المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الوحدة والانفصال من وجهة نظر سسيولوجية
الوحدة والانفصال من وجهة نظر سسيولوجية
11-06-2010 01:36 PM

الرأي25

الوحدة والانفصال من وجهة نظر سسيولوجية

نعمات عبد الرحيم وقيع الله

ظللت اتابع واقرأ لكثير مما كتب مع التحليل ووجهات النظر المختلفة، لقضيتي الوحدة والانفصال لجنوب السودان ، وتعددت الرؤى والاطروحات، فهناك من يدعو للانفصال إلا انه يرمي انسان الجنوب بالحجارة والسهام، ومن يدعو لوحدة جاذبة الا انه يرى ان فشل الوحدة يكمن داخل الفشل في تحقيق التنمية المتوازنة والتهميش مما اثار ويثير حفيظة انسان الجنوب ويدعوه لخيار الانفصال طواعية، و قليل من ذكر - على عجل - قضية اختلاف الدين والثقافة الاجتماعية على انها السبب الذي يثير رغبة انسان الجنوب في الانفصال حال تطبيق الشريعة الاسلامية وفقهها ومن ثم سيادة ثقافة الشمال.
واود ومن وجهة نظري كمتخصصة في علم الاجتماع ان اسلط اضواء كاشفة على قضية اختلاف الثقافات الاجتماعية دورها الكبير في تحريك مبدأ تقرير المصير لأهل الجنوب بداية، ثم دورها لانحيازهم لخيار الانفصال ، نهاية.
اذ انني افهم ان التقاليد والقيم والمفاهيم والسلوكيات لمجتمع ما، تمثل الثقافة الاجتماعية لذلك المجتمع ويطعم المجتمع ثقافته لافراده من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي تتم بصورة مقصودة او تلقائية من غير قصد.. ثم تشكل هذه الثقافة موروثا اجتماعيا يتناقل من جيل لآخر من خلال عمليات التفاعل الانساني الاجتماعي. والثقافة الاجتماعية يصعب تغييرها ولا يستحيل. وصعوبة التغيير تكمن في المقاومة الاجتماعية له، ثم وتقوى عوامل المقاومة ان كان هذا التغيير يستهدف مروثات متجذرة داخل المجتمع المعين - ولعلنا نتفق ان جنوب السودان يمثل مجتمعا قائما بذاته، له ثقافته وموروثاته وسلوكياته التي لا نستطيع ان ننكر انها تختلف عن ثقافة المجتمع في شمال السودان، الا انني اضيف ان في جنوب السودان كما في شماله ثقافات جزئية ( sub cultures) غير انها تندرج تحت مظلة الثقافة الام في أي من المجتمعين.
وقد يقول قائل ان الاستعمار هو من بذر بذرة هذا التبيان الثقافي بين شطري الوطن، وقد يكون في ذلك كثيراً من الصحة والصواب الا ان الحقيقة الماثلة بين ايدينا هي هذا التبيان والاختلاف وهو الواقع الذي نعيشه ولا نملك الا ان نقول (يلعن الله من كان السبب)!. ثم تبقى الحقيقة عارية كما هي اذ لا تفيدنا الاجابة على من هو الذي رسم لذلك وخطط له..
ثم والحقيقة الثانية هي ان الخمسين عاما الماضية بعد الاستقلال لم تفشل في جعل الوحدة جاذبة بعدم عدالة التوزيع في المشاريع التنموية وانما لانها في الاساس فشلت في ان تؤدي الى انصهار هاتين الثقافتين في ثقافة واحدة حتى يتم الانسجام والالتحام الكامل بينهما، اذ لا يزال المجتمع الجنوبي مختلفا عن المجتمع الشمالي... يعيشان بالقرب من بعضهما ولا يتزاوجان..!.. هذا ولعل من وقعوا على اتفاقية نيفاشا 2005م، عندما قرروا ان يصوت ابناء الجنوب فقط في استفتاء تقرير مصير جنوب السودان كانوا يستندون - بعفوية او عن فهم كامن في دواخلهم بأن جنوب السودان هو لابناء جنوب السودان وحدهم دون سواهم وان الجنوب ما هو الا رقعة جغرافية تنتمي - سياسيا - لوطن واحد الا انها (منفصلة ثقافيا)... عن شمال السودان.. وبهذا الفهم تم اقصاء اهل شمال السودان عن التصويت في الاستفتاء على حق تقرير مصير جنوب السودان المزمع في يناير 2011م.
هذا وان وجود ثقافتين جنبا الى جنب يولد الصراع لأن كلاً من الطرفين يرغب في ان تسود ثقافة دون ثقافة الآخر ويكون كل منهما يقظا بان لا تمارس عليه ضغوط من الآخر لتغيير ثقافته تغييرا لا يرغب فيه.. اذ ان عملية التغيير الثقافي لا تتم مطلقا بقوة القانون ولا قوة السلاح ولا تتم بقوة الضغط.. فالتغيير الثقافي يتم علميا وعمليا بصورة تلقائية، تدريجية ، سلسة الا انها بطيئة ، مهما كانت رغبة القوة السلطوية في تحديد اتجاه التغيير اور درجته... ثمان الثقافة الاجتماعية هي اقوى سلاح من ان يكون افراد المجتمع associated او disassociated اي موحدين او منفصلين وذلك بمقدار مساحة الاختلاف ودرجته واتجاهاته..!
وعليه، ارى ان انسان الجنوب الواعي لا يبغض انسان الشمال الا انه يدرك انه يختلف عنه ثقافيا لخصوصية ثقافته ومعتقداته وديانته.. كما وان انسان الشمال الواعي لا يحتقر انسان الجنوب ولا يعتبره مواطنا من الدرجة الثانية وانما يدرك انه فقط يختلف عنه ثقافيا... وعلميا يتحيز كل فريق لثقافته لا بل يرى انها الاصلح والافضل وهكذا علميا يبقى كل من الطرفين (cultural blind) اي اعمى لا يرى غير ثقافته وموروثاته ثم لا يقبل في غيرها بديلا..!
اذن .. ما يفرقنا في الاساس هو وجود ثقافتين ، نصارع لنجعل منهما ثقافة واحدة.. وذلك ان لم يكن قد تم خلال خمسين عاما من الوحدة لا يتم في الايام الباقيات..!!
لذا ارى من وجهة نظر سسيولوجية ان الانفصال ان وقع فلنا ان نقبله وان نحترمه في اطار هذا الفهم العلمي بعيدا عن العواطف والعويل على التأريخ وجغرافية المليون ميل مربع والتي كنا نصطرع داخلها... نقبل خيار الانفصال - ان تم - ونحن نحفظ الود بيننا لنكون دولتين شقيقتين. ثم وفي اطار نفس هذا الفهم تسهل عمليات الحوار والتفاوض في حل المشاكل والتداخلات في مسألة ابيي وترسيم الحدود واتفاقيات مياه النيل واتفاقيات وبروتوكولات استخدام الموارد الطبيعية المتصلة في المراعي المشتركة والنيل الواحد وغيرها من العمليات المترابطة والمتداخلة والتي فرضها وجودنا في وطن واحد يوما ما..
اذا تحرك القادة والاعلام بهذا الفهم والاحترام المعرفي، حين يختاراهل الجنوب الانفصال تذوب ثلوج الغبن وتجلو المرارات الكامنة مما يجعلنا نجلس بفهم مدرك لأسباب هذا الخيار ثم نرتب اوضاعنا كدولتين يربطهما الدم والرحم والمصاهرة الانسانية والمصاهرة الجغرافية والموارد المشتركة، فنصل الى انفصال سلس وهادئ وواعي لدوافع الآخر لهذا الانفصال لا بل ما هي دوافعه التي جعلته يطرح قضية تقرير المصير بداية.
وقد يقول قائل ان موارد البترول وغيرها من الموارد الاقتصادية ومطامع الدول الغربية في خيرات الجنوب وعدم تحقيق التنمية المتوازنة بين شطري الوطن هي مجتمعة تمثل الاسباب لترجيح اهل الجنوب لخيار الانفصال.. وقد يكون لكل ذلك دوره الا ان كل هذه الاسباب مجتمعة تأتي في المرتبة الثانية اذ انها كلها مجتمعة ما كان ان تطفو للسطح للمناداة بحق تقرير المصير لفئة ما، ان كنا اصلا مجموعة متجانسة ذات ثقافة واحدة مشتركة..
وفي اطار هذا الفهم ايضا ينتهي التخوف من مطالبة أجزاء جغرافية اخرى بحق تقرير المصير اذ ان الصراعات، مع الاجزاء الاخرى هي صراعات دوافعها اسباب اخرى كعدم التوزيع المتوازن لمشاريع التنمية او صراعات على الموارد الطبيعية واستخدامها.. وكلها قضايا يمكن الوصول لحلول لها بالحوار وعدالة التوزيع اذ اننا في الاساس نتقاسم ثقافة اجتماعية واحدة مشتركة وهي الرباط الاقوى الذي يوحد بيننا.
وبهذا الفهم... اصب ماءً باردا على حمم البركان الذي أخشى ثورته حال ان اختار الجنوب الانفصال وفضله على خيار الوحدة التي لا ادعو لغيرها آملين مستقبلا في تلاحم الثقافات وانصهارها..
والله من وراء القصد..

الصحافة

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1107

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#44003 [حامدابوعبدالمجيد]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2010 08:55 AM
سلام عليكم اخوتى فى الراكوبه
اخى دينق ساستنا لم يستفيدوا من هذا الوطن القاره والمختلف فى تكويناته الثقافيه والاجتماعيه ومتوفر له منابع المياه وثروه حيوانيه وزراعيه ومعادن وبترول وكل مقومات النهضة والحضاره والانتاج ولكنهم اشغلونا بالحروب والعنصريه
دعنا اخى دينق ندعو الى تعايش سلمى بوحده اوانفصال وننبذ المتطرفين من الفريقين ولانرهن وعينا لهؤلاء المتطرفين واصحاب نظرية الغلو حقنة وجالون بنزين والجيل الجديد توفر له كل مقومات الاتصال والتعليم بثوا الوعى والتعليم انبذوا العنصريه فهى اكبر داء ومهدد للنسيج الاجتماعى السودانى .... وختاما امد يدى اليك اخى دينق واكرر قولى لابد من نبذ العنف والتعايش بسلام والذى دعت اليه كل الاديان السماويه وعمر الشعوب لايقاس بفترة انقاذ او مؤتمر لابد من التفكير فى الاجيال القادمه وعليك الله يادينق ماتخلونا
..........تصبحوا على وطن


#43940 [كلامك صاح يا دينق]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2010 12:43 AM
و الله كلامك صاح يا دينق بس نعمل للحكومة دية شنو كانت على الأقل تتنازل الحين لتحافظ على وحدة السودان و لست أدري لماذا يتمسكون بكراسي ممزقة !!! يكادون أن يفعلوها إن لم يستدركوا الوضع فالتقسيم صعب على الكل و السلطة عرض دنيا زائل يا مؤتمر ، تمسكوا بالثوابت التي ستؤثر لآلاف السنين و لا تنظروا انتم اوالحركة الشعبية لمصالح مؤقتة تزول مع الأفراد (خط الوسط الي يتفق عليه الشمال و الجنوب و جميع مناطق السودان الأخرى واضح فلا تتهربوا و تحملوا المسئولية فالتاريخ لن يرحم والسودان في خطر أقله حدوث التمزق رغم أن العالم يتجه للتوحدات !!! الله يلعن التخلف اللي يولد الإختلاف إتحدوا أيها المتخلفون المختلفون لتسدوا ثغرة الإستعمار الجديد !!!


#43874 [دينق ملوال]
0.00/5 (0 صوت)

11-06-2010 08:10 PM
تحليل موضوعي جدا لكن في راي اعتقد بان لو تم فهم العلمانية يمكن ان تتعايش الثقافات في اطار دولة واحدة\\طالب بقسم علم الاجتماع جامعة جوبا;) ;)


نعمات عبد الرحيم
مساحة اعلانية
تقييم
4.23/10 (8 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة