02-18-2013 07:24 PM

في عام 1992م وصلني نبأ قبولي في الجامعة عبر وسائط اتصال مختلفة وأنا ببادية وادي هـــور، أتصارع مع رعاة الإبل والأغنام ، فتحركت بسفينة الصحراء ( الجمل ) نحو قريتنا قطاط التي تقع بالقرب من كرنوي المنسية ثم سيراً على الأقدام إلى كرنوي وفي اليوم الثالث حٌظيت بمقعد في إحدى العربات المتجهات الى محافظة كتم، ثم عاصمة إقليمنا الفاشر ثم كُتب علي الرحيل إلي أمدرمان عبر( درب أربعين) وفي ذاكرتي رواق دارفور والقوافل التجارية وحجيج غرب أفريقيا وسلطان علي دينار وسالم أبو حواء وحليمة سنقا، وعرفت خلال رحلتي الكثير من المناطق والقهاوي والاستراحات والمحطات الشعبية ببادية الكبابيش والحمر والكواهلة والمجانين ،بكردفان الغرة وما أن وصلت العاصمة فإذا بقطار الشرق تنتظرني لرحيل جديد إلى معسكر (أسوت ريبا) للدفاع الشعبي التي تقع بالقرب من تلال البحر الأحمر ببورتسودان وبعد قضاء شهرين مع عسكر من البحرية والدفاع الجوي ،عدت إلى الخرطوم العاصمة وبينما نحن بقاعة من قاعات الدراسة بالجامعة دخل علينا بروفسير فتحي المصري وطلب منا أن نتعارف قبل الشروع في المحاضرة وعندما حظيت بفرصة بين الصفوف قلت لزملائي في الدراسة ، أنا من بادية وادي هــور وتستغرق معي السفر أسبوعين حتى أصل إلى الخرطوم والمسافة بين البادية وأول محطة للمواصلات يومين بالدابة، ففوجئت ببعض الضحكات الساخرة من بنات العاصمة وشباب المنشية والطائف والمقرن ،ثم سألت إحداهن من زميلتها قائلة وادي هـــور( بضم الهاء) فقلت لها( بفتح الهاء) وقال لي أحدهم ما الذي أسكنك في تلك الأصقاع من الدنيا؟ فقلت له هي جزء من السودان وإذا زرت هناك وقلت أنا من الخرطوم سيقول لك أحدهم ما الذي أسكنك هناك أيضا؟ وبينما نحن في جدال حاد ،طلب منا بروفسير المصري أن نلتزم الصمت ثم قال لهم يا أبنائي، الجامعة تعني لنا السودان ، أليس من الأفضل لكم أن تعرفوا المزيد عن وادي هـــــور بدلاً من الضحكات الساخرة ؟ ثم قال لهم سوف أعتبر كل واحد منكم يصل بعد (هارون) غائباً في نهاية العطلة الدراسية واخصم منه عشرة درجات من المادة في الامتحان ، فأصبحوا يسألون عن حضوري في نهاية الإجازة فإذا سمعوا بوصولي حضروا جميعا ، خشية من أن تخصم منهم الدرجات العشرة وبمرور الأيام كتبت هذه القصيدة لطلاب الجامعة وفيها معاتبة للصحراء الكبرى لدفن مجرى وادي هــــور قبل أن تصب في النيل ووصف لمجرى وادي هـــور وصفات الإنسان فيها وبعض مناطقها والثروة الحيوانية وقصة الرجال والجمال والصحراء على مشارف جبل عوينات الليبية بحثا عن الأرزاق ، حيث عظام الرجال والجمال على حدٍ سواء ، ماتوا عطشاً ،تحاصرهم سموم الصحراء والحرارة المرتفعة وهم يشكون إلى الله ، الدولة السودانية التي منعت حقوقهم و أصبحت بذلك سببا في هلاكهم ، ثم تجربتي اليومية بالبادية بعيدا عن هموم العولمة ومشاكل الألفية ،ثم الفخر بشبابنا، وبوادي هـور في مسيرتها الطويلة مع بقية عناصر الطبيعة وهي تقاوم الصحراء و تودع الأجيال وتقارع السنين بحثاً عن مصب آمنٍ في مجاهيل الصحراء الكبرى.

وادي هَـــــــــــــور
أُعاتبُ الصحراءَ في دفنِ ممـــــرٍ سار في مجراها القوافلُ والرمالُ كثبان
عاق مجراها سدٌ بلا هندســــــــةٍ والنخلُ باسقة في البيداءِ رهبـــــــــان
وللطير أنشودةٌ عند البُكــــــــــورِ والصبار والأراكُ والغـــــــــــــــزلان
غابةٌ تُكثر الإعجاب لناظــــــــــرٍ طينٌ ورملٌ وللطيـــــــف ألــــــــــوان
والخمائل ترقص في رباها والندى وتعانقت فيها البلابل والأغصــــــــان
وجرى العيون بـمـرعاها و الظباء وباقات الورود ترنو بإكليلها والبستان
نحن نكــــــرم الضيف بلا اعتزازٍ ونوقد النار في الروابي والــــــوديان
نحن أناس لا نبخــــــل للسائـــــلٍ نحن الجود والكرم والإحســـــــــــان
كرنوي والطينة ،أمبرو ومـــزبد معالم للأجداد ولو طال الأزمــــــان
بوبا وفوراوية في أقصى الشمال وكارو ومن الواحات النخيل والعطـــرون

باسم ثروتنا أُفتتح البنــــــــــــــــوكُ وبفضل زرعنا صُنع السمـــــــــــاد
ولأبقارنا أشكال وألوان في نسلـــهم والجمال سفنُ للصحــــــــــراء رواد
والإبلُ تمضي بلا أملٍ والفتيةُ خلفهم وفلاة دونها الحـــــــزن والرمـــــاد
الرزقُ مقسومٌ وللموت أســـــــــبابٌ صوب العوينات والناس فـــــــــــراد
والأم تبكي وهي ثاكــــــــــــــــــــلةً والنجم ُ فوق الأفــق وسراب وجراد


مضى أمسي ببوادي هـور ســاعةً و للفــــــــــــــــرسان قصص ونوادر
مضى عهدٌ من البداوةِ صدفــــــةً وللحياةِ سننٌ وأخبــــــــــــــــــــــــــار
سكنتُ بواديٍ والصحراءُ قاحلـــةٌ رمالٌ وكثبان وآثـــــــــــــــــــــــــــار
ودعتُ مرا تعُ المها والخيل مسرجة ورحلت مبتسما بين الضباب والأزهار
ذرفتُ دمعي والباديةُ زفـــــــــافٌ زغاريدٌ وأهازيجٌ وأشعـــــــــــــــــار
أيقظتُ تقوىَ والصغيرةُ تبكــــــــي وحملتُ سيفي وللصيدِ أسفـــــــــــار
شربتُ الماء بفخارِ طـــــــــــــــينٍ وحفرتُ بآلة الزمان الآبـــــــــــــــار
بنيت داراً للضيف بعـــــــــــــازبٍ ونحرتُ إبلي وللأجداد أسمـــــــــار
كتبتُ على جــدران الجبال قضيتي وبتُ أحسب النجوم بوادي أمبـــــار


شبابنا نجومٌ في المنابر عطـــــــاءً وسواعدٌ لمصانع التاريخ أبطـــــال
شبابٌ اعتصـموا بحبل الله جميعهم نسور وللــــــــــراية أشبـــــــــــال
إذا ما تقـهقر الجبان مضرجاً بدمائه هجم الأسود وللشموخ رجـــــــــال
قضيتُ عمــري بشلالٍ من الضياءِ وأرحلُ اليوم بين الطندب والسيال
ستمضي عمر الحاضرين وتنقضي وتبقى خريطة هــور للأجيال تمثال


هارون سليمان يوسف
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2513

خدمات المحتوى


هارون سليمان يوسف
 هارون سليمان يوسف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة