في



المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
محمود عبدالعزيز ومصطفى سيد أحمد.. يا مَوْتُ انتظرْ.. حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
محمود عبدالعزيز ومصطفى سيد أحمد.. يا مَوْتُ انتظرْ.. حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
01-18-2013 05:28 PM

محمود عبدالعزيز ومصطفى سيد أحمد.. يا مَوْتُ انتظرْ.. حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع

خالد فتحي
[email protected]

وقال له الموت هاشا: (صه يا كنار، وضع يمينك في يدي).
وطويلا اصطرع (الحوت) نحيل الجسد عالي الهمة مع الموت حتى صرعه الاخيرفي وقت مبكر بالعاصمة الأردنية عمان.
الشاعر المصري حسن بيومي (تغنى له مصطفى سيد أحمد برائعته عجاج البحر)، يقول: يرحل عنا بأسرع ما يمكن أجمل الناس وأصدقهم وأحقهم بالحياة، وكأن حياتنا لا تروق لهم.
قطعا الموت يفجر أسئلة فلسفية عميقة، لكن ثمة موافقة تبدو غريبة.. فمحمود عبدالعزيز كان (صريع تقاضاه الليالي حشاشة يجود بها والموت حمر أظافره)، فهل كانت مصادفة أن يسبل الحوت الجفن ويسلم الروح في ذات اليوم الذي رحل فيه مصطفى سيد أحمد بالعاصمة القطرية الدوحة منذ (17) عاما؟.
لقد رحل مصطفى سيد أحمد في يوم كالح السواد.. كان فراقا صعبا على الجميع احتماله حتى أن صفيه النجم المتعدد المواهب يحيى فضل الله جادت قريحته بكلمات آية في الزمان: (لا تتركوني لهذا الحزن وحدي)، ربما أحس وقتها أن هذا الحزن لا محالة مهلكه لوتركوهما معاً وجها لوجه.
ولسيرة مصطفى سيد أحمد ومحمود عبدالعزيز الكثير من (الملامح والشبه)، فالاثنان تعذبا بإبداعهما وواجها محاربة لا توصف من الأجهزة الرسمية، وفي وجه ذلك المنع ابتدع مصطفى جلسات الاستماع فيما وجد محمود في الكاسيت متكأ وملاذا، وفيما بعد أجبر انتشارهما الأسطوري ذات الوسائط التي صدعت بمحاربتهما في التقرب إليهما ومحاولة كسب ودهما تقديرا لنبوغهما ولجماهيريتهما الخرافية.
والاثنان معا عانيا كثيرا من ويلات المرض وأخذت متابعة تفاصيل جلسات ورحلات علاجهما حيزا واسعا من متابعة عشاق فنهما بل جلبت عليهما عطفا إضافيا.
ولعل هذا وربما إحساس خفي بأن أيامهما في الحياة قصيرة، أدخلهما في سباق مع الزمن لرفد سوح الفنون بأكبر قدر من الأعمال.
ويقول الشاعر مدني النخلي في ذكرى رحيل مصطفى العام الماضي: (كنت ملازماً لمصطفى أثناء مرضه بالدوحة لمحت فى تصرفاته وسلوكه، طرائق مختلفة السلوك العادى، لقد كان يغني ويترنم بالعود ودمه ينزف لما يعانيه من مرض).
ثم يلتقيان في الموت خارج مضارب الوطن، لكن قبل ذلك تظهر ثمة مصادفة لعلها الأغرب والمتمثلة في القاهرة كمحطة أولى لجأ إليها الراحلان فمصطفى غادر الخرطوم إلى القاهرة ومكث بين ظهرانيها سنوات قبل أن ييمم وجهه شطر الدوحة القطرية وهناك جادت الروح بأنفاسها الأخيرة قبل أن يعود في بطن صندوق خشبي محمولا على ظهر طائرة قطعت الفيافي والبحار (تفوت بلاد وتسيب بلاد) حتى بلغت مقرن النيلين وسجي للصلاة عليه في معهد الموسيقى والمسرح قبل مواراته الثرى في مسقط رأسه بود سلفاب في مراسم جنائزية لم يسبق لها مثيل، لقد أظهر أنصاره دفقا وعشقا بلا نظير وهبوا خفافا وثقالا لوداعه. يومها قال الشاعر أزهري محمد علي (لم ندفن مصطفى بل زرعناه لينمو لنا مليون مصطفى).
أما محمود فبعد تشافيه من نوبة المرض الأولى حط رحاله بالقاهرة ومنها إلى بيروت في رحلة تطاولت إلى أكثر من شهرين، قبل أن يعود لمعانقة جماهيره في حفل أسطوري على خشبة مسرح بنادي الضباط، ولم يلبث قليلا حتى ضجت مجالس الخرطوم بالحزن بعد أن عاد إلى مستشفى رويال كير للتعافي من ذات الآلام.
تلك (الدخلة) التي لم يقم منها محمود على الإطلاق.. ومن صمت رويال كير وحجرة عنايته الفائقة انتقل عبر طائرة طبية خاصة إلى مستشفى ابن الهيثم بالأردن.. صمت في صمت في صمت.. حتى لقي ربه.

بذا يكون محمود ومصطفى كلاهما لقي ربه خارج الوطن في ديار غريبة بعيدا عن أهله وأحبائه؛ فمصطفى رحل في قطر ومحمود أغمض عينيه في الأردن.
الأشهر القليلة التي فصلت بين مرض محمود الأول ومرض موته الأخيرة شبهها البعض بـ(فجة الموت)، لم يهنأ الحوت فيها بشيء فسرعان ما تفجرت تداعيات حادثة مسرح الجزيرة الذي تسبب عشاق محمود في تحطيمه لتأخره في المجيء إليهم وما أعقب الأحداث من اجراءات قاسية أرهقت الحوت جسديا ومعنويا.
محمود عبدالعزيز كان ناطقا رسميا لجيل بأكمله، بما امتلكه من موهبة استثنائية، وخامة صوتية تجاوز مدى الإدهاش فمع أن الحوت من الخامات الصوتية الغليظة، لكن ميزته موهبة فائقة سهلت انتقالا بسلاسة ويسر في المنحنيات الموسيقية العالية والخفيضة، بما يجلب أكبر قدر من التطريب والتنغيم بجانب أن تجربته الغنائية طوفت على جميع أطراف السودان، من الشرق والغرب والشمال والجنوب.
بالرغم من أن محمود يكاد يكون حالة فريدة في مسيرة الأغاني السودانية إذ لم يجرب تلحين أي من الأعمال التي تغنى بها على الإطلاق.
أما مصطفى فشكل مدرسة بحالها، وأرهق نفسه أيما إرهاق في البحث عن الكلمات الجديدة والأشعار المعبرة، لقد كان تجربة فنية سودانية فريدة، مدهش فى اختياره للكلمات، مبدع في اللحن، رائع الصوت، تتسرب أغانيه إلى الأعماق دون استئذان، فتستقر في الجوف ولا ترحل.
ويؤكد النخلي أن مصطفى يبحث في داخل النص ولديه مشروع ثقافي واسع يستطيع أن يشكل الكتابة في اللوحة الملتزمة، رغم أن للاغنيات لوناً آخر.
لكن يبقى ثمة سؤال فلسفي آخر: لماذا لا يتخير الموت الشتاء ليطرق الباب على ذوي الصولة ممن عشق الناس من الفنانين؟!!. فموسيقار وادي عبقر محمد وردي رحل شتاءاً في 18 فبراير ومصطفى ومحمود عبرا حاجز البرزخ لحيث الأبدية، في 17 يناير.
على عكس الشعراء الذين يرحلون في الصيف مثل (حميد) الذي رحل بعيدا في مارس الماضي (في عز الصيف) وصاحب (الطير المهاجر)، صلاح احمد ابراهيم اغمض الجفن في مايو .
ولقد كتب جوان فرسو لمحمود درويش على مدخل جداريته (مازلتُ أؤمنُ بعدكَ أن الشعراءَ لا يرحلون إلاّ في الصّيف لأنهم فراشاته التي تحترقُ في صداه.. على من سنقبضُ بعد اليوم بشباك خيباتنا وقد مضيت دونما استئذان؟ لا تعتذر عمّا فعلت).
لقد رحل محمود كما فعل مصطفى من قبل لكن تبقى سيرتهما العطرة شذى يغري أنوف العاشقين لفنهما على الدوام بزيارة المحراب والتبتل فيه كلما ألمت بهم برداء الحياة وأوجاعها.
لقد هزم المبدعون الموت لكنه انتصر كمقالة محمود درويش
هَزَمَتك يا موتُ الفنونُ جميعُها
هَزَمَتك يا موتُ الأغاني في بلادِ الرافدينِ
مسلَّةُ المصري، مقبرةُ الفراعنةَ
النقوشُ على حجارةِ معبدٍ هَزَمَتك
وانتصَرتْ وأفْلتَ من كمائِنِكَ الخلودُ
فاصنعْ بنا، واصنع بنفسِك ما تُريدُ، هزَمَتكَ يا موتُ.





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1782

خدمات المحتوى


التعليقات
#562434 [اقرسكتى]
0.00/5 (0 صوت)

01-19-2013 09:14 AM
هذا الصحفى انسان مبدع لكن البلد ضيقة هذا السرد وهذة اللغة وهذا الوصف لاياتى الا من صحفى متمرس ومثقف رجل من داخل حوش الصحافة وكفى


خالد فتحي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة