المقالات
منوعات
من خواطر قلب ذبحه الرحيل..وقفة تأمل في رحيل كوكب الامل
من خواطر قلب ذبحه الرحيل..وقفة تأمل في رحيل كوكب الامل
01-19-2013 06:18 PM

من خواطرقلب ذبحه الرحيل
وقفة تأمل في رحيل محمود عبد العزيز كوكب الأمل الذي أفل

المثني ابراهيم بحر
elmuthanabaher@gmail.com

وكما في الدراما الاغريقية كان القدر هو الذي يقود خطواتك في شوارع الحياة..وكنت تمضي .. ولكني كنت اجهل ان ستارة المشهد الاخير ستنفتح فجأة علي مشهد يوقظ احزان القلب الموغلة في الاعماق..وتمزقت الستارة عن جرحا شاسعا ينبض ابداعا معذبا اسمه محمود عبد العزيز....
يوم الخميس 17 يناير كان يوم عزف لحن الختام الحزين لمشاهد رحيل اعظم مبدعي السودان عن دنيان الفانية وأستحالت سماء السودان الي سوادا اكتساه الوجود وهطلت امطار الدموع التي علت الوجوه المكلومة علي تلك الجموع التي احتشدت..هنا رفقاء الدرب والمحبون والعشاق.. وجوه كادحة ووجوه معذبة ادمتها قسوة الرحيل المر....اسمي معاني الحب والوفاء تظهر من خلال ملامحهم الحزينة دون رتوش او مكياج .. بين اهله وعشيرت ..بين محبوه وعشاقه ..بيبن اهله وجيرانه واصدقائه وكل تلك المشاهد لم يكتبها سينارست او يحددها مخرج ..القدر فقط هو الذي حدد كل شيء.. لحظات تقطر فيها الحزن في تلك اللحظة التي ادخل فيها جثمان الراحل الي ساحة المطار ..لحظات كان السودان فيها حاضرا لا بالحضور الطبيعي فقط وانما بالحضور الوجداني للجماهير المتابعة لمراسم التشيع من خلال شاشات التلفزة والبث الاذاعي تأكيد لمعاني الوفاء والحب الكبير....
يتسائل الكثيرون لماذا كل هذا الاهتمام الاعلامي بمحمود عبد العزيز في حياته وفي مرضه وفي رحيله ولو اجتهدوا قليلا في التفكير والتأمل لعرفوا السبب فالاضواء لا تنحاز بهذه الدرجة الا للنابهين والاعلام لا يشغله علي هذا النحو الا من يحبه الناس ويلتفون حوله وهكذا كان محمود عبد العزيز الذي جمع بين الحسنيين الموهبة الفذة التي وهبها له المولي عز وجل والحب الجارف الذي اغدقه عليه الجمهور فقليلون جدا الذين يمكن ان نضعهم في خانة العبقرية والتفرد ومن بين هؤلاء وربما في مقدمتهم محمود عبد العزيز الذي اثبت طوال مشواره الفني ان الفن لم يكن ابدا مجرد مهنة يمتهنها وانما خبزه الذي يغتاته وهواءه الذي يتنفسه....
وفي غمرة تلك المأساة الدامية جاءت الكلمات الرسمية وغير الرسمية قوية ومعبرة صرفت اخيلة ومشاعر المشاهدين والمستمعين واستوقفتني فيها اسماء ابناء الراحل فكانت كلها اسماء مرتبطه بفنه ووفاءه لاصدقائه تلك الملاحظة وعلي قلتها وبساطتها بدت شديدة الارتباط بقضية هامة وهي جدلية الفن وكيمياء الوفاء لابداعه الفني ولاصدقائه ولقد كان زاهدا ومتصوفا في حب النبي( ص) ويكفي ان عبرته جاءت بخواتيم اعماله وهو يؤدي اخر اعماله الفنية في نصرة النبي ص........
ألملم نفسي وافكاري والزكريات وها انت تمضي ليصبح كل ما بيننا مجرد زكريات ولكني لا ادري من اين جاءوا بها ..يقولون كان محمود..وكأنك ماذا..فكل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر الا هذا الذي بدأ كبيرا وما يزال..أكان لا بد ان تموت .. نعم تموت وكلنا نموت ..وانما أقصد هل كان لا بد ان تموت حتي تعرف كم يحبك الناس....
وفي تداعيات خواطري هذه اكتب عن محمود بأبداعه العنيد من اجل مشروعه الفني الذي أفني زهره عمره من اجله فتوج نفسه ملكا للطرب ورئيسا للجمهورية غير المتوج..فكم من قادة عظماء خلدهم التاريخ لاسهامهم في مصائر الشعوب بل الانسانية كلها دون ان يعتلوا سدة الحكم .. فالقيادة في جوهرها هي القدرة علي امامة الناس نحو الغايات المرجوة لا بسيف السلطان وسطوته وانما بهدي الابداع والفكر الثاقب وقدوة السلوك الملهم وعبقرية محمود نتاج للتلاقي بين قدراته الذاتية ومعطيات الواقع الاجتماعي في المرحلة التي خاض فيها ابداعه وقد امتلك القدرات الضرورية للأستثمار الناجح للتاريخ ويظهر ذلك في اداءه لاغنيات الحقيبة فهذه كانت رؤية ثاقبة مكنته من اختيار هدف المرحلة التاريخية الصحيح وتجديدها من واقع الغتاء السوداني.. ولقد نهضت فئات عديدة من مبدعي الشعب السوداني ساهمت في رفع حاجز الابداع ولكن محمود عبد العزيز تفوق بتحطيمه لقيود الاقليمية طارقا التنوع بأفق عالمي وقد كان صائبا في ذلك بتعويله علي المستقبل في وقت كان ذلك الطرح بالنسبة للكثيرين امرا غير واقعيا..ومن قدراته التي مكنته علي الاستثمار الناجح عناده الثوري كميزة ضرورية للمثابرة علي طرح مشرعه الغنائي رغم تكاليفه الباهظة ولو لا ذلك لقبل منذ وقت مبكر بترديد اشكال من الاغاني التي قدمت له منذ وقت مبكر مع الاغراءات التي قدمت له ولكن بدون تحقيق اهدافها الجوهرية.. ولكن بالرغم من خسارته للجغرافيا في وقتها الا انه استثمر حاجز الزمن ليمضي وفق خطوات منهجية ولم يكن ذلك ممكنا بغير عناده الثوري وقوة الشكيمة كخصائص لشخصية قيادية و ملهمة....
وكما في الدراما الاغريقية الموت الفردي يتسع ليشمل الجميع بمدلوله وفتح غروبك جرحا شاسعا وعميقا وغروبك يذكرني بغروب النبيل مصطفي سيداحمد في ذات التاريخ قبل سبعة عشرة عاما ويا لمصادفة القدر وسيتساقط المبدعون من بعدكم كي يردوا الينا الفن من غربته......
ومهما يكن من شيء فأن اللحظات التي توقف فيه التاريخ ليسجل مراسم تشييع الجثمان لتواري الثري كانت لحظات ملهبة بالمشاعر وملهمة للخواطر المتداعية عندها ان نقف وقفة تأمل في سيرة الراحل الذي لاح كالكوكب ليضيء ليل الملايين بالامل ثم هوي سريعا بذلك الرحيل المفجع....
فلم يحدث قط ان كان لدينا في تاريخنا المعاصر من شخص ان اوتيت له من كاريزما يجتمع حولها كل هذا العدد من البشر ولم يحدث قط ان شهدنا غيابا بهذا الحضور ينعقد له كل ذلك الحزن الجمعي .. بل لم ينعقد لاحد من قبلك.. فلم يحدث قط لشخص ان انسل كما فعلت..فلماذا يا طائرنا الذي ما توقفت اجنحته عن الخفقان..
لقد شهد يوم الخميس السابع عشر من يناير حراكا غير عاديا فالجميع يتربصون ويتحلقون خلف التلفاز والزاحفون صوب حي المزاد وصوب استاد الخرطوم في حشود غير مسبوقة لم اشهد قط مثلها في حياتي بمختلف اثنياتهم وسحناتهم تقلهم العربات والكثيرون دقوها كداري غير مكترثين بضراوة المشوار لان المشي هو قدرهم الذي اختاروه..فكيف للذين انتظروك بوهج في غيابك ايتها الشمس التي وهبتهم اشعتها البنفسجية بالحب والجمال....
دوما ولساعات طويلة احاول سبر اغوار الموت فلم اجد الاجابة الشافية وفي غياهب تلك التقاطعات والنعاس والتفكير والافكار حول جدلية الموت والخلود خاصة وان السواد الاعظم منذ قديم الزمان قد رفض فكرة الموت كفناء ونهاية للانسان وحاولوا اختراق حاجز الزمن بالاعتقاد في حياة اخري كالزواج مثلا للاستمرار بالخلود عبر الابناء.. ولكن لا احد يدري لماذا يأتي الموت في هذا المكان دون سواه بهذه الطريقة.. ولماذا نقع في حب هذا الشخص بالذات..لماذا هو.. لماذا نحن.. فأدركت ان الخلود احيانا يتم عبر الابداع الذي يلهم الشعوب فيدوم عبر الاجيال....
ولكن كيف وانت في ذؤوبات الروح تعدو كخيل جامحة لا يروضها مروض فلماذا رضيت ان يروضك الموت..فكيف جرأت ان تعاند الحياة وتذهب..دخلت مسارات الروح ومسامها.. الا ما اطيب ذلك ايها الوهج الذي اجترحته الايام ليضيء مساحات الظلام في دواخلنا ....
كلما فتحت صفحتك في ذاكرتي تعاندني اشواقي..فأبوح لنفسي عن مكمن وجعي فأنت تحرك السكون بحضورك الطاغي غير المسبوق.. اترانا نتقوي بك لحظة ضعفنا وانكساراتنا ..فكلما نكشت صفحتك في ذاكرتي وجدتك مع مجموعة محمود في القلب وانت تداوي البسطاء ومع اطفال المايقوما وفي دار المسنين ومع نصرة الحبيب المصطفي( ص).. ولكأن علينا ان نعيش السعادة كلحظة مهدة بالفقان.. ويسظل حضورك منعقد في حياتي لن تهزمه الايام ولن تحد من فعاليته الاحداث..ويشملك لدي حضور لا يداني..فأنت حال بروحك دوما ..ولكـني احادثك كأنك دم ما تزال تجري في عروق الحياة وقلبي قصبة مثقوبة....فأنت ما تزال طازجا في الروح وستظل نفس الزول السمح الجميل ولن تخرج عن فضائاتنا قط وسأظل كذلك علي العهد دوما وسيظل اباعدك هو الزيت الذي اوقد به محركات روحي فتدور وتدور بلا نهاية..
كم كنت محظوظت لانني عاصرتك وشهدتك وانت دوما تحاول خلاصنا من كثير همومنا وانكساراتنا الحياتية..
أود لو كنت بيننا الان لتقينا كأبة المنظر من حولنا..
محمود عبد العزيز.. أفقتقدك علي نحو خاص..





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 996

خدمات المحتوى


التعليقات
#563039 [rora.maria]
0.00/5 (0 صوت)

01-20-2013 01:48 AM
( فالقيادة في جوهرها هي القدرة علي امامة الناس نحو الغايات المرجوة لا بسيف السلطان وسطوته وانما بهدي الابداع والفكر الثاقب وقدوة السلوك الملهم) ياسلام عليك ياخ مقالك جميل من اوله الي اخره


المثني ابراهيم بحر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة