02-12-2013 01:52 PM

كلمة في الاحتفال بالذكرى الرابعة
لرحيل النور عثمان أبكر
قاعة منتدى دال الثقافي بالخرطوم بحري
مساء 11 فبراير 2013م


تِذكارٌ عَلى مَسَلَّةِ "الغَابَةِ والصَّحرَاءْ"!

كمال الجزولي


(1)
بسم الله
أيها الجمع الكريم
لا يكاد المشهد الثقافي لفترة الستينات والسبعينات من القرن المنصرم يتراءى في الذهن، إلا وتطلُّ، ضمن أول ما يتراءى منه، ملامح الحضور القوي، الباهر، شديد التأثير، شعرياً وفكرياً، لصديقنا الحبيب الشاعر المفكر الإشكالي النور عثمان أبكر الذي نحتفي، هذا المساء، بذكراه، سواءً من خلال حركة "الغابة والصحراء" التي لم يكن، فحسب، على رأس مؤسسيها، أواسط الستينات، بل كان هو من سكَّ مصطلحها نفسه، بشهادة رمزها الكبير الآخر محمد المكي إبراهيم؛ أو من خلال حركة "أبادماك" التي بذل، أيضاً، جهداً مقدَّراً في تأسيسها، وفي قيادتها، مع خواتيم الستينات ومطالع السبعينات؛ أو من خلال نشاطه الإبداعي الجَمِّ خلال السبعينات، كأعماله الإذاعية والدرامية، حيث ترجم وحرر كتاب الرحالة بريم الألماني "السودان: 1847م ـ 1852م"، والذي قُدِّم من الإذاعة السودانية على حلقات؛ كما ترجم وأعد، كذلك، مسرحية النيجيري وولي سوينكا "الأسد والجوهرة" التي قدمت من على خشبة المسرح القومي بأم درمان، من إخراج عثمان علي الفكي، قبل أن يعود لترجمة مسرحية بيتر أوستونوف "رومانوف وجولييت" عام 2001م، وترجمة المجلد الرابع من رحلات الألماني جوستاف ناختيقال "سلطنة دارفور: أقاليمها وأهلها وتاريخها"، وترجمة رواية القطرية دلال خليفة "دنيانا مهرجان الأيام والليالي" من العربية إلى الإنجليزية؛ وإلى ذلك، أيضاً، رعايته، خلال عقد السبعينات، لناشئة الشعراء والأدباء، تعريفاً بهم، وتقويماً لإنتاجهم، في الصحف والمجلات، كما وعبر الفعاليات المختلفة، واللقاءات المباشرة، ومشاركاته المشهودة في إطار "الندوة الأدبية" بأم درمـان، تحـت إشــراف عــبد الله حامد الأمين، وما أدراك ما نهارات جُمَعِـها الحـميمة التي تهيَّأت من خلالها، في منتصف تلك السبعينات، جمعية عمومية تأسيسية، عكفت على محاولة ماجدة لإطلاق "اتحاد الكتاب السودانيين"، بتكوين لجنة تمهيدية له تحت رئاسة شيخ شعراء الشعب محمد المهدي المجذوب، وعـبد الله نائباً له، واختير حبيبنا المحتفى بذكراه أميناً عاماً لها، وشخصي نائباً له. وكادت تلك المحاولة الباكرة تثمر، لولا أنها جوبهت بعوائق وعراقيل رسمية لا حـد لها، كمـا لعـبت دوراً سـالبـاً فـي ذلك، أيضـاً، وفـاة عـبد الله المفاجئة، ومن بعده المجذوب، ثم اضطرار النور للاغتراب في الدوحة، فانفرط عقد "الندوة"، ومن ثمَّ لم يُقدَّر لمشروع "الاتحاد" أن يرى النور إلا بعد عقد كامل من ولادة فكرته تلك، وذلك بفضل مناخ الحريات الذي نشرته الانتفاضة الباسلة في منتصف الثمانينات.

(2)
بين كل هذا وذاك، وإلى جانب قصائده التي شكلت له مدرسة شعرية شديدة التميُّز، وتحلق حوله، بفضلها، تلامذة نجباء، وحواريون أوفياء، ظل النور، أيضاً، يرفد الحركة الفكرية بنظر شديد الخصوصية والفرادة ما تلبث أن تحتدم، بدفعه التلقائي، حوارات ونقاشات تكاد لا تنتهي أو تهدأ. ففي 1962م، أثناء الفترة التي عاشها مع صديقه الشاعر محمد المكي إبراهيم في ألمانيا ما بعد الحرب الثانية، والمجتمع من حولهما يستشعر ندماً لا يخفى إزاء جرائم النازية التي صعدت، في حقبة العشرينات والثلاثينات، إلى دست السلطة، فأعلت، أيديولوجياً، من شأن هوية العنصر الآري وحده، وحطت من هويات بقية الأعراق، بل وسعت لإبادتها، فبدأ تفكير الشاعرين في سؤال هويتهما، ومحاولة التعبير عنه شعراً ونثراً. لقد كان ذلك السؤال، وفي تلك الظروف، بمثابة الحفز الفكري لتيار "الغابة والصحراء" الذي تبلور، وقتها، بقصيدة النور الأشهر "صحو الكلمات المنسية" عام 1963م، حيث تكرر مصطلح "الغابة والصحراء"، كما تبلور قبل ذلك بعام في مقالته الأشهر "لست عربياً .. ولكن" التي كتبها أواخر عام 1962م ولم ينشرها إلا بعد ذلك بخمس سنوات، في أكتوبر عام 1967م؛ وعموماً يؤكد النور، دون أن يدحض ذلك أيٌّ من زملائه المشار إليهم، أن الإفصاح الفكري، والسلوك الإبداعي، في مسألة "الغابة والصحراء"، هو مسؤوليته هو الشخصية!
عاد محمد المكي إلى السودان عام 1963م لإكمال دراسته بكلية القانون بجامعة الخرطوم، وليتحمَّل، لأسباب تتعلق، ربما، بالتواصل المباشر مع الحركة الشعرية والثقافية داخـل الوطن، عبء التبشير بالتيار الجديد. وهكذا، بفضل مكي، شمل ذلك التيار، في وقت لاحق، باقة من أجمل الشعراء، فيهم محمد عبد الحي، ويوسف عايدابي، وعلي عبد القيوم، وعبد الرحيم أبو ذكرى، وعثمان خالد، وعلي عمر قاسم، وآخرون. لكن المدهش، حقاً، أن تيار "الغابة والصحراء" شمل، في قول محمد عبد الحي، نفراً حتى ممن ناصبوه العداء في العلن، حيث كتبوا، على ما يبدو، في وقت واحد، تقريباً، مع رموز ذلك التيار، وقبل أن يعرفوا بعضهم البعض؛ كتب محمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر في ألمانيا، وصلاح أحمد إبراهيم في غانا، وكتب يوسف عايدابي، في رفاعه، قصيدته "أبو دليق" عام 1963م، وفي نفس العام كتب مصطفى سند، في أم درمان، قصيدته "أصابع الشمس"، كما كتب محمد عبد الحي، في الخرطوم، قصيدته "العودة إلى سنار".
كان "المضمون" العام لذلك التيار هو إعادة اكتشاف الثقافة العربية في السودان، وإعادة صياغتها وتشكيلها في المزج بين العروبة والزنوجة. وقد وجد رواده الشباب أولئك سنداً ودعماً قويين من هرم الشعر السوداني الشاهق محمد المهدي المجذوب، السباق للقول الشعري في ذات الفكرة:
عندي من الزنج أعراق معاندة
وإن تشدق في إنشادي العرب
لكن، لئن كان ذلك كذلك، من حيث "المضمون"، فإن أهم مقوِّمات "الشكل" التي اعتمدها كلٌّ من شعراء ذلك التيار لجدُّ مختلفة من شاعر لآخر. فإذا نظرنا، مثلاً، في قصائد الرموز الكبيرة لذلك التيار، في ضوء الملاحظات التي ساقتها الباحثة الأكاديمية سلمي الخضرا الجيوشي على قصائد شعراء الستينات، فإننا نجد أن محمد المكي إبراهيم وعلي عبد القيوم يميلان إلى وضوح الأسلوب، وبسط الحدود الخارجية للصورة، أما النور عثمان ابكر ومحمد عبد الحي فيميلان إلى الشعر المكتنز بالمعاني والصور، والذي يكسر منطق التركيب القديم للعبارة وأجزاء الصورة. لقد اتسمت قصائد أولئك الشعراء، أجمعهم، بتشابه الملامح من حيث "المضمون"، لكنها اختلفت من حيث التشكيل، والبناء المعماري، واللغة الشعرية، وهذه كلها من عناصر "الشكل" الأساسية.

(3)
وبالعودة إلى مقالة النور التأسيسية لتيار "الغابة والصحراء"، من حيث أنها شكلت المقدمة الفكرية لقصيدة "صحو الكلمات المنسية" التي سلفت الإشارة إليها، والمواجهة التي وقعت، بسببها، بينه وبين الشاعر المفكر صلاح احمد إبراهيم، فإننا نجد أن النور قد نحا، في تلك المقالة، صوب الإعلاء من شأن العنصر الأفريقي، وتأثيرات الثقافة الأفريقية في الشخصية السودانية، بصرف النظر عن اختلافات هذه الشخصية، وتمايز تكويناتها القومية، كما عارض اعتبار الإنسان عربياً لمجرد أنه يتحدث العربية.
رد صلاح على النور بمقالة لا تقِلُّ، بدورها، شهرة، وإن جاءت اتهامية له، صراحة، بالشعوبية، وقد نشرها بجريدة "الصحافة"، في 25 أكتوبر عام 1967م، تحت عنوان "بل نحن عرب العرب". وعَمَد صلاح، على خلفية هزيمة العرب أمام إسرائيل في يونيو 1967م، والإحساس بالجرح الفاغر في خاصرة الأمة العربية، إلى انتقاد التوقيت الذي اختاره النور لنشر مقالة يقول عنها، هو نفسه، إنها كتبت عام 1962م. لكن المدهش، هنا أيضاً، أن صلاحاً، بعد أن وصف سؤال النور الأساسي بالعنصرية والخلو من المعنى، انقلب يخاطبه، في خاتمة المقالة: "لا يا نور، بل نحن عرب العرب، جمعنا ما في العرب من نبل وكرم، وخير ما في الزنج من شدة وحمية"!
وهكذا، نخلص إلى أن صلاحاً انبرى بالهجوم على مقالة النور لمحض توقيتها، لا لخلاف عميق معه حول مضمونها. ولعلنا نقع على دليل آخر يسند هذا الحكم في رد صلاح على سؤال عبد الله بولا له عن قوله "نحن عرب العرب"، بأنه قال ذلك تعاطفاً مع العرب ضد الشامتين في هزيمتهم. ويقول عبد المنعم عجب الفيا، الذي أورد المحادثة، أن صلاحاً، عندما سُئل، لاحقاً، في باريس: من أنت؟! أجاب: "أنا الهجين عنترة"!
كان النور، عليه رحمة الله ورضوانه، سباقاً إلى الإفصاح عن مكنونات صدره في ما يتصل بهذه المسألة الحساسة. وكان محمد المكي وبقية الشعراء الذين انفعلوا بالمنطق المؤسس لتيار "الغابة والصحراء" سباقين إلى نشر عاطفة وتأثيرات وجدانية لطالما التمسوها في دواخلهم، ولم يطيقوا السكوت عليها! ولئن وقع الخلاف مع غيرهم حولها، فإنه ليس حول الصيغة النهائية للفكرة ذاتها؛ وهي، بالمناسبة، قديمة، ما انفكَّ يعبِّر عنها أصدق شعرائنا، وأدبائنا، ومفكرينا، منذ أيام حمزة الملك طمبل صاحب الدعوة الباذخة: "يا شعراء السودان .. أصدقوا وكفى!"؛ بل هو خلاف، ولا بُد، حول تركيب هذه الفكرة، وطريقة التعبير عنها، مما يستوجب الإحسان والتجويد.
لذا لم يعُد صلاح وحده إلى صورة "الهجين عنترة"، بل عاد النور نفسه، أواخر السبعينات ومطالع الثمانينات، ليشترك معنا، بل وليقود مفاكرتنا التي استغرقت شهوراً، بمشاركة الراحلين احمد الطيب زين العابدين وسرأناي كيلويلجانق، بالإضافة إلى نور الدين ساتي وشخصي، ثم أفرغت شرائطها وحررتها صحيفة الأيام الغراء، وذلك حول أفضل السبل إلى هذا الإحسان والتجويد للفكرة، وقد سكَّ نور الدين العنوان الشامل لتلك المفاكرة في مصطلح "السودانوية" التي ربما يحتاج الحديث عنها إلى مبحث آخر في غير هذا المقام.
شكراً لحسن استماعكم، والسلام عليكم.

***

[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2632

خدمات المحتوى


التعليقات
#583409 [عبد الرحمن مصطفى]
1.43/5 (11 صوت)

02-12-2013 09:51 PM
اختصار شعراء الغابة والصحراء تحيزول للغابة بوضوح ومن ذلك البيت الذي ذكره الكاتب
عندي من الزنج أعراق معاندة
وإن تشدق في إنشادي العرب
وكذلك كثير من النصوص خاصة عند النور عثمان ابكر ومن ذلك قوله:
لأي غاية زيارة الغريب في الضحى
النقلة المشبوهة المدار
فالعربي غريب وزيارته مشبوهةز وكذلك

.. هذا الذي تحكيه آية
نَمَتْ على شفاه الريح في القفار.
وهنا يشير إلى الاسلام ويعيبه بأنه نشا في الصحراء
ومن ذلك قوله:
لأي غاية يسير ذلك الشريد في الدجى?
يا أحرف الصحراء, يا منابع الأسى:
فالصحراء عنده منابع الاسى وهنا التحيز واضح جدا
لا يهمنا هنا التحيز لهذا أوذاك فنحن أفارقة وعرب لكن لماذا تعمد شعراء الغابة التحيز للغابة وابرازها اكثر والتغني بها والغشارة إلى العروبة بالريح والصحراء والبداوة والفقر والجوع وكذا؟
المسألة كلها انهم يريدون ابعاد الثقافة العربية التي تستند على الاسلام. اذن المقصود في المقام الاول الاسلام ز ولا يخفى علينا ان معظم شعراء الغابة والصحراء شيوعيون وعلمانيون وبعض العقائد الاخرى الفاسدة كا ظهر لنا عند النور أبكر


#583356 [خلف الله العفيف]
3.25/5 (3 صوت)

02-12-2013 08:40 PM
ما أروعك يا كمال حين تكتب بمزاج، لقد صححت لي فهمي للمرحوم صلاح حين ظننته عربياً قح، بإيرادك لجمعه خير ما في الزنج وبإضافة عجب الفيا.
أيضاً المعلومة الجديدة في المقال والتي تخالف الفهم السائد، بأن من سك مصطلح السودانوية هو نورالدين ساتي وكنا نظنه المرحوم أحمد الطيب زين العابدين.
لك ودي وفي انتظار المبحث الآخر


#583213 [جابر حسين]
3.79/5 (6 صوت)

02-12-2013 04:42 PM
العزيز كمال الجزولي ، القلم السيال في ضمير أمتنا ؟
شكرا لأجل هذه الكتابة الرصينة ، زودتني بماء المعرفة " فبل الريق ، وبدد العطش ،
أزرق ... أزرق ياجزولي ، بوركت لذاكرة الوطن ، للشعب الوفي وقد أنجبك ، شكرا جميلا سيدي !


كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة