11-02-2010 09:20 AM

حرب نافع على المنظمات الطوعية الأجنبية: بين الشعارات والتطبيق

د. عبدالوهاب الأفندي

شن الدكتور نافع علي نافع، مساعد رئيس الجمهورية السوداني ونائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب، هجوماً كاسحاً على المنظمات الطوعية الأجنبية العاملة في السودان، متهماً إياها بأنها لا تريد الخير للسودان وتسعى للوقيعة بين مواطني البلاد. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها د. نافع المنظمات الأجنبية، حيث كان قد شن هجوماً مماثلاً في السابع من نيسان /أبريل الماضي، بين يدي الانتخابات العامة، عندما اتهم تلك المنظمات بأنها ظلت تسعى لإشعال الحرب بين القبائل والمتاجرة باسم دارفور لاستقطاب الدعم. ووعد بتنفيذ مشروعات تنموية في دارفور تغني عن مساهمات تلك المنظمات في حال فوز حزبه في الانتخابات.
وكان د. نافع اتهم المنظمات في تصريحات له في نيسان/ أبريل من عام 2009 بأنها تعوق عودة النازحين في دارفور لأنها \'تقتات عليهم\'. وفي تصريحات أخرى خلال نفس الشهر أثناء زيارته لباريس رفض السماح بعودة المنظمات التي طردت في الشهر السابق عقب إصدار المحكمة الجنائية الدولية أمر قبض على الرئيس السوداني، وقال إن تلك المنظمات كانت تعمل ضد مصلحة البلاد. ولكنه لم يستبعد السماح لمنظمات أخرى بالقدوم إلى السودان لتحل محلها.
وقد ظل الموقف الغالب في حكومة الإنقاذ منذ أيامها الأولى هو المجاهرة بالعداء لمنظمات الإغاثة والمنظمات الطوعية الأجنبية باعتبارها عنواناً للتبعية للخارج، ونقيضاً لمبدأ الاعتماد على الذات الذي نادت به. وإذا كان العداء للمنظمات الطوعية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان مفهوماً وله أسبابه السياسية (بسبب انتقادات تلك المنظمات لسجل النظام الحقوقي)، فإن العداء لمنظمات الإغاثة كان له مبررات أيديولوجية محضة، لأن جهود تلك المنظمات كانت عملياً، ولا تزال، تقدم مساعدات كان السودان في أمس الحاجة إليها في ظل مقاطعة دولية شبه شاملة.
ولا جدال بأن الوجود المكثف للمنظمات الطوعية الإغاثية في بلد ما يشكل ظاهرة سلبية، لأن الأصل هو أن يعتمد المواطنون على أنفسهم وأن يساهموا ليس فقط في إعاشة أسرهم، بل في بناء البلد وتقدمه. إضافة إلى ذلك فإن الوجود القوي لمنظمات الإغاثة الأجنبية في إطار دولة ضعيفة يساهم في المزيد من إضعاف الدولة. وهذه هي النقطة التي أثارها عالم الاجتماعي النرويجي بروفيسور تري تفيدت في مقالة نشرها في كتاب أعده بالاشتراك مع د. شريف حرير عام 1994، تناول فيها الدور المتعاظم التي ظلت تلعبه المنظمات الطوعية في جنوب السودان، وانعكاساته السلبية على دور الدولة الضعيف أصلاً هناك.
وقد قارن تفيدت بين دور منظمة \'المعونة الكنسية النرويجية\' في بلدية نيمولي، التي كانت تدير فيها مجمعاً ضخماً وتملك 170 سيارة. وبالمقابل فإن رئيس بلدية نيمولي كان يتحرك على دراجة ولم يكن لديه جهاز هاتف. فإذا أراد رئيس البلدية إرسال رسالة إلى رئاسة الحكومة الإقليمية في جوبا، فإنه كان يستقل دراجته إلى مقر \'المعونة الكنسية النرويجية\' حيث يسلم الرسالة هناك ليقوم مكتب المنظمة بإرسالها لاسلكياً إلى مكتب جوبا. ومن هناك تستنسخ مرة أخرى وتسلم إلى حكومة جوبا. وغني عن القول إن الوضع السيادي للحكومة يتعرض إلى التقويض من هذه العلاقة غير المتكافئة، وتفتقد فيها المكاتبات الحكومية سريتها.
وقد عززت المنظمات الطوعية وجودها بكثافة في جنوب السودان من جديد بعد اتفاقية نيفاشا، إما مباشرة أو عبر اختراق حكومة الجنوب عن طريق المستشارين الأجانب في الوزارات والمصالح. وقد علق بعض المراقبين الأجانب ساخراً بالقول بأن جنوب السودان إذا حقق استقلاله في استفتاء كانون الثاني /يناير القادم فإنه سيكون أول دولة في العالم تديرها عملياً المنظمات الطوعية.
هناك بالقطع موقف وسط بين تسليم مقدرات البلاد كلية للمنظمات الأجنبية وبين طرد كل من يريد أن يقدم المساعدة للمحتاجين، خاصة إذا كانت الدولة عاجزة عن مساعدتهم. وغني عن القول أن الحاجة إلى إغاثة خارجية هو دليل خلل أساسي في بنية الدولة والمجتمع. فالمفترض عند وقوع الكوارث أن يهب أهل المنطقة والجيران والسلطات المحلية لإغاثة المنكوبين، ثم تنضم إليهم الدولة المركزية وبقية مواطني البلاد. فإذا لم تكف هذه الجهود، فتتم الاستعانة بالخارج. وهذا يعتمد بالطبع على حجم الكارثة ومصدرها والموارد المتاحة في البلاد. في حالة الأزمة السودانية، فإن الإشكالية الأكبر تنبع من أن الكوارث هنا هي من صنع الإنسان، وليست في معظمها كوارث طبيعية. إضافة إلى ذلك فإن الأزمة ليست عابرة، مثل كوارث الفيضانات والزلازل التي قد تكون مدمرة، ولكن مفعولها عابر، حيث يصبح الهم الأكبر هو إعادة الحياة إلى طبيعتها، بينما تبقى الحاجة إلى الإغاثة مؤقتة، وكذلك إلى المعونة اللازمة لإعادة البناء والتوطين. أما في الحالة السودانية، وخاصة في دارفور، فإن الكارثة مستمرة، والحاجة إلى الإغاثات ملحة ودائمة بسبب تعذر عودة الحياة إلى طبيعتها. وبنفس القدر فإن موارد البلاد شحيحة ولا تفي بالاحتياجات الضخمة. وإذا اختارت الحكومة أن تستغني عن المنظمات الدولية وما يأتي عبرها من معونات، فإن هذه سيكون بالقطع على حساب الخدمات المتعثرة سلفاً من تعليم وصحة وغيرها في مناطق السودان الأفقر.
من هذا المنطلق فإن الاستغناء عن مساهمات المنظمات الأجنبية يتأتى في المقام الأول بإنهاء الأزمة التي ولدت الحاجة إلى الإغاثة. وبخلاف ذلك يصبح الاستغناء عن الإغاثة مجرد شعارات، لأن البديل هو ترك الناس يموتون من الجوع والمرض وفقدان المأوى. وقد حدث قبل ذلك أن اتخذت قرارات تم التراجع عنها بسبب فقدان البدائل أو عدم القدرة عليها. ومن ذلك قرار تهديم السجن المركزي المعروف بسجن كوبر وإلغاء تأشيرات الخروج للمواطنين السودانيين ووقف استيراد السكر والقمح. وكلها قرارات تم التراجع عنها عملياً لأن حيثياتها لم تتوفر.
الاعتماد على الذات والاستغناء عن عطايا الأجانب (والأقارب) هو بغير جدال هدف نبيل، وغاية استراتيجية يجب أن تسعى إليها كل الدول والشعوب، حفظاً لكرامة مواطنيها. فكما أن كل أسرة سوية تتعفف من أن تصبح عالة على غيرها، كذلك فإن الشعوب أحق بذلك. ولكن تحقيق الاعتماد على الذات يتطلب تحقيق الاكتفاء، خاصة من الضروريات اللازمة لحفظ الحياة. ولإعادة وضع دارفور إلى سابق عهده، لابد من توفير الأمن حتى يستطيع النازحون العودة إلى قراهم ومزارعهم وممارسة حياتهم الطبيعية. وعليه فإن توفير الأمن في الإقليم يجب أن يكون مقدماً على أي خطوات عملية للاستغناء عن منظمات الإغاثة الأجنبية. وقد حدث أن قامت الحكومة بطرد عدد محدود من المنظمات العام الماضي، وكان من المفترض أن يتم تغطية الخدمات التي كانت تقدمها من الموارد المحلية، وهو ما لم يتيسر بسبب محدودية الموارد المتاحة محلياً، وكذلك الخبرات العلاجية وغيرها. وعلى كل حال فإن اتخاذ تصرفات ينتج عنها قطع إمدادات الغذاء والدواء والخدمات عن فئة كبيرة من الناس بدون مبرر، ثم السعي للتعويض عن ذلك من موارد البلاد المحدودة، ليس من الحكمة في شيء. ولو كان لدى الحكومة فائض من الموارد فكان من باب أولى أن تضيف ذلك إلى ما كان يحصل عليه النازحون، وهو لم يكن يبلغ الكفاف، أو توجهه إلى غيرهم من المحتاجين في البلاد، وهم كثر، لا أن تهدره في تقديم ما كفاه إياها غيرها.
مهما يكن فإن القول بأن كل المنظمات الطوعية الدولية منظمات خبيثة، تسعى للشر وبذر الفتنة والشقاق بين الناس، لا يمكن أن يكون صحيحاً على إطلاقه. فكما في كل فئة من البشر، هناك دوافع متضاربة للمنظمات والأفراد العاملين في حقل الإغاثة والعمل الطوعي. ولكن التوجه الغالب على هذه المنظمات، ومبرر وجودها، هو النظرة المثالية وعقلية الإيثار وإغاثة الملهوف. فقد نشأت هذه المنظمات في الغرب، حيث الوفرة والرخاء، ولكن منطلقها كان ولا يزال الاهتمام بحاجات الفئات الأضعف في العالم الثالث. وكثير من نشطاء هذه الحركات يدخلون في صراع مع حكوماتهم، ويمارسون الضغوط عليها لصالح شعوب العالم الثالث.
فهناك منظمات تناهض الحروب، ومنظمات تكافح من أجل وقف استخدام الألغام، ومنظمات تحارب المجاعات، وأخرى تطالب بإعفاء ديون العالم الثالث، وغيرها. وكثير من الشباب العاملين في هذه المنظمات من أطباء وممرضين ومتطوعين، يعملون برواتب أقل بكثير من المتاح لهم في بلدانهم، ويتركون رفاهية وأمن عواصمهم للعمل في صحارى دارفور أو أدغال الكونغو، حيث العيش في الخيام وأبسط مقومات الحياة المريحة غائبة، مع التعرض المستمر لمخاطر القتل والخطف إن نجوا من أمراض تلك المناطق. ولا يمكن أن تكون هذه التصرفات بسبب دوافع شريرة، خاصة وأن كثيراً من شباب وأطباء السودان يترددون في الذهاب إلى تلك المناطق مهما تكن الإغراءات.
لا يعني هذا كما أسلفنا أن كل دوافع المنظمات والعاملين فيها شريفة وبريئة، كما أن اضطراد عمل هذه المنظمات في مناطق الصراع كثيراً ما يدفعها إلى الانحياز إلى طرف أو آخر، رغم أن مبادئها المعلنة منذ بداية العمل التطوعي في الصليب الأحمر وغيره، تقوم على عدم الانحياز والتركيز على تقديم الخدمات العاجلة للمحتاجين من المدنيين (أو المصابين من العسكريين) بدون النظر إلى انتمائهم. ولكن كما هو الحال في كل فئة، فإن الانحراف عن المبادئ المتفق عليها يظل هو الاستثناء.
من هذا المنطلق فإن إعلان الحرب على المنظمات الطوعية بدون تمييز، كما يدعو الدكتور نافع ومن هم على رأيه، يضع المرء في خانة من يشن الحرب على المبادئ النبيلة التي تقوم عليها هذه المنظمات. وهذا أشبه بمن يقول إن كثيراً من رجال الدين والمتحدثين باسمه دجالون كذابون (وهو حق لا مراء فيه، نطق به القرآن الكريم)، ثم يخلص من هذا إلى ضرورة إعلان الحرب على الدين والتنكر له. ويمكن أن ينسحب هذا على كثير من القضايا، فليس كل من دعا إلى الديمقراطية أو ادعاها، مخلص لمبادئها، ولا كل من نادى بالاشتراكية أو الزهد هو من الزاهدين. ولكن من غير المنطقي (أو المطابق للواقع)، أن نشهد بأن الدين شر كله، أو أن الديمقراطية خدعة كبرى، أو كل دعوة خير هي نفاق وكذب، رغم كثرة من يقول بهذه المقولات ويسير بمقتضاها.
وعليه فإنه حتى لو كان الاستغناء عن المنظمات الطوعية ومساهماتها ممكناً، فإنه ليس من الحكمة في شيء افتعال صراعات معها، بل الأفضل محاكمتها على المبادئ التي تتشدق بها، ومطالبتها بالتمسك بمبادئها في البعد عن الدخول طرفاً في الصراعات، والاقتصار على مهتمها الإنسانية. والأفضل من كل هذا خلق الظروف التي تجعل الاستغناء عنها قائمة وماثلة على أرض الواقع.

\' كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن


القدس العربي

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2013

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#42587 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2010 08:54 PM
مهما كان الراي في هذه المنظمات و اهدافها فان هذه المنظمات تقدم ما عجزت حكومة نافع عن تقديمه لشعبها المشرد في دارفور... و لو ان هذه المنظمات اتخذت قرارا بالانسحاب الان لسمعنا صياح نافع مرة اخري علي المنظمات بسبب انسحابها و لدخلت حكومته في حيص بيص... ما يقوله نافع ليس الا كلاما و شعارات للاستهلاك فقط لا غير مثل \"ناكل مما نزرع و نلبس مما نصنع \" و مثل \" هي لله هي لله لا للسلطة و لا للجاه\" كله كلام في كلام


#42446 [حاتم]
0.00/5 (0 صوت)

11-02-2010 02:37 PM
دكتور الافندي
مشكور على الموضوع
لكنني لا اتفق معك على حسن نوايا أغلب المنظمات الدولية في السودان
أولا 80% من المال يصرف على العاملين وعرباتهم وسكنهم
ثانيا كثير من ما اكتشف ان الاغاثة ضاربة أي تالفة ولا تصلح غذاء للبشر
ثالثا لا تهتم هذه المنظامت بتعويد الناس على العمل بل تلقي الاغاثة لان في بقاء هؤلاء
بقاء لهذه المنظمات في السودان


ردود على حاتم
United Kingdom [Omar Humaida] 11-03-2010 12:07 AM
امال انت عاوزهم يقدمو \"خرفان مشويه\" ....
( قالو ليهو ابوك مات من الجوع ليه..؟؟
قال ليهم هو لقا اكل واباهو..؟؟)


د. عبدالوهاب الأفندي
د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية
تقييم
1.17/10 (82 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة