريعة أم لا فيما عدا ذالك فان العلوم اليقينية هي من شؤن القلب وأدواته التي حتى القلب يصبح واحد منها فقط. ونريد بذالك اللب حيث خاطب الله أولي الألباب والبصيرة في خطابه لألي الأبصار وزد عليها الأفئدة وذات الصدور كل هذه الآليات الادراكية لا تخضع للعقل بل هو يصبح واحد منها في قوله تعالى: أفلم يصيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها"الحج 46.
من هنا فان الآيات والأحاديث التي أشرت اليها وتظهر وكأن العقل لا يقلرهاقد تجد لهاتأويلا منطقبا عندماترجع للفهم الصوفي للنصوص أقصد ذالك الفهم الذي يقر بماأتى به الظاهر مالم يتناقض مع نص محكم ثم يضيف اليه فهم يزيده قوة وخاصة في مواضيع العقيدة على سبيل المثال حديث السدرة. فاذا علمنا أن السدرة هي شجرة النبق قال فيها رسول الله" من ملأ قلبه نبقا ملأ الله قلبه ايمانا" مما يدل على ان السدرة تعني أن أقصى ما يصل الليه المخلوق غير رسول الله من درجاة الايمان والمعرفة بالله. ولذالك توقف جبريل عليه السلام عندما بلغ في المعراج ذالك الحد.
أرجو أن أكون عبرت بوضوح عما رأيته صائبا في ورقتكم القيمة. نسئل الله لكم التوفيق في متابعة هذه المخمة بالغة الأهمية في هذا الزمن. وشكرا


#550629 [التميمي]
1.00/5 (1 صوت)

01-04-2013 07:58 AM
إقراء كتاب إصول الفقة للامام أبوزهرة يقول أن الاحاديث الصحيحة المتواترة - اى بلغة اليوم صحيحة ١٠٠% لاتتجاوز آصابع اليد الواحدة, واتفق معك ان هناك آحاديث لاتتفق مع وضع الرسول كمصلح إجتماعى مثلا حديث إياكم و خضراء الدمن, المراة الحسناء فى منبت سوء.
فكم من أمراة عفيفة خرجت من بيت منهار فهل دور الرسول تشجيعها و الثناء عليها ام تحريض المجتمع من عدم الاقتراب منها و الزواج بها وسد ابواب الحلال امامها فلا تجد الا باب الضلال و الامثلة كثيرة . لقد أثير كثير من اللغط حول مصداقية أبوهريره و أولهم من السيدة عائشة.

الكذب و الغش بصفة عامة عادة منتشرة فى مجتمعاتنا الاسلامية و هي عادة متوارثة إجتماعيا بمعنى انها ليس وليدة اليوم, فمعلوم ان خلفاء الدولة الاموية و العباسية كانو يغرون رواة الحديث حتى يضعو اسمهم من ضمن رواة الحديث.
فى رائ ان الحديث النبوي يحتاج لتنقيح , هل تعلم ياعزيزى أن هناك حديث نبوي منقطع السند اى ان احد رواة الحديث فى فترة ما مجهول بالدارجى كدة مامعروف القالو منو.


ردود على التميمي
Israel [ود الحاجة] 01-05-2013 09:07 PM
يا أخ تميمي ,الحكم على الاديان و المجتمعات لا يبنى على قول او تصريح لعالم واحد من علمائهم او زعيم من زعمائهم ما لم يعضده ءاخرون.ثم أن عليك ان تعلم أن الحديث المتواتر هو الذ رواه جمع كبير من الصحابة و ليس كل حديث صحيح بمتواتر و على هذا يفهم من قول ابوزهرة هذا انه يهني نوعا معينا من الاحاديث الصحيحة و ليس كلها

كما ان ابو زهرة ليس من علماء الطبقة الاولى في علم الحديث ,فتأمل.

أما حديث خضراء الدمن فهو يتحدث عن المرأة الحسناء التي تجذب الناس بجمالها فينسون البحث عن أخلاقها و بما انها تربت في بيئة سيئة و لو كانت من سكان الاحياء الراقية فعلى الانسان ان يمحص في أخلاقها ,هذا كل ما في الامر


#550626 [ود الحاجة]
5.00/5 (1 صوت)

01-04-2013 07:53 AM
اقتباس : (من المعلوم أن الرسول (ص) منع تدوين أحاديثه بحياته، بل طالب بمحو ماكتب منها إن وجد، حيث روى مسلم عن أبي سعيد الخدري: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه". )

تعليق : بعد التحية لكاتبنا العزيز فإ سبب المنع هو خوفه صلى الله عليه و سلم أن يخلط الناس بين القرءان و السنة خصوصا في عصر لم تكن الكتابة فيه منتشرة بين الناس.و الامر ليس بالسهولة التي تحدث بها الكاتب فبالرغم من ذلك احتاج جمع القرءان الكريم عند كتابة المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه جهدا كبيرا

ثانيا : وجود احاديث ضعيفة او ربما احاديث ضائعة اذا قدر وجود ذلك لا يمنع من أن تكون السنة الصحيحة مصدرا للتشريع و من المعلوم ان حديث التبي صلى الله عليه و سلم منه ما هو احكام و ما هو اخبار عمن مضى و ما هو انباء مستقبلية لذلك لا نتصور ان يكون ابو هريرة رضي الله عنه يقصد الاحكام عندما قال :وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم فكتم الاحكام يعتبر كتما للعلم و نحن نعلم عقوبة من يكتم علما, و لكن اذا صح ما ذكر عن ابي هريرة يكون ما كتمه ابو هريرة هو فيما يختص ببعض الانباء فيما سيقع مستقبلا لذا خاف ابوهريرة ان يقطع بلعومه المتضررين من هذه الحقائق


امين عمر سيد احمد
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة