المقالات
منوعات
عندما يغيب الأب
عندما يغيب الأب
02-19-2013 08:05 AM

(1)
يرن الجرس، تنظر للرقم، ويهجمك شعور بالانقباض، تحس على التو بأن الصوت الآتي من الطرف الآخر متغيّر ومتوتّر، ويزداد انقباضك، ثم يسقط الخبر. يحاصرك الخبر ويمسك بخناقك، وتحسّ بذلك اللسع الحاد في المآقي الذي يسبق انهمار الدمع.

ويعلو الصوت بداخلك: لا، لم يمت!
كيف يموت وأنت تحمله نابضا في ذاكرتك. هأنت تكاد تلمسه لمس اليد، يتراءى لك بجلبابه الأبيض الناصع البياض وطاقيته البيضاء التي تغطي مؤخرة رأسه ومركوبه الأبيض اللامع، لا تسمع صوتا ولكنك ترى وجها مبتسما، وجها عركته العقود ولم تنل منه إذ قاومها بسماحته وتسامحه وصبر لا قاع له.

يلسع الدمع عينيك وتحس بمرارة في الأحشاء، إلا أن يد الذاكرة الرحيمة تمتدّ لتجذبك وتضعك في حضرته. هاهو جالس على عرش الأبوة وهأنت تتقلب في أطوارك. هأنت طفل يحبو ويرفع عينيه ليرى وجها مبتسما يلتحم بالسماء. هأنت يافع تفوح منه رائحة التمرد والرغبة في اختبار العالم، وتتلفت لتجده قد أحاطك بفضاء فسيح من التفهّم والتسامح. هأنت راشد قد دخل معترك الحياة، وتتلفت لتجده سندا صديقا يعاملك وكأنك ندّه.

(2)
وذات ليلة مظلمة في بداية صيف قاسٍ تتحرّك الدبابات، وتصحو لتجد الوطن قد سُلب وعاد السجن الكبير الذي كانت قد تهاوت جدرانه قبل سنوات قلائل. ينهار عالمك وتجد نفسك ضمن الأفواج الأولى لمنفيِّي الوطن الجدد، وتصبح رقما جديدا ينضاف للقائمة الطويلة لمن وجدوا أنفسهم في المنافي منذ فجر الاستقلال بفعل الحروب الأهلية وقمع الأنظمة العسكرية وطغيانها. تجد نفسك بعيدا عن مراتع الصبا ومذاق الوطن وألوانه وأصواته، بعيدا عن الأم والأب، بعيدا عن الأخوات والأخوان، بعيدا عمن أحببت من أهل وأصدقاء. تحملهم في جوانحك، وتراهم في أحلامك وكوابيسك، ضاحكين وعابسين، فرحين ومكتئبين، شَبْعَى وجَوْعَى، مرتوين وظَمْأى، وتراهم وعيونهم تنظر بلهفة وتوق للفضاء الفسيح خلف القضبان.

(3)
هل كان أبوك وجيل أبيك من عامة المواطنين يتوقعون أن يطعنهم ذلك الخنجر وهم يكافحون من أجل الاستقلال ويحلمون بكرامة الاستقلال؟ هل خطر ببالهم أن الوطن سيُسلب مرات ويعجز ابناؤه عن العيش فيه؟ هل خطر ببالهم أن ما عجز الاستعمار عن فعله سيرتكبه بعض أبناء الوطن فيمزقونه ويقتلون مواطنيهم ويسجنونهم يعذبونهم ويشرّدونهم؟ هل خطر ببالهم أن الوطن سيدخل القرن الحادي والعشرين وهو من أفقر البلاد وأكثرها استبدادا وفسادا وأن المشروع الوطني سينتكس ليصبح مشروع عودة لأحكام وقيم القرن السابع؟

(4)
وتفكّر في أبيك وجيل أبيك. وتستوقفك الكثير من الصفات. كان التسامح صفة أصيلة من صفاته وصفات جيله، حتى صديقه الذي كانوا يصفونه بـ "الخامسي" كان رجلا معتدلا لا ينقصه شيء من التسامح. وتسأل نفسك: من أين أتى هذا التسامح؟ لم ترَ جدّك الذي مات قبل أن تولد، وعندما تسأله عنه تجد طرفا من الإجابة إذ أن أبيه كان متسامحا واسع الصدر. ولكن لعل الإجابة تلتحم أيضا التحاما وثيقا بواقع السياق الذي نما وترعرع فيه، وهو سياق سمح بالتعايش بين عناصر ثقافية مختلفة دخلت كلها في التكوين والتشكيل الثقافي للأفراد. ربما كان أبوك محظوظا لأنه هاجر لصقع آخر في الوطن ولامس عناصر ثقافية جديدة، ربما كان محظوظا لأنه هاجر من مدينة صغيرة ذات تنوّع محدود لمدينة أكبر ذات تنوّع أعظم. لا شك أن ذلك ساعد على تمديد أفقه واتساعه، إلا أن كل ذلك تفاعل مع تلك الخميرة الأساسية التي ظل يحملها داخله وهي صفة التسامح.

(5)
وتلاحظ صفة أخرى هامة في أبيك وجيله وهي الانشغال بالهمّ السياسي. لا يهتمون بما يحدث في الوطن فحسب وإنما بكل ما يحدث في العالم لأنهم يدركون ترابط الأشياء. هذا الهمّ المقيم غرسه فيهم الكفاح من أجل الاستقلال. صحيح أن الطور الأول في كفاحهم كان طور تحسّس واستكشاف للدرب انقسموا فيه لاتحاديين واستقلاليين، إلا أن الطور الثاني كان طور الطفرة الاستقلالية عندما اندمجت كل الأطياف في (الأزرق والأصفر والأخضر) ليولد الاستقلال. وبذا لم يكن جيل أبيك باستقلالييه واتحادييه جيل الاستقلال فحسب وإنما كان أيضا جيل الانقسام الحزبي (والطائفي). إلا أن حزبيتهم (وحتى طائفيتهم) حملت واحتضنت بذرة إيجابية هي بذرة شجرة الديمقراطية السودانية، وهي شجرة لا تزال حتى الآن تكابد وتبذل قُصارى جَهْدها لتوطّن جذورها وتمدّها ولتنشر غصونها باسقة وريفة تظلّ كل السودانيين.

(6)
وتقول لنفسك: صحيح أنه ذهب بعد أن تجرّع غُصّة إخفاقات ما بعد الاستقلال وبعد أن شهد المجاعات والمجازر وبعد أن شهد تراجع التسامح وانسحابه وبعد أن شهد انقسام الوطن، إلا أنه ذهب متماسكا وعاضّا بالنواجذ على استقامته وكرامته، وربما ظلّ حتى اللحظة الأخيرة يحمل جذوة جيله وأملهم بأن يصبح وطنهم "علما بين الأمم".

(*) محمد أحمد محمود أستاذ جامعي سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ويقيم حاليا في المملكة المتحدة.
kassalawi99@hotmail.com





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1415

خدمات المحتوى


التعليقات
#589803 [عبد الماجد عبد الرحمن]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2013 11:24 PM
1.الدكتور محمد محمود لمن لا يعرفه من هذا الجيل.. هو أحد أميز أساتذة جامعة الخرطوم في عهد مضى .. وفي وسط الثمانينات وفي حقبة الديمقراطية الثالثة قبيل انقلاب يونيو 89 كان محمد محمود يتألق ليس فحسب في علمه وأفقه الواسع الجديد وفي تدريسه الجاذب بطريقته الخاصة للطلاب , ولكن أيضا كان أستاذنا وصديقنا محمد محمود يتألق في مجال الكتابات والإسهامات الفكرية داخل الجامعة وخارجها (نشرة اليقظة) .. ومهما اختلف بعض زملائنا الطلاب معه وبعض الأساتذة في الأفكار, فقد كان الجميع يدرك عمق معرفته وعمق كتاباته وأفقها الجيد ونزاهته الفكرية والأخلاقية !! عمل الدكتور محمد محمود بعد هجرته أستاذا في الجامعات البريطانية وعمل لفترة في جامعة تفتز الأمريكية .. وهو الآن متفرغ للبحث والتأليف ونال درجة ماجستير أخرى في الفلسفة بالإضافة للدكتوراه التي نالها سابقا من جامعة أكسفورد في الأدب الانجليزي.

2.ميزة الطالب السوداني انه دائما يقدر عاليا التميز العلمي خاصة إذا امتزج بالنزاهة والترفع والتعفف والحماسة في التدريس.. وقد كنا جميعا (بما في ذلك الزملاء الاسلامويون/الكيزان) .. يحبون محمد محمود وكان بعضنا يحاول تقليده في طريقة الكلام واختيار الكلمات التي يفضلها هو !!


3.هذه القصاصات الحزينة الميلانكولية .. تصدر عن فجيعة الكاتب الدكتور لدى تلقيه نبأ رحيل والده قبل أيام قليلة.. يحاول فيها نسج الخاص بالعام.. أي طريقة ال weaving ..متوسلا في سبيل ذلك طريقة الكاتب الصومالي نور الدين فرح المفضلة.. وهي رواية وقراءة الأحداث من زاوية (ضمير المخاطب- You)..وهي طريقة ماكرة تتيح قناعا للمتكلم داخل النص يوفر له قدرا كبيرا من حرية الحركة وبالتالي قدرا من تشظي المعنى وتفكيكه وقدرا من الإبانة عبر التعمية !!

4. نعزي الأستاذ الصديق الدكتور محمد محمود في رحيل والده.. ولا شك أن أتموسفير الغربة والمنفى والبعد عن الوطن يزيد من مرارة فقده وحزنه على هذا الرحيل المؤلم .. ولكن من المؤكد أنه.. لم يمت من أنجب باحثا رفيعا وأكاديميا متفردا ومفكرا مستقلا مثل محمد محمود .. وان كانت الظروف حرمته من الوطن بكل زخمه الروحي والوجداني , فقد منحته في المقابل, ظروفا مثالية للكتابة والتأليف والبحوث المميزة.. وها هو يواصل كتاباته ودراساته وهو بعيد في منفاه في بريطانيا !!

شكرا لهذه القصاصات الجميلة.. ولك الود والمحبات.. وعريض المواساة في رحيل والدك !
عبد الماجد عبد الرحمن


#589718 [اوهاج]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2013 08:08 PM
عن1 نحن ايضا نعرفه جيدا قادما من النهود الى كسلا وكان احمد محمود الترزى الراقى المهذب فى جلبابه الناصع و لعله كان محظوظا مرة حين هاجر شرقا ومن هنا تشرق الشمس واخرى حين ارتبط باخرى اكثر ادبا وتهذيبا وكنا وكانت كسلا كل السودان اكثر حظا ان كان محمد وكمال وازهرى والكريمات اخواتك الكريمات
اعرف انك ما كنت ترغب ابدا ان تكون فى قائمة المنفيين ولكنهم ارادوا ذلك لو كنت ترغب فى ذلك كان بامكانك ان تفعلها وفعلها كثيرون فى ايام مايو ذهبوا على الحساب الدولة ونال شهادتهم ويمموا شطر الخليج ولكنك رفضت وروى لى الراوى ان قلت ان كان لابد من الهجرة فانامطالب بدفع كل تكاليف البعثة
مرتع الصبا فى ابوخمسة والجبهة الديمقراطية والاتجاه الاسلامى والاخوان الجمهوريون وصراع والنقاش الفكرى الجاد المثمر كنا زملائك وتلاميذك فى ذات الوقت ومنك عرفنا قيمة الفكر الماركسى و انتمينا ومازلنا وندين لك بالعرفان بقدر سعادتى اليوم ان وجدت الطريق اليك بقدر حزنى وانت تنعى لنا الوالد وتنعى الوطن


#589415 [قفة]
0.00/5 (0 صوت)

02-19-2013 12:09 PM
كلام مؤثر شديد وجميل شديد بختهم برضو عاشوا في زمن سمح لم يروا السوء الذي نعيشه


محمد محمود
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة