المقالات
منوعات
بكلم ليك امي
بكلم ليك امي
01-12-2013 12:01 PM

بكلم ليك امي

منى سلمان
[email protected]

كان استاذ (معروف) يسير بتوئدة ووقار متجها لمدرسة البنات الثانوية التي يعمل بها استاذا لـ اللغة العربية، وعندما اقتربت خطواته من المدرسة كست وجهه ابتسامة ودودة كان يرد بها على تحايا طالباته المتوجهات نحو البوابة ..
كان الطريق امام المدرسة يعج بالحركة .. الكثير من العربات الخاصة وعربات الترحيل تفرغ حمولتها حيث تنزل منها الطالبات ويتوجهن نحو المدرسة في نشاط وصخب صباحي محبب، لذلك كان ا
ستاذ معروف يسير بينهن بحرص وهو يتفادى الاصطدام باحدى المندفعات في لهوجة وهي تسابق زميلاتها، عندما لمح تلميذته (عفراء) تنزل من ترحيلها من بعيد .. لا يدري ما السبب الذي جعله يركز عليها نظراته، لعله الاضطراب الباين في وجهها وكثرة تلفتها، وبدلا عن ان تتوجه ناحية المدرسة مع بقية زميلاتها توجهت للاتجاة المعاكس وسارت مسرعة نحو طريق جانبي ..
بحس المربي المخضرم، شعر استاذ (معروف) بالقلق على تلميذته فتبعها بنظراته وعندما رأها تختفي خلف الطريق ترك وجهته وسارع للحاق بها من بعيد .. سارت (عفراء) ناحية سيارة حديثة الموديل كانت تقف على جانب الشارع، وعندما اقتربت نزلت من السيارة تلميذته (مودة) .. تحدثت الفتاتين مع بعضهما لبضع ثواني ثم اخرجت (عفراء) كيس بلاستيك اخذته منها (مودة) ودسته في حقيبتها ثم عادت للسيارة التي انطلقت بها، عندها استدارت (عفراء) وعادت من حيث اتت فسبقها استاذ (معروف) نحو المدرسة ..
قبل نهاية الحصة الأولى جاء مرسال للفصل ليخبر (عفراء) انها مطلوبة في مكتب المدير، وعندما طرقت الباب ودخلت وقلبها يخفق من الوجل، وجدت في انتظارها استاذ (معروف) (أبو الفصل) يجلس بجانب المدير .. لم تصمد (عفراء) طويلا عندما حاصرتها الاسئلة الصعبة .. عن السيارة والكيس واين ذهبت (مودة) ومع من ؟؟!!
اعترفت لاساتذتها بأن ليس لها ذنب سوى ان (مودة) طلبت منها ان تحضر لها لبستها الجديدة (البنطلون الاسكني والتونيك الاحمر)، واخبرتها بأنها سوف تنتظرها في الصباح على الطريق الجانبي، وذلك لانها ترغب في (دك) المدرسة والذهاب مع (الجكس) للاحتفال بـ عيد تعارفهم الذي اكمل عامه الاول باحدى الكافتريات السياحية !!
في الجهة الاخرى، ما أن وصلت (مودة) مع (باسل) للمطعم حتى طلبت منه انتظاهرها وتوجهت نحو حمام النساء لتستبدل ملابسها وتتزين .. جلس الاثنان في احد اركان الكافتريا الهادئة وقد تقارب رأسيهما والتقت عيناهما في هيام وانهمكا في ونسة دقاقة عندما غطاهما ظل فجأة، رفعت مودة رأسها لتفاجأ باثنين من اساتذتها بصحبة المشرفة الاجتماعية يرمقونها شذرا وعيونهم تقدح شررا !!
عادت (مودة) للمدرسة بصحبة اساتذتها قبل انتهاء فسحة الفطور، وتوجهت معهم لمكتب الناظر في وجوم دون ان تلتفت لنظرات الفضول للبسها والاسئلة الملحة من زميلاتها بـ (في شنو .. مالك ؟)
داخل المكتب، هوت (مودة) عند قدمي المدير وهي تستعطفه باكية:
عليكم الله ما تكلمو لي ابوي .. والله العظيم حا يموت لو عرف الحكاية دي .. اكتلوني .. اضربوني .. اعملوا فيني اي حاجة بس ما تضربوا تلفون لأبوي .. والله ما حا يستحمل لانو عندو السكري ...
قاطعها استاذ (معروف) وقد رق قلبه لبكاءها:
ما دام عارفة ابوك عيّان يا بتي بتعملي الغلط ليه ؟ البوديك تباري الكلام الفارغ دا شنو ؟ والله لو تابعتي السكة دي تضيعي وتكسري ضهر ابوك الخايفة عليهو دا ؟
من بين دموعها قالت: تبتا والله يا استاذ .. تاني ما بعمل كدا .. سامحوني عليكم الله دي اول واخر مرة ...
نظر استاذ (معروف) للمدير يستطلع رأيه، ولكن الاخير رفض تماما التغاضي عن الحادثة، فلابد من ابلاغ ولي الامر ليأتي ويستلم ابنته لتخلي المدرسة مسئوليتها في حال تكرر منها الامر، واخبرها انه اذا عفى عن فعلتها فلا يأمن أن تقلدها البنات فـ(يزوغ) الجميع يوميا للقاء الاحباب في الكافتريات !! وعندما لم تجد (مودة) اذنا صاغية لتوسلاتها للملمة الموضوع طلبت من المدير ان يبلغ والدتها لتحضر للمدرسة وتستلمها وتكتب لهم التعهد بعدم تكرار ابنتها لنفس الفعلة مرة أخرى ..
أحم .. أحم .. بكيت معاها والله، حسنا يا جماعة، عادة ما تلجأ الفتيات لامهاتهن عند الوقوع في المطبات، كما تعودت الامهات – كل الامهات – على تغيب الاباء عن مشهد تعاطيهن مع وسائل تربية البنات الـ (همهن حتى الممات)، لا ادري حقيقة السبب الذي تقصي به النساء ازواجهن عن متابعة ما يجري في حياة فلذات اكبادهم ويفضلن معالجة الامور بعيدا عن حمشنة الرجال !!
هل هو الخوف من الحدة وعدم المنطقية في ردة فعل الرجال على ما يصدر من مشاغبات البنات ؟ أم هو الخوف عليهم من كسرة الخاطر وكسرة الظهر عندما تصدر العمايل السودة من بعض الطائشات ؟ حتى في امور الخير عندما تربّط الفتيات امورهن مع العرسان المرتقبين، تنسق لكل الخطوات مع امها ثم يتم اخبار الاب في اللحظات الاخيرة تمومة جرتق واكمال صورة !!
هذه العادة قديمة قدم التاريخ وليست مرتبطة بطرق التربية الحديثة التي تنتهجها امهات اليوم، والتي في غالبها تعتمد سياسة (سد دي بي طينة ودي بي عجينة)، ففي صغرنا كنا نرقص التوست على انغام اغنية بنات خفيفة تهدد فيها العاشقة محبوبها الـ (لبطة) الذي يأبى ان يتركها وشأنها:
بكلم ليك أمي .. تبعدك عني
حسنا فلنعد لـ (مودة) وما حدث معها في البيت، فعندما عاد والدها في المساء هاله تورم عينيها الذي يشي بكثرة البكاء وتجهم وجه امها الذي لم تفلح في اخفاؤه محاولتها الابتسام .. سألهن بدهشة: مالكن الليلة مكرضمات ومبوزات ؟ وعندما تعللت له زوجته بأنها (الليلة شاكلت مودة عشان مهملة قرايتا وما بتذاكر)، نادى (مودة) واجلسها بجواره ثم وضع يده على كتفها وضمها بحنان:
اسمعي كلام أمك يا ست ابوها وما تزعلي منها عشان هي عايزة مصلحتك ..
هنا فقط دفنت (مودة) رأسها في كتف ابيها وانفجرت للمرة المليون بالبكاء ........



تعليقات 13 | إهداء 0 | زيارات 3464

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#558043 [ABUBAKR MUSA]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2013 07:24 AM
تسلمي يا اخت مني كلام جميل السرد صادق في كل المعاني التي حواها والله هذا الكلام متكرر بسبة كبيرة جداً وللاسف الشديد تغيب الحقائق على الوالد كله بسبب الخوف الزائد من والدها لكن الخوف ان تاتي باشياء لا يحمد عقباها( رسالةللامهات ان يتعاملن بحزم في هذه الواضع التي قد تعصف بالاسرة باكلها) هناك اسر رحلت بسبب العار التي وقع عليها وهي من التستر علي هذه الاشياء اللهم اجعل مجتمعنا معافي من كل البلايا؟


#557854 [أبوكراعا حديد]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2013 07:00 PM
القصة حقيقية لكن بعض التفاصيل ما في داعي ليها لأنها نحفز الأخرين للتجربة؟؟


#557756 [ابو الدرداء]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2013 03:57 PM
لا بالله ما تكلمى


#557471 [جعفر النميري]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2013 10:46 AM
والله يا استاذة هذه (خطبة جمعة جامعة) لكل طلابنا وأقول طلابنا قبل طالباتنالأنهم حماة العرين لا الافتراس فما الفرق إذن بينهم والذئاب؟ يا بت سليمان حليل لما كنا نلم بناتنا الطالبات في السوق الشعبي وننتظرهن جميعاً كل خميس أو خميسين للذهاب لمدينتنا بالبطانة كل تحركاتنا كان معهن جماعي (عكس انفرادي) أصبحت الآن الطالبات كالحمام(جوز جوز)، حليل زمن (الحياء)!! أتمنى أن يمر جميع طلبتنا وطالبتنا على هذه العبرة حتى يعتبروا (فاعتبروا يا أولى الألباب) ، وكم حزنت لولي الأمر وإن كنت لا أعفيه من مسئوليته وربنا يحفظ وهو اللطيف الخبير.


#557466 [مريود]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2013 10:39 AM
الداير يشوف يمشي كافتيريا الاستاد .
كلام عجيب .
ولد ونبت كل واحد ملصق فخذه بالآخر وها يا غمز.
ولد يفرك أذن بنت .
ولد وبنت يسمعوا بالسماعة من الموبايل . بكت البنت .
شوف عيني ما جابوه لي .


#557415 [أبو عكاز]
5.00/5 (2 صوت)

01-13-2013 09:55 AM
شـــكراً لك ... لقد شدّنى حقاً اسلوب الرواية المتقن ، و لم تسلب حلاوة الرواية جودة المعنى ، فاكتمل العقد بالمظهر و الجوهر ... الحمد لله ، السـودان بخير .


#557396 [ود الراوي]
5.00/5 (1 صوت)

01-13-2013 09:37 AM
"نادى (مودة) واجلسها بجواره ثم وضع يده على كتفها وضمها بحنان:
اسمعي كلام أمك يا ست ابوها وما تزعلي منها عشان هي عايزة مصلحتك ..
هنا فقط دفنت (مودة) رأسها في كتف ابيها وانفجرت للمرة المليون بالبكاء ........"

وطبعا الوالد المسكين - والذي دائما ما يكون خارج التغطية في مثل هذه المواضيع - مشى عليه (الفلم) وصدق زوجته (الخبيثة) ....


#557206 [هدهد]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2013 06:38 AM
صراحة يا استاذة تصلحى راوية قصصية بالله عليك جربى عسى ان تبدعى فيها اكثر واكثر انتى خطيرة الله لا يرمينا فى قصصك هذه انتى ساحرة وسحارة .


#556913 [السودانى]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2013 04:58 PM
القصة دى من الواقع اليومى وفى الحقيقة الحاصل اكثر من ذلك


#556884 [Abu Areej]
5.00/5 (1 صوت)

01-12-2013 04:02 PM
شكيت محنك على الله يا منى .. هذا هو الذي يحدث بالضبط في الزمن السابق ولكن الان لا مودة بتخاف من موت ابوها اذا عرف ولا امها بتكلم زوجها بعمايل بنته .. ولكن كل اللوم على الام لانها هي التي تراقب الاولاد وتعرف كل او معظم الاشياء عنهم بسبب غياب الاب في البحث عن توفير متطلبات مودة واخواتها (السبعة)..
ربنا يستر بناتنا


#556863 [ابوالهول]
5.00/5 (1 صوت)

01-12-2013 03:32 PM
...بكيتيني والله ..دموعي الغالية نزلت ....حلوة جدا ..وجاااامدة ..استمري في هذا الطريق ...


#556834 [abumazin]
5.00/5 (1 صوت)

01-12-2013 02:54 PM
قصه جميله ومؤثره ولكي الشكر ياأستاذه يا رائعه


#556728 [الصليجابي]
0.00/5 (0 صوت)

01-12-2013 12:38 PM
شكرا لك استاذة منى على هذه الاستراحة الخفيفة الجميلة، والله أنت رائعة رائعة بكل ما تحمله الكلمات من معاني .


منى سلمان
منى سلمان

مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (2 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة