02-12-2013 10:42 AM


رسمت "الانقاذ" خارطة تعاملها مع القوى العظمى عبر شعارات ظلت تهرد لهات قياداتها ومنسوبيها "امريكا روسيا قد دنا عذابها" غير ان سنوات من التضيق فيما يبدو قد استبدلت الكلم ونكست سارية الشعارات القديمة
ليصبح البحث عن التطبيع سيد الموقف في علاقة الخرطوم بواشنطون ولعل ابرز تلك المحاولات كانت فيما اطلق عليه اجتماع روما 2009م حيث بدت الحكومة فرحة بما ظنته انجازا كبيرا في مسار العلاقة بين البلدين وجاءت محادثات روما انذاك بين الحكومة السودانية والولايات المتحدة الأمريكية في ظن الكثيرين وكأنها نتاج لسياسة حاسمة وندية من قبل الحكومة السودانية ظلت تعمل وفقها طوال السنوات الماضية دون تنازلٍ منها فيما يتعلق بمشروعها الإسلامي الحضاري ومواقفها الصامدة أمام سيدة النظام العولمي الجديد وقائدة اسطوله الولايات المتحدة الامريكية وهذا ما أكدت عليه قيادات الوطني «ان التعامل والتعاون مع الاسرة الدولية لن يكون ثمنه الشريعة الإسلامية، ونحن لسنا غافلين ولا واهمين ولا حالمين ولن نطلب الصلح، والود والمعاملة مع أحد». إذاً يبدو الأمر وكأن الولايات المتحدة هي من جاء يسعى إلى حكومة السودان طالبة التطبيع معها بعد أن فشلت محاولاتها في ترويضها وكسر حدة عدائها تجاهها هذا ما يصوره الإعلام الرسمي ووجهات النظر الرسمية السائدة حول لقاء روما الذي جمع الحكومة السودانية بالولايات المتحدة الأمريكية في لقاء مثل فيه الجانب السوداني نافع علي نافع ورئيس جهاز الأمن الوطني في ذلك الوقت صلاح عبد الله القوش بينما مثل الجانب الأمريكي المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى السودان ريتشارد ويليامسون. اللقاء السري أُريد منه - كما رشح - تطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من الجفاء والقطيعة والعداء. المسؤولون السودانيون عبروا عن رضائهم عن لقاء روما ووصفوه بالمثمر وفي جانب الولايات المتحدة لقيت الخطوة استنكاراً شعبياً وتم تنظيم حملة مناهضة لمشروع التطبيع وتم استدعاء ويليامسون الى الكونغرس الأمريكي بغرض توضيح الخطوة وما تم فيها وعند مثوله أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ لم يظهر وليامسون ان روحاً جديدة قد بدأت تخلل مساحات الحكومة السودانية بل العكس من ذلك قال ويليامسون إن على حكومة السودان الالتزام بتعهداتها السابقة لتنفيذ اتفاق السلام الشامل وان واشنطون لن تثق في شئ من الخرطوم واصفاً الحكومة السودانية بأنها تكذب وواصفاً د. نافع علي نافع واللواء صلاح القوش باللاعبين السيئين. وفي دوائر المرشحين لرئاسة البيت الأبيض وصف باراك اوباما المرشح الديمقراطي الحراك في العلاقات الامريكية مع الحكومة السودانية بمبادرة متهورة وخبيثة وستكون حافزاً للخرطوم التي - حسب اوباما - عُرفت بعدم إلتزامها بالمواثيق وبدلاً من هذه الخطوات الامريكية الناعمة تجاه حكومة السودان فان اوباما يؤكد على الادارة الامريكية تفعيل قانون محاسبة السودان للضغط على الخرطوم لانفاذ اتفاق السلام واجراء الانتخابات العامة في عام 2009م .وبالطبع فإن اوباما كان يصرح هذه التصريحات وفي ذهنه الناخب الامريكي في ذلك الوقت وكذا الحال للسيدة هيلاري كلنتون التي سارت على نفس منوال خصمها في الحزب الواحد، وكذا الحال حتى للحزب الجمهوري فقد كان بامكان ما حققه الحزب من نجاحات أثمرت عن اتفاق سلام شامل بين الحكومة والحركة الشعبية ان يصب في مصلحة الحزب ونجاحاته خلال فترة بوش الرئاسية وكدعاية لمرشح الجمهوريين لولا الواقع الجديد في دارفور الذي غطى بدرجة امتياز على نجاح نيفاشا ولذلك سعى بوش لاكمال اللوحة الزاهية التي لطختها بقع دارفور عبر إزالة هذه البقع واتمام عملية السلام بدفع الحكومة عبر محفزات التطبيع الى انهاء الأزمة في خلال ما تبقى من أيام لبوش في البيت الأبيض، فعبر نيفاشا كانت الولايات المتحدة تتعجل حل الأزمة السودانية بحل مشكلة الحرب في الجنوب ولكنها تفاجأت بواقع جديد في دارفور فأرادت في البدء حلاً سريعاً خاطفاً وحاسماً في نفس الوقت بين الحكومة السودانية ولكن من الواضح ان الطائرات التي ألقت ما فيها على أرض دارفور كانت وكأنها تلقى بذوراً تنبت آلاف السنابل من الغضب. ويقول أحد المحللين في هذا الصدد ان الولايات المتحدة فات عليها أنها أبقت في معادلة السلام على طرف يعني بقاءه بقاء سياسته المنتجة للأزمات فما ان هدأت عاصفة الجنوب قليلاً حتى هبت رياح دارفور والشرق عاتية قوية. ولكن اذا كانت الولايات المتحدة حكومة ومعارضة وشعباً لا تثق في حكومة السودان وتصفها بكل الصفات التي جاءت على لسان مبعوثها الرئاسي وليامسون أمام مجلس الشيوخ وفي تصريحاته الصحافية عقب لقاء روما فكيف يعقل ان تذهب الولايات المتحدة إلى حد التطبيع مع حكومة السودان. الواقع ان هذا اللقاء وما اعقبه من لقاءات اخرى لا يمكن النظر إليه بعيدا عن اللقاء الذي تم في 2005م، عندما زار رئيس جهاز الامن الوطني انذاك صلاح قوش الولايات المتحدة الامريكية وكانت تلك لحظة تتويج العلاقات بين السي اي ايه وجهاز الامن الوطني، وهذا ما يؤكد عليه صلاح قوش نفسه عندما قال في تصريح صحافي آنذاك (ان السودان يتمتع بعلاقات متميزة مع الـ سي اي ايه - C.I.A- وان هذه العلاقة قد حمت من ضربات كانت ستكون مدمرة.. والواقع ان قراءة لقاء روما تسير في هذا الاتجاه - العلاقات الامنية - لبث تطمينات للولايات المتحدة للتغلب على هاجسها الاكبر وهو الارهاب وضرورة محاربته
وهذا ما اكد عليه موقع (تقرير واشنطون) آنذاك عندما قال: (رغم حالة الارتياح العام التي عمت الاوساط الامنية السودانية نتيجة للعلاقات مع واشنطون اعتبر مسؤول رفيع في الاستخبارات الامريكية ان الشراكة مع السودان هي شراكة في طابق واحد من مبنى العلاقات الامريكية السودانية) النقطة التي اشار اليها المسؤول الاستخباراتي مهمة جدا لانه يدل ان العلاقات السودانية الامريكية هي فقط على مستوى العلاقات الامنية ولم تتجاوزها الى مستوى لقاءات مع النخب السياسية الامريكية ويستشهد هذا المسؤول الامريكي باستمرار بوجود السودان في لائحة الدول التي تتهمها واشنطون بدعم الارهاب. وبالفعل فقد اكد احد المسؤولين للادارة الامريكية لمجلة لوس انجلس تايمز في 2007م، ان السودان هو حليف للولايات المتحدة في القارة الافريقية، وقد اتخذت واشنطون خطوات هامة لتحسين العلاقات مع الخرطوم خاصة ، كما يقول تقرير واشنطون، بعد عرض السودان في منتصف 2000م، ضمن محاولات جديدة للتقرب من الإدارة الامريكية تسليم إثنين من المشتبه في تورطهم في أحداث تفجير سفارتي الولايات المتحدة في شرق افريقيا 1998م، هذه العملية التي تلتها عمليات تحكي قصة التعاون الكبير بين الامن الوطني السوداني والـ سي اي ايه جرى خلاله تسليم مشتبه فيهم، واعتقال متطرفين، وتوفير معلومات ومثلما احيط لقاء روما بجدار سميك من السرية كذلك كان حال لقاء القوش بالـ سي اي ايه ومثلما وصفت هذه الخطوة في روما بانها اتجاه نحو التطبيع كذلك تم وصف ذلك اللقاء ونتائجه بانه تطبيع كامل وهذا ما اكده آنذاك اللواء يحيى حسن بابكر في وصفه لما وصلت اليه الشراكة الامنية بين الخرطوم وواشنطون عندما قال (ان السودان بلغ مستوى التطبيع الكامل في علاقته مع المخابرات الامريكية) ان ما ذهب اليه الوفد السوداني باظهارهم لقاء روما كمحاولة للتطبيع بين البلدين هو تغطية لهذا النشاط الامني خاصة وان الشروط لتحسين هذه العلاقات التي وضعتها الولايات المتحدة الامريكية للسودان على طريقة العصا والجزرة لم تستوفِ حتى الآن واذا كان لقاء روما لتطبيع العلاقات فما جدوى السرية اذا ؟!
والواقع ان السودان لم يطور علاقاته الامنية الى مستوى لقاء النخب السياسية في الولايات المتحدة وهي الجهات التي يمكن ان يبحث معها موضوع تحسين العلاقات فالارهاب يحتل المرتبة الاولى في التفكير الأمني الأمريكي واستخدام شمال السودان ومقدراته الامنية المتفق عليها جيدا احد اهداف الولايات المتحدة فهي تستفيد من هذا الجهاز الذي يمدها بمعلومات درجة أولى كما تقول تصريحات سي اي ايه ولكن هذه النجاحات الأمنية لم تتحول من دور المخبر إلى النفوذ إلى النخب السياسية عبر الاتصال بهم
والذي يحول دون تحول هذه العلاقة بين الخرطوم وواشنطون من علاقة أمنية استخباراتية هو أن الإدارة الأمريكية وتحديداً في عهد بوش الابن، قد شكلت للشعب الأمريكي صورة ذهنية معينة حول الحكومة السودانية كونها حكومة إسلامية أخذت الجزء الإرهابي من الدين - حسب تلك الصورة - بل ان هذه الصورة هي التي جعلت الشعب الأمريكي يعطي أصواته لصالح المرشح الجمهوري بوش الابن في فترة رئاسية ثانية عام 2004م، ونجحت إدارة بوش في جعل قضية محاربة الإرهاب قضيتها الكبرى، وبالفعل فقد نجحت في حشد الشعب الأمريكي وراءها . وفي هذا الاتجاه يقول د. النور حمد المحاضر بجامعة شرق واشنطون ان الشعب الامريكي قد استجاب لسياسة التخويف من الارهاب الذي يبثه وسطه جورج بوش ومعسكر المحافظين ومنذ الحادي عشر من سبتمبر صور بوش نفسه للجمهور الامريكي في صورة القائد الكاريزما القادر على حماية امريكا من هجمات الارهابيين حتى لو اقتضى الامر تجاوز الأمم المتحدة. ويلاحظ النور حمد ان الشعب الامريكي يُصدق حكوماته كما يصدق وسائل اعلامه التي كثيراً ما تنزلق في منزلق التهليل للسلطة. ومن هنا يصعب على الحكومة الامريكية نفسها كسر هذه الفزاعة التي خلقتها وازالتها من وعي شعبها وحتى الحكومات الامريكية نفسها لا تريد ان تفعل ذلك ،لذلك كانت تصريحات باراك اوباما المرشح عن الحزب الديمقراطي للانتخابات الامريكية المعادية للقاء روما منطقية جداً ومتسقة مع السياسة الكلية للولايات المتحدة. فالواقع ان اختلاف الديمقراطيين الذين يمثلون اليسار الامريكي عن الجمهوريين الذين يمثلون القوى المحافظة في المجتمع الامريكي ليس كبيراً .
لذلك جاءت هبة اوباما وهبة المجموعات وسط الشعب الامريكي المعادي لأي تقارب مع حكومة السودان. ومنظمة انقاذ دارفور بالولايات المتحدة اصدرت فيه بياناً نددت فيه بمباحثات روما حاثة منظمات المجتمع المدني لمناهضة مشروع التطبيع والضغط على الادارة الامريكية لايقافه، ومرد هذه الهجمة الشعبية القوية يعود الى ادارة بوش نفسها وعبر الضخ الإعلامي اليومي جعلت من قضية دارفور قضية داخلية تخص المواطن الامريكي وذلك لتقديمها الصراع في دارفور كتطهير عرقي حاد وصراع بين العرب البيض المدعومين من قبل الحكومة والافارقة السود الامر الذي يخدش ويمس كرامة الشعب الامريكي "المتحضر"!! وبالتالي لن يقبل أي تطبيع مع حكومة قدمت له في صورة حكومة بربرية همجية وهذا ما جعل المبعوث الرئاسي الامريكي وليامسون الممثل الامريكي في اجتماعات روما يقول فور «احضاره» لمجلس الشيوخ الامريكي: «ان واشنطون لن تثق في شئ من الخرطوم وهي حكومة تكذب».
وهنا تجدر ملاحظة هامة جداً ففي ابان الحرب الباردة اعملت الحكومات الامريكية دعايتها المكثفة وبنفس طريقة حربها على الارهاب الآن اعملت دعايتها ضد الشيوعيين والفكر اليسارى بصورة عامة وقد انتج ذلك تخوفا وسط الامريكيين، كما يقول النور حمد - من كل صور التفكير الراديكالي، وذلك للدعاية المكثفة اعلامياً يقابلها التصديق شعبياً ويرجع النور حمد هذه القابلية للتصديق لدى الشعب الامريكي الى ضعف معرفة الامريكيين عموماً بالشؤون الدولية وبثقافات الشعوب الاخرى وبمختلف الرؤى فيما يتعلق بشؤون الحكم، فهي تعد متدنية جداً مقارنة بالشعوب الاوربية. وحقيقة كانت حرب الولايات المتحدة ضد الشيوعية حرباً شعواء داخلياً وخارجياً وقد شهدت الولايات المتحدة مصادمات عنيفة ودامية بين الشرطة والعمال في الاضطرابات التي حدثت في المصانع الامريكية وعملت الاجهزة الحكومية المتخصصة في استئصال أنشطة اليسار ومثلت الحقبة المكارثية اقبح نماذج المطاردة للأفراد الناشطين في قضايا العدالة الاجتماعية بتهمة العمالة للشيوعية الدولية حتى أصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية في أوساط الرأي العام رديفاً للترويج للشيوعية وللخيانة الوطنية ولقد نجح ذلك العمل المنظم في حفظ الجمهور الامريكي في الحدود التي تريدها له النخب الحاكمة ،ولذلك يرى النور حمد أن الاختلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين ليس كبيراً خاصة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على السمات الاساسية التي تميزت بها الرأسمالية الامريكية عن رصيفاتها في الدول الصناعية الكبرى. وكذا الحال كانت الحرب الشعواء على الشيوعية من جميع الحكومات الامريكية المتعاقبة وبمختلف الوسائل والتحالفات
ويبدو ان الولايات المتحدة وجدت ضالتها آنذاك في الجماعات الإسلامية فانتظما في تحالف يهدف إلى محاربة الشيوعية ليتضح هنا ان قصة التعاون هذه قصة قديمة باعتبار ان الجبهة الاسلامية جزء من التنظيم الاسلامي العالمي وهو التنظيم الذي خاض الحرب في افغانستان ضد الاتحاد السوفيتي حيث تم تدريبهم امريكياً وتأهيلهم وبالتالي أصبح الاسلام السياسي بيد الولايات المتحدة اداة في الحرب الباردة وقد صرفت عليه امريكا عشرين مليار دولار ومن هنا بدأت العلاقة الامنية بين الحركة الاسلامية السودانية والولايات المتحدة الامريكية. ويقول الاستاذ محمد علي جادين في قراءته لمؤلف عبد العزيز الصاوي «أزمة المصير السوداني» ان الصاوي يشير إلى تركيز الجبهة الاسلامية على نشاطها التجاري والمصرفي وتحالفها مع النظام المايوي في الفترة من 1977م وحتى 1985م وارتباط نشاطها الفكري في هذه الفترة بكتابات المودودي، وسيد قطب وشعارات الشريعة هي الحل وتوجهات الانفتاح الليبرالية في المجال الاقتصادي الاجتماعي والشمولية الدينية في المجالات الدينية، السياسية، والثقافية وهي مجالات بحسب الصاوي مع توجهات الاخوان المسلمين حول الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الخمسينات ومع الحاجة لفكر اجتماعي جديد قادر على مشكلة التفاوت في التطور الاجتماعي والاقتصادي وبرز كل ذلك في نشاط الجبهة الاسلامية خلال الديمقراطية الثالثة حيث تحولت الى مدافع اساسي عن ترسانة القوانين المايوية الاستثنائية والمقيدة للحريات تحت شعار الدفاع عن الشريعة ومدافع عن الظلم الاجتماعي والفئات الطفيلية تحت ستار الدفاع عن حرية السوق والبنوك الاسلامية وبالتالي - يخلص الصاوي - لجأت الجبهة الاسلامية إلى انقلاب 1989م. والواضح ان الجبهة الاسلامية ابان فترة نميري قد اخترقت الاتحاد الاشتراكي واحدثت فيما بعد قوانين سبتمبر وتحتها صعدت الجبهة الاسلامية - التنظيم القوي مالياً وتدريباً - وكانت الخطة المرسومة لها امريكياً اسقاط نظام منقستو في اثيوبيا وتفكيك الحركة الشعبية لتحرير السودان عبر ضرب بؤرة اليسار داخلها وكانت هنالك عملية شريان الحياة والتي كانت السي اى ايه أكبر المانحين فيها لضرب الحكومة الاثيوبية إلا ان الشعب السوداني قطع الطريق أمام هذا الجهود عبر الانتفاضة الشعبية وتأسيس نظام حكم ديمقراطي تعددي ولذلك لم تُرحم الديمقراطية ولم تع الاحزاب الدرس وكان الطبيعي جداً قيام انقلاب 1989م وكان انتصار الجبهة الاسلامية هو انتصار لمشروعها الخاص وكان هذا الانتصار مُتزامناً مع سقوط الاتحاد السوفيتي ومن ثم عودة التكالب الاستعماري من جديد وبالمقابل صعود الحركات الاسلامية - الأداة - إلى سطح مواجهة النظام العولمي الجديد كبديل للاتحاد السوفيتي السابق في مجابهة الولايات المتحدة واقامة مشروعها الخاص وتحول هذا المارد الذي صنعته الولايات المتحدة لمحاربة الشيوعية إلى عدو وانتشرت الخلايا والقواعد الارهابية وتحول السودان في ظل الانقاذ عبر تحولات عديدة من جزء من هذه الخلايا وآوياً وداعماً لها إلى مرشد عليها. وبدأت العلاقة بين السى اى ايه والحكومة السودانية في سياق حرب الولايات المتحدة على الارهاب ورغم جهود الولايات المتحدة في اقامة السلام بين الشمال والجنوب فيما عرف باتفاق نيفاشا إلا ان هذه العلاقة ظلت في حدودها الامنية .
من المهم هنا ان نذكر ان الأمريكان ينسجون اسطورة حول رئيس الولايات المتحدة الامريكية في كل الحقب السياسية والمراحل التي تمر بها وابرز هذه الاساطير هي التي نسجت حول الرئيس ويلسون رئيس الولايات المتحدة في الفترة من 3191م وحتى 1291م والذي اظهرته الدعاية الامريكية كحام للديمقراطية وراع لاتحاد الشعوب والمناضل لاجل السلام ومحارب لا يشق له غبار ضد الاتحاد السوفيتي الوليد، وظلت هذه السياسة الاعلامية الدعائية سائدة في ظل كل الرؤساء الذين تعاقبوا على الولايات المتحدة خاصة في ظل سيادة الحرب الباردة في فترة المعسكر الاشتراكي كان يتم ابراز الرئيس الامريكي في صورة المحارب للافكار الشيوعية وحامل لواء الديمقراطية وحقوق الانسان، وبعد احداث الحادي عشر من سبتمبر واعلان الولايات المتحدة الحرب على الارهاب ظهر الرئيس بوش الابن ليس محاربا على الارهاب بتكليف من الشعب فقط بل بتوجيه مباشر من الرب الذي وجهه الى غزو العراق في سياق حربه على الارهاب، وفي نفس الوقت يبرز بوش مدافعا عن قيم الديمقراطية وحقوق الانسان في كل انحاء العالم كرئيس لدولة قائدة للنظام العولمي الجديد الذي تغشى غاشيته كل العالم منطلقا من مركز واحد في ظاهرة يعرفها د.صادق جلال العظم بانها حقبة التحول الرأسمالي العميق للانسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل غير المتكافيء. لا يمكن فصل الاهتمام الامريكي بالسودان عن الاهتمام الامريكي بالقارة الافريقية جمعاء وعن مصالح الولايات المتحدة في كل مكان في سعي متواصل للاستفادة من الموارد الافريقية وخاصة النفط، وفي جولته الاخيرة لعدد من دول القارة الافريقية اظهرت الدعاية الامريكية بوش الابن وكأنه يحمل قلبه لينير دياجير افريقيا المظلمة مبشرا بالديمقراطية وحقوق الانسان وتأكيد الدور الامريكي في حل النزاعات الافريقية وكذا الحال مع الرئيس الحالي باراك اوباما الذي جاء مختلفا عن اوباما "المرشح" فاوباما "الرئيس" كان خاضعا جدا لتلك السياسات والاستراتيجيات الامريكية المرسومة ومن هنا فان تعريف عبد الرازق عيد للعولمة بانها بناء وحدة السوق واستتباع الشعوب واجتياح خصوصيتها وثقافتها او انها توسع رأس المال الامريكي وهو يحمل مسدسا لا يبدو متقاطعا لتعريف صادق جلال العظم بل على العكس مما ذهب اليه العظم هو توصيف لآليات العولمة في طور تشكلها هذا ما يبرهن عليه هنا توصيف تقرير القدس العربي عندما يقول ان الولايات المتحدة تواصل لبرلة التجارة واستراتيجيات التنمية المفضلة لدى المستثمرين والشركات الامريكية، كما ان اعادة هيكلة البرامج الاقتصادية في القارة الافريقية تلبية لسياسة مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين يعملان منذ عشرات السنوات على تجريد الاقتصاديات الافريقية من اي سيادة، فيما يتم ارغام زعماء الدول الافريقية على الامتثال لسقوف ميزانيات دولهم ووصفات الخصخصة من اجل ان يكونوا مؤهلين للحصول على قروض جديدة او الغاء الديون، ووفقا للتقرير فان النفط الافريقي يحتل الموقع الابرز في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين كما يحتل موقعا مركزيا في العلاقة بين نمو العسكرتارية والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة. والمفارقة هنا ان الولايات المتحدة ابان وجود الاتحاد السوفيتي (الكابح) كانت تسعى الى وقف المد الشيوعي او احتوائه ونشر القيم الليبرالية الخاصة بالديمقراطية وحقوق الانسان، الا ان سقوط الاتحاد السوفيتي غير من هذه السياسة تجاه القارة وفقا لأولويات مقدمة وعلى رأسها الافادة من موارد القارة وفتح اسواق في القارة التي تتسم بوجود فرصة عظيمة للاستثمار واسواق للمنتجات الامريكية
ومن الناحية السياسية ترفع الولايات المتحدة شعار الديمقراطية وحقوق الانسان الا انها مجرد لافتة وشعارات لتحقيق المصالح وليست هدفا تسعى الولايات المتحدة لتحقيقه بالرغم من النزاعات الداخلية بما فيها الاضطرابات في دارفور لذلك كان سعي الولايات المتحدة الى حل مشكلة الحرب في دارفور وبالتالي صنع قدرا من الاستقرار الملائم للافادة من الموارد فكانت اتفاقية نيفاشا للسلام الا ان حرب دارفور صنعت واقعا جديدا في علاقة الولايات المتحدة بالحكومة السودانية ،ويعتقد الكثيرون ان تمسك الانقاذ ببرنامجها الاسلامي هو المانع الرئيسي من خلق علاقة مع الولايات المتحدة والواقع ان الولايات المتحدة في سياق توسعها لا يهمها التوجهات الاسلامية لدى الانقاذ طالما انها وجدت تعاونا امنيا من حكومة السودان وبالتالي وبحكم هذا التعاون الذي افضى اليه تنازلا اكيدا يمكن تعديل التوجهات الرديكالية الى معتدلة عبر ما تنادي به الولايات المتحدة من تغيير ايدولوجيا الحزب الحاكم في السودان
وفي هذا الاتجاه يقول د.النور حمد ان حكم الانقاذ الراهن مثل رغم تشبثه الشديد بالشعار الاسلامي اكثر انظمة الحكم الوطني في السودان انصياعا لسياسات سلطة رأس المال الكوكبية ومؤسساتها القابضة، بل لربما مثل حكم الانقاذ الراهن اكثر نظم الحكم فتونا بالنموذج الغربي ففي منظومة الاستتباع القائمة الآن ـ بحسب النور حمد ـ يصبح القابضون على أعنة السلطة والثروة في البلدان النامية جزءا من قوى الهيمنة الكوكبية الغاشمة اذ تقبض النخب المتنفذة في الدول النامية بطريقة او بأخرى، بوعي او بدون وعي من قوى الهيمنة الكوكبية ثمن الحاق الاقطار المهمشة واقتصاداتها بمركزية اليورو والدولار، اذاً المسألة ليست تطبيعا وفقاً لمنطق الندية بين بلدين بل هو فتح الابواب عاجلاً او آجلاً لهذه الاجتياحات لهذا الالحاق بارادة المركز العولمي، هو الاستجابة لهيمنة المركز في ظل نظام عالمي للتبادل غير المتكافيء. وبالتالي يسقط هنا كل منطق لا ارادوي ولا عجب بالتالي ان سقطت شعارات مثل امريكا روسيا قد دنا عذابها وفي ظل انفصال الجنوب فان السعي من قبل الحكومة السودانية نحو التطبيع يزيد بشكل اكبروبالمقابل فان الولايات المتحدة حريصة على مصالحها حتى لو كانت في بقاء نظام الخرطوم ولاننسى هنا تصريحات المبعوث الامريكي التي تعطي اشارات في هذا السياق مثل "ساعدناهم في الماضي وسنساعدهم في المستقبل" وهو يقصد هنا شريكي الامس "المؤتمر الوطني والحركة الشعبية" بمعنى ان هذه المساعدات ستمتد حتى بعد الانفصال . وكذلك مثل قوله "لا نرغب في اسقاط نظام الخرطوم ونريد تغييرا سلسا" بمعنى تغييرا لا يتجاوز المؤتمر الوطني . وهذا يدلل على خطل المراهنة على دعم الولايات المتحدة في اسقاط النظام باعتباره غير ديمقراطيا



[email protected]

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 777

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#583166 [سودانى انا]
5.00/5 (1 صوت)

02-12-2013 04:18 PM
تطبيع .. نطبيع .. ماذا جنينا من اللهث وراء امريكا ؟؟ اذ خرجنا من نيفاشا بدولتين !!!
وبعد ان تم لها ما ارادت بتوقيع نيفاشا تنصلت من التطبيع بحجة حل ازمة دارفور اولآ !!!
و اخشي ان يجاري نظام الانقاذ ملاعيب اللوبي اليهودي حتي يتشظي السودان الفضل الي عدة دويلات كحال يوغسلافيا السابقة .. (و لن ترضي عنك اليهود ولا النصاري حتي تتبع ملتهم ) ..صدق الله العظيم


#582958 [الصادق]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2013 12:07 PM
ياناس الراكوبه نرجو من كتاب المقالات ان تكون المقاله مكتوبه بطريقه بها فواصل وفقرات حتى لا تكون قراءتها ممله ومتعبه للنظر


علاء الدين محمود
علاء الدين محمود

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة