المقالات
منوعات
قصة قصيرة
قصة قصيرة
01-15-2013 08:28 PM

فخّ الأدب
قصة قصيرة

المعز عوض احمدانه
[email protected]

لأوّل مرّة ومنذ وقت طويل, أجد نفسي متورّطاً في هذا الجوّ الصاخب المضطرب, وأجدني مفتقداً لهدوئي وصفائي, ومضطرّاً للتخلّي عن عادتي الأثيرة لديّ, تحت هذا الضغط الإستثنائي الرهيب, وأيضاً للمفارقة البهيج.. إذ امتلأ بيتنا عن آخره حتى ضاق بالمهنئين, بعد لحظات قليلة من إذاعة الخبر, وإعلان اسمي عبر وسائل الإعلام.. والحقيقة أنّني قبل ذلك كنت قد مكثت أيّاماً, وأحاديث النفس وهواجسها تكاد تعصف بي وتفقدني صوابي, وتتلاعب بي كالكرة, إذ تأخذني مرّة ذات اليمين, ومرّة أخرى تقذفني ناحية الشمال.. والآن وقد انتهت الأمور إلى ما كنت أحب وأشتهي, فقد انقشع قلقي الذي أهمّني وسهّدني زمناً, وكأنّ حملاً ثقيلاً ضاغطاً قد انزاح عن كاهلي، فوجدتني خفيف الروح منتشياً فرحاً بالحياة والناس, وينطق وجهي ويشفّ عن سعادة كبيرة وفرحة عارمة تتراقص وتزغرد في داخلي.. كان يوم الإعلان هذا يوماً حافلاً ومرهقاً لي إلى أقصى درجة, حتى ما عادت تحتملني رجلاي من طول الوقوف وكثرة الحركة, لأنّنا اضطررنا فيه لإستقبال حشد هائل من الناس, والقيام تجاههم بما يلزم من ضيافة ومجاملة وحسن لقاء.. وبينما أنا في غمرة الإنشغال, أستقبل محتفياً, وأشيّع مودّعاً, إذا بشعور طاغٍ لا أكاد أصف روعته وجماله وحلاوته, يجتاحني ويسيل مدامعي.. كيف وقد وجدت نفسي محاطاً ومشمولاً بكل هذا الجوّ المشحون بالحبّ والدفء والمشاعر النبيلة.. ما أجمل الحياة وما أروعها وأنت تحسّ وتشعر بالناس حولك ومعك, يفرحون إذا فرحت, ويألمون إذا تألّمت, فتشعر بصدق ويقين أنّك لست وحدك.. وما أقسى الحياة وما أتعسها وأمرّها حين يغيب عنها هذا الإحساس الحلو الجميل, وحين تسودها الفرديّة الكالحة النكراء, وتطغى الأنانية البغيضة، فتشقى وتحترق بمن حولك, وكأنّك وأنت تحيا بينهم في رفقة الجفاء والوحدة والهجران جزيرة نائية معزولة.. لقد كانت مشاعر فيّاضة نبيلة, ودوافع قلبية حارّة, تلك التي حرّكت هؤلاء الرائعين الطيّبين تجاه بيتنا, وحتى لو عجزوا عن إبدائها وكشفها لنا بالكلام المنمّق البليغ, فهي أوضح من أن تغيب أو أن نعمى عنها.. فقط تكفينا وتسعدنا تلك العبارات الساذجة الحلوة البريئة, وتلك العيون الرائعة التي تشفّ عمّا ورائها من حبٍّ صادقٍ ودفءٍ ومودّة, وفوق ذلك طِيبة ليس لها حدود.. وأثناء هذا الإزدحام وفي معمعته كان بالي مشغولاً بشيءٍ آخر مختلف, أو على الأصح بإنسان آخر لا تكاد تفارقني صورته, فهي طيلة الوقت ماثلة شاخصة أمامي, وإبتسامته الخالدة مرتسمة على وجهه المشرق الوضيء.. ولعلّ سبب إستحضاري له في هذا التوقيت بالذات, أنّه هو مَنْ إليه يرجع الفضل الأكبر بعد الله عزّ وجلّ فيما أنا فيه اليوم من تكريم واحتفاءٍ وتقدير, لأنّه هو مَنْ صنعني أدبيّاً, وأعاد صياغتي بعد أن كنت تائهاً في دروبٍ شتّى ومجاهل ومفاوز بعيدة, فغيّرني وقلب حياتي كلّها رأساً على عقب.. وأجدني الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى أحسُّ بفداحة وعِظَم فقدي له, وبشدّة احتياجي إليه, وإذا العَبرة تخنقني والدمع يشرقني, لأنّني كنت أتمنّى لو شهد هذا اليوم ليرى بنفسه ثمار غرسه ونتائج إرشاده وتوجيهه.. لكن تخطّفته يد المنون القاسية وغيّبه الموت الجبّار عنّا إلى الأبد, ولولا ذلك لكان هو مَنْ يستحق التهنئة والتكريم والإحتفاء, وهكذا غاب الكبار من المسرح فتراقص عليه الصغار فرحين.. وبعد أن تقدّم الليل وأغلقنا بابنا خلف آخر زائر, طلبت منّي زوجتي وهي شبه منهارة من شدّة التعب والإنهاك, طلباً جعلني أتوجّه مباشرة إلى غرفة نومنا, وبينما كانت قدماي تحملاني وتسيران بي, كان بالي شارداً وسابحاً في الخيال بعيداً مع أستاذي ومعلّمي.. وإذا بشريط ذكرياتي معه يمرّ أمامي, فأنسى طلب زوجتي, وأذهل تماماً عن سبب قدومي إلى غرفتنا.. وإذا بي أعود بالذاكرة إلى بداياتي معه, حيث كنت كلّما زرته في بيته, وجدته قابعاً في أعماق خزانة كتبه, يقرأ ويطالع, وأكداس مكدّسة من الكتب تحيط به من كلّ جانب.. وكنت أعجب له ولشدّة صبره وجَلَده, وكانت حيرتي فيه شديدة, حتى أنّني كنت أقول في نفسي: إنّها والله لحياة تعيسة كئيبة هذه التي يحياها هذا الرجل، كيف له أن يختار لنفسه هذا الحبس الإنفرادي, ويرتضي أن يُدفن بين أكوام الكتب, وداخل هذا القبر الموحش, والحياة في الخارج تعجّ بمباهجها, دون أن يجبره أحد أو يضطرّه على ذلك شيء؟.. كل سجناء العالم يحلمون باليوم الذي يجدون فيه أنفسهم خارج الأسوار والزنازين, وقد فارقوا قيودهم وأغلالهم إلى رحاب الحرية.. هذا ميل فطري غريزي مجبول عليه الإنسان أينما كان, بل حتى الحيوان الأعجم يضيق بالحبس ويرنو إلى ساعة الإنعتاق.. كل هذا معروف لا يجادل فيه أحد, لكن أن يحبس إنسان بكامل عقله ووعيه نفسه, عن رضا وطيب خاطر, فهذا هو الأمر المحيّر العجيب.. كان عندما يراني قادماً عليه, يتهلّل وجهه فَرَحاً وسروراً, فيهشّ للقائي, ويحسن إستقبالي، ولا أدري هل كان يخصّني بذلك, أم هو هكذا مع الناس كلهم؟.. وبين كل مَنْ تعاملت معهم أعترف أنّني لم أجد مثله, في حسن أخلاقه ولطف طباعه وتواضعه الشديد, فمهما كنت أنت وكان وضعك الإجتماعيّ رفعة أو انخفاضاً لا فرق عنده بتاتاً, ستجده أثناء حديثك إليه يستمع إليك بإهتمام بالغ وحضور ذهني شديد, وكأنّك فيلسوف يُلقي عليه روائع أفكاره.. ولن تحسّ أبداً مهما أطلت جلوسك إليه, بالفارق الهائل بينك وبينه في غزارة العلم وسعة الإطلاع .. ولن تمسك عليه أبداً مهما حاولت واجتهدت, تعمّده ولو لمرّة واحدة أن يطبع في ذهنك ونفسك هذا الإنطباع.. والأجمل فيه أنّك لن تشعر وأنت في حضرته, أنّه كان يتكلّف التواضع, بل ستعترف أنّ تواضعه كان طبيعياً, يسري فيه بكل سهولة ويسر وسلاسة, بلا اصطناع أو تزييف.. ولذلك رسخ عندي أنّ الجهل والإستعلاء صديقان حميمان لا يفترقان, فإذا حدث أن رأيت أمامك إستعلاءاً فتّش دون تردّد عن الجهل.. وتأكّد لي تماماً أنّ العكوف على الكتب ودراستها، طريق سالك مضمون، إلى التحلّي والإتصاف بهذه الأخلاق الرائعة، والصفات الملائكية النبيلة.. لكن كيف السبيل إلى تحسين علاقتي الفاترة بالكتب, وردم هوّة الجفاء بيننا, ولا يزال في النفس منها إنقباض وإزورار وحتى كراهية؟.. وأذكر أيامي في المدرسة, وبالأخص حين تأتي وتُقبل علينا الإمتحانات, بأيامها الكارثية الكئيبة ، حيث كنت مكرهاً ومنقاداً من رقبتي خنقاً لملازمة الكتب والدفاتر، فأظل أضغط نفسي عليها ضغطاً شديداً, لكي تتسامى فوق كل عواطف البغض والكراهية, حتى أتجاوز هذه المحنة وأمرّ منها بسلام.. لذلك كنت أنكر مرّ الأيام البطيء المترنّح, وأستعجل إنقضاءَها لكي تمضي سريعاً فتخلّصني من هذا الكابوس المريع.. وكانت تغيظني جدّاً وتكاد تخرجني عن طوري دقّات الساعة المتمهّلة الكسولة المعلّقة أمامي, ولولا خوفي من أبي حينها لقذفت بها وجه الحائط وحطّمت عين أمّها, لكي تعرف مَنْ أنا ومَنْ تُواجه حينما تُخْرج لي وتمدّ ألسنتها الناعسة الغبيّة, بلا مبالاة وعدم إكتراث لفداحة ما أضمره لها من حقد ملتهب.. وبينما كنت أرسف في قيود الكتب وتثقلني أغلالها, كنت أنظر بحسد شديد إلى الأحرار من حولي,في الطرقات والمقاهي والأرصفة, وفي الحدائق والميادين والساحات العامة, بل حتى أولئك المتسمّرين أمام شاشات التلفاز باستمتاع ولذّة وسرور, كانت ضحكاتهم وقهقهاتهم تشقّ قلبي وتدهسه دون رحمة.. والحمد لله هي أيام قد خلت وانصرمت بخيرها وشرّها, وإن كان لا يزال يحزّ في النفس منها شيء, إذ ينتابني بين فينة وأخرى الأسف الشديد عليها.. والآن أنا وإن كنت أعيش أيام حرّيتي وانعتاقي بلا ضغوط ولا أثقال, لكني أعيشها بتصوّر جديدٍ مغاير, بل ومعاكسٍ تماماً.. وإذن في تلك الأيام الغابرة كان مجرّد منظر الكتاب يبعث في نفسي صنوفاً من الذكريات المريرة القاتمة.. وطبعاً هذا قبل أن تتوطّد وترسخ معرفتي الشخصية لصاحبي, ومن قبل أن تتصل وشائجي وعلائقي المتينة به.. ولن أنسى ما حييت ذكرى أوّل لقاء لي به, إذ ما إن وقع نظري عليه وهو في أحضان صومعته وبين كتبه يقرأ ويطالع حتى بادرته بالسؤال: هل أنت مقبل على امتحانات وشيكة تتأهّب لها؟.. فأجابني بما أذهلني وزاد من حيرتي فيه, وابتسامة واسعة مشرقة تعلو وجهه: إطلاقاً, هذه هي هوايتي التي أجد فيها نفسي, ولا أحسّ راحة ولا أجد متعة من بين كل مُتع الدنيا إلّا فيها, وعلاوة على ذلك أرى أنّني مهما أطلت جلوسي أمام الكتب فإنّ الزمن لن يكفيني أبداً للإطلاع على كل ما أهفو وأتوق إلى معرفته, لذلك أنا في سباق مستمر مع الزمن.
ولأنّني لم أستطع إستيعاب هذا الكلام وهضمه، بسبب إنطباعاتي السيّئة عن الكتب قلت في نفسي: إنّ لله في خلقة لشئون.
وفهمت حينها تماماً وتأكّدت عندي المقولة التي تقول: لولا إختلاف الآراء لبارت السلع.
ومع ذلك لم يمنعني هذا الرأي الذي صدمني وأدهشني حينها من التعلق به والإكثار من زيارته, لأنّه كان يسحرني بكلامه, ولأنّي كنت أجد متعة بالغة في محاورته والحديث إليه.. ومن جانبه كنت أحس إستمتاعه بما أنقله إليه من أخبار الناس وحكاويهم.. حتى فاجأني يوماً حينما قال لي بعد إستماعه إلي حكاية طويلة سردتها عليه: لماذا لا تكتب القصة وتحاول ولوج عالم الكتابة؟, فأنا ألمس فيك هذه الموهبة من خلال سردك الشفاهي هذا، وأراها واضحة فيك, فقط تحتاج إلى صقل وإجتهاد كبير منك.
قلت في نفسي: أنا الذي أكره الكتب وأبغض سيرتها يدعوني صاحبي للمفارقة العجيبة والساخرة إلى تأليفها.
ثم أجبته ضاحكاً: حاول غيرها, إنك تريد إستدراجي إلى هوايتك لكي أصير مثلك سجيناً للكتب ومقبوراً تحت ركامها.
ردّ علىّ مبتسماً: إطلاقاً, فقط رأيت أنّك تستطيع أن تستغل موهبتك على نحو مثمر ومفيد, ومَنْ يدري لعلّه يوماً يصير لك شأن كبير في عالم الأدب.
والحق أنّني قد إستغربت هذا الكلام جدّاً, ولم أجد ما أقول, فسكتّ وسادت فترة صمت بيننا, ثم كسرت هذا الحاجز بشيء من السخرية وقلت له: لعلك تريدني أن أكتب قصص حب وعشق وغرام.
أجابني: ومَنْ قال إنّ فن القصّة هو فن مكرّس فقط لقصص الحب والعشق والغرام؟.
وبشيء من التردّد أجبته: هكذا هي أغلب القصص التي ترويها أفلام السينما والمسلسلات التلفزيونية, وكنت أتمنى لو شاهدت الحلقة الأخيرة من مسلسل " هجران " وكيف أن البطل...
قاطعني وقد إعترت نبرة صوته حدّة خفيفة: هذه نظرة سطحيّة جدّاً ويؤسفني قول ذلك, لأنّ هناك نواحٍ كثيرة ومتعدّدة في الحياة يمكن لهذا الفن معالجتها, وأستطيع أن أفصّل لك بعضاً منها لو أحببت, لا تدور حول محور ميل الرجل للمرأة وميل المرأة للرجل وإشتهاء كل منهما للآخر, بل حتى الحب نفسه له معانٍ كثيرة غير هذا المعنى الذي يتم الطَرْق عليه بإستمرار, ولا أدري لماذا التركيز الشديد على هذا الجانب فقط دون غيره؟، حتى تردّت وهبطت وانحدرت كثير من الأفلام والمسلسلات إلى هاوية سحيقة ودركات سوداء بما لا يمكن بحال أن نعدّه أدباً راقياً.
ثم نهض من مقعده وتوجّه ناحية مجموعة من الكتب موضوعة على أحد الأرفف, وجعل يتصفّح عناوينها ويقلب فيها, ثم أخيراً إستلّ من بينها كتاباً نفض عنه الغبار وقدّمه إليّ مبتسماً إبتسامة بَدَتْ لي مختلفة عن سابقاتها وقال: أعرف أنّك لست من هواة الإطلاع لكني أتمنى عليك أن تقرأ هذا الكتاب, وخذ كامل وقتك فيه, وعلى أقل من مَهْلك, دون أن تستعجل في إعادته لي, هذه رغبتي أرجوك حقّقها لي.
وأعترف أنّني بعد كلامه هذا ورجائه لي قد إستحيت من ردّ الكتاب وأن أرفض طلبه, فلم أجرؤ على الإعتزار وجبنت أن أكاشفه بحقيقتي, وهي أنّني من ألدّ أعداء الكتب والإطلاع, وهُوَّة الجفاء التي بيننا ليس من سبيل إلى رتقها.. لكني وجدت نفسي مضطراً إلى إستلامه وفوق ذلك إعطائه وعداً قاطعاً بقراءته.. ثم مضت أيام والكتاب بحوزتي ولا أدري ماذا أفعل به, وما هي الحيلة للخروج من هذه الورطة الكبيرة التي حشرت نفسي فيها؟، وخفت أن يلاقيني فيسألني عنه وعن رأيي فيه, فأجد نفسي بين مأزقين إما أن أكذب عليه وهو ما لا أرضاه أبداً, وإما أن أصارحه فأخاف أن يجد في نفسه مني ويأخذ في خاطره, ولا أريد لصداقتنا أن يصيبها أيّ خدش أو سوء, فأنا حريص على بقائها وإستمرارها ولا أريد أن أفقده.. لذلك لم أجد مفر سوى الاستسلام والرضوخ لغريمي وحمله الى بيتي, بعد أن وطّنت نفسي وأقنعتها أن أقرأ كل يوم صفحة واحدة ولا أزيد عليها.. إذ كنت أدرك تماماً حجم إطاقتي ومدى تحمُّلي وصبري.. فلأن أبدأ خير من ألّا أبدأ, وأن أصل متأخّراً خير من ألّا أصل.. وأيضاً لكي أقول له عندما يسألني أنّني لا أزال أقرأ فيه, فأكون صادقاً معه.. وبدأتُ مشوار عذابي الإضطراري, وعلى غير ما توقعت كانت المفاجأة المدوّية, وحدث المستحيل.. إذ ما إن شرعت فيه, وعلى مضض مني وكراهية, حتى ألفيت نفسي رويداً رويداً تنجذب إليه, ثم أخيراً تقع صيداً سهلاً في فخّه وشباكه, وإذا أسلوبه الرائع يأسرني, وقصّته تأخذني تماماً حتى أذهلتني عن نفسي.. ولأوّل مرّة في تأريخي كله يفعلها معي كتاب.. وصرت ما إن أفرغ من صفحة حتى أجد نفسي مدفوعاً الى الصفحة التي تليها, دون أن أشعر بمُضِي الوقت أو أعي لإنسرابه.. وعشت في خدَرٍ حلو لذيذ, وانقطع إدراكي تماماً عن واقعي ومحيطي.. وكأنّ سحراً غامضاً لا أدرك كنهه ولا سرّه, قد سرى في أوصالي وشمل جسمي كلّه, فمَلَك عليّ أمري واستعبدني لرغباته.. لدرجة أنّه كان إذا حدث أن انقطع هذا السحر وبطلت تعويذته مؤقّتاً, بسبب قطع القراءة لأمر طارئ ضروري, لابدّ من القيام به والسعي إليه, فإنّ شعوراً قويّاً طاغياً بالضيق كان ينتابني, ويجعلني متململاً وشديد الشوق واللهفة لفرصة أخرى تسنح لي, كي أواصل ما انقطع من أحداث شائقة ممتعة, وأسلوب ساحر فنّان.. وكانت بحق وحقيقة قصّة رائعة ممتازة, محبوكة بعبقرية مذهلة وذكاءٍ منقطع النظير, لا سيّما وقد كان عنصر التشويق فيها طاغياً قد بسط سلطانه ونفوذه من أوّلها وحتى آخر سطر فيها.. فكنتُ كمن أشاهد فيلماً سينمائيّاً بل أروع وأمتع, لأنّ أحداث قصّة الكتاب كلها تجري بكل تفصيلاتها وشخوصها في الخيال وحده, وتتصوّر فقط في الوهم وعلى أجمل ما يكون, بسبب دقّة الوصف وجمال الأسلوب ورشاقة العبارة.. وللأسف الشديد وقبل أن تمهلني مزيداً كنت أتمنّاه من المتعة وإحساس الجمال, إذا بأحداثها تنصرم وتنطوي صفحاتها سريعاً، فأجدني أفرغ من قرائتها, وعطشي القديم الذي انفجر وبدأ للتوّ ينوح في جوفي ويلحّ عليّ لم يبرد بعد, ولا أظنّه سيبرد يوماً وتنطفي جذوته التي إلتهب أوارها حتى أوسّد رمسي ويواريني الثرى.. ولأنّني كنت أودّ لو طالت وطالت متعتي, ولأنّني أحببت أن أعيش مجدّداً في ظلّ هذه الساعات الحلوة الرائعة الجميلة, راودتني بشدّة فكرة أن أبدأ قراءتها من جديد, وبالفعل أعدتها ولكن لم تُشف الإعادة غليلي, ولم تُخمد ناري التي اشتعلت لتنادي بالمزيد.. وسأظلّ أذكر ما حييت هذا الكتاب وما أحدثته قصّته فيّ من انقلاب كبير وزلزال هائل، إذ كيف يتسنّى لي نسيان صدمة غيّرت مجرى حياتي تماماً, وأحكمت وثاقي الأبدي وقذفت بي إلى عالم الكتب والآداب؟.. وإذا بالندم يجتاحني على أيام الخصومة والمقاطعة, التي انصرمت دون أن أنعم فيها بهذه العوالم السحريّة الفاتنة الخلّابة.. ولا أدري هل كان الذنب ذنبي أم ذنب الكتب الجافّة الكئيبة المقزّزة, التي كنّا مخنوقين خنقاً ومنقادين من رقابنا قسراً وإكراهاً للعكوف على دراستها واستيعابها؟.. وغفر الله للمدرسة أيامنا إذ رسّخت في قلوبنا الغضّة الطريّة انطباعات سيئة عن الكتب.. وأخيراً وجدت نفسي أحمل الكتاب الذي نفض عني آثام المدرسة وأدرانها وقلبني رأساً على عقب إلى صاحبه وصاحبي.. ودخلت عليه بغير الوجه الذي تعوّدت أن أدخل به عليه, ولعلّه لمح ذلك وأدركه, إذ لم يسألني كيف وجدت الكتاب على عكس ما كنت متوقعاً.. وبدلاً من أن يسألني, أخرج لي كتاباً آخر وقدّمه لي, ونفس الإبتسامة السابقة مرتسمة على وجهه, فسارعت إلى أخذه بدون تردّد, عكس ما فعلت في المرّة الأولى.. وإذا بي أبدأ مشوار المتعة الأدبية من أوسع أبوابه, وأجد نفسي موضوعاً في أوّل الطريق.. ومَنْ كان يمكن أن يصدّق هذا التغيير المفاجيء الكبير, إذا كنت أنا نفسي لا أكاد أصدّق حدوثه.. وكما كنت أستمتع بالحدائق الخضراء الزاهية وبالمناظر الجميلة الخلّابة, وأيضاً بالسينما والمسارح ودور العرض, بدأت أستمتع بالمكتبات ومعارض الكتاب, التي كانت وقبل أيام قليلة فقط آخر شيء في الدنيا كلها يمكن أن يكون مصدر متعة لي.. وإذا الأيام تمضي بنا معاً حتى أجد نفسي أقفز خطوة أخرى إلى الأمام, حيث كانت سعادة صاحبي ومعلّمي وأستاذي الجليل بي كبيرة, عندما وضعت بين يديه باكورة إنتاجي الأدبي, وأوّل قصة قصيرة كتبتها في حياتي.. وبعد أن أنهي قراءتها ابتسم لي ابتسامة واسعة, ولم يُبد أيّ تعليق عليها, ولعلّه لم يشأ أن يفسد فرحتي بها بملاحظاته وتعليقاته, فقط شجّعني وحثّني على المزيد من الإطلاع وعلى المزيد من الكتابة.. واليوم وبعد مُضِي كل تلك السنوات الطويلة, عرفت وأدركت أنّ قصّتي تلك التي لا أزال أحتفظ بها, فيها الكثير من نواحي القصور والخلل, لكنّه كان رائعاً جدّاً في توجيهه, وجميلاً الى حدٍّ بعيد في تدريبي وتعليمي والأخذ بيدي في الطريق الشاق الطويل.. وبينما أنا مستغرق في ذكرياتي هذه الرائعة الجميلة, إذ دخلت عليّ زوجتي فقطعتها وأخرجتني منها, وقد كانت تريدني أن أختار من بين ملابسي ما يليق بالحفل المقام غداً على شرف تسلّمي للجائزة الأدبية التي فزت بها موخّراً.. وعندما اكتشفت أنّني لم أفعل شيئاً ممّا طلبت مني, انفجرت في وجهي وصاحت قائلة: لماذا تريدني دائماً أن أقوم بكلّ شيء في البيت وأنت تجلس هكذا لا تساعد ولا تخدم حتى نفسك, فقط تُحدّق وتُبحلق في الفراغ والعدم؟ هل تتصوّرني ماكينة لا يصيبها الإعياء تدور دون توقّف؟ والله هذا حرام.
ولم أشأ أن أقطع ذكرى أستاذي الحبيب قبل أن أترحّم عليه في صوتٍ خفيضٍ جدّاً مراعاة لهياج زوجتي, وإذا بتمتماتي تزيدها غيظاً وحنقاً, فتخاطبني في حِدّة وتنمُّر: ماذا تقول؟ لماذا تتمتم بالكلمات الخافتة؟ ألا تصدّق أنّني قد تعبت من العمل في البيت؟ غيري ومَنْ هُنّ في مثل وضعي يرقدن مسترخيات لا يعملن شيئاً سوى الإهتمام بشئونهنّ الخاصة, والخادمات حولهنّ يقمن بكل شيء, أمّا أنا فلي الله, ومع ذلك لا أحظى عندك بأيّ تقدير, مَنْ غير هذه البغلة تستطيع أن تتحمّل كل هذا ؟.
وعندما علت الإبتسامة وجهي استغراباً لردّ فعلها العنيف والمتوتّر, ازدادت ثورة غضبها توهّجاً.. ولمّا لم تُجد كلماتي معها نفعاً لتهدئتها, تركتني محتاراً فيها وذهبت لحال سبيلها.. وبينما كنت أقوم متثاقلاً لإنجاز طلبها إذا بذاكرتي تستدعي صورة ذلك الشاب الذي كان من ضمن المهنئين لكنه كان الوحيد بينهم الذي لفت نظري, لأنه صارحني بقوله: رغم كوني لم أقرأ لك شيئاً, لأنّني أصلاً لا أميل إلى القراءة ولا أحبها, فإني أتقدّم إليك بأحرّ التهاني لأنّني أحب النجاح وأعجب جدّاً بالناجحين..
فأجبته: أنت بالذات أطلب منك أن تزورني مراراً, وأرجوك لا تستحي من أن تطرق بابي متى شئت.
استغرب الشاب كلامي وعجب لطلبي لكنه وعدني قائلاً: إنّ هذا شرف كبير لي.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 908

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#559694 [خالد]
0.00/5 (0 صوت)

01-15-2013 08:44 PM
لك التحية والتقدير الأستاذ المعز وانت مشروع روائي متفرد وبدأت بما انتهي به الأخرون


المعز عوض احمدانه
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة