المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
تطلعات الجماهير تتصدر رسائل الميرغني
تطلعات الجماهير تتصدر رسائل الميرغني
02-20-2013 10:05 PM

تظل الرؤية الإستراتيجية لمولانا السيد محمد عثمان الميرغني في استيعاب حقائق التاريخ وطبيعة الأشياء ضمن سياق الواقع الموضوعي لمتطلبات المرحلة عاملاً مؤثراً في تجنُّب الكثير من المزالق التي يمكن أن تنحدر بالبلاد إلى هوة سحيقة وفقاً لقراءاته المختلفة، ومن هذه الزاوية جاءت تصريحاته الأخيرة في حواره مع "الشرق الأوسط" بتاريخ 13يناير2013م، لتؤكد أنَّ "التغيير قادمٌ وهو حتمي والوعي به ضرورة والتحوط والاستعداد له أمرٌ حيوي ليقود بالضرورة إلى مرحلة أفضل تكون الأكثر استقراراً واطمئناناً وأمناً وتألقاً وتكاتفاً بين الناس".
وينبع هذا الإحساس الوطني الصادق تجاه قضايا المرحلة الآنية في السودان من خلال رمزيته الوطنية التي يجسدها الواقع ويرفدها إرث ضخم من المواقف الوطنية التي تضيق عن الحصر، ففي أحد أقواله المأثورة في معرض حديثه عن مسؤولياته الوطنية وما ينتظره من مهام، يقول السيد محمد عثمان الميرغني: "تقع على عاتقنا مسؤولية وطنية وتاريخية، ولن نفرط مهما تعاظمت التحديات والصعوبات. وواجبنا أن نحافظ على سيادة الوطن واستقراره، ولينعم أهله بالحياة الآمنة المستحقة. وسنظل نتمسك بالسلام العادل وبرايات السيادة والديمقراطية والتعددية والحريات العامة والوفاق الوطني الشامل، وسنمضي في الطريق ولن تسقط هذه الرايات أبداً بإذن الله".
فما تعانيه البلاد من أزمات سياسية واقتصادية بعد الانفصال كان إفرازاً طبيعياً لما أفضى إليه القصور البائن في هندسة الاتفاقيات وغياب النظرة المستقبلية للنتائج المحتملة في القرارات المفصلية، ومرد ذلك إلى أن الاتفاقية جاءت في ظروف بالغة الحساسية للحزب الحاكم في سعيه الدءوب للخروج من عنق الزجاجة، فكانت نيفاشا العتبة الأولى في سلم الاندماج في منظومة المجتمع الدولي لتقنين شرعيتها الدستورية من خلال انتخابات عامة، لكنس آثار العشرية الأولى التي حاصرت النظام في مربع العزلة الدولية على أيام الدبلوماسية الرسالية التي أدخلت الشعب السوداني في عش الدبابير.
ومن هذه الوجهة جاء الدستور تعبيراً حقيقياً عن اتفاقية نيفاشا بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني اللذين وقعا على الاتفاقية في غياب الآخرين مما أحدث خللاً بائناً من حيث الشكل في دستور 2005م، الذي سمي بالدستور الانتقالي، وكان الأمل أن ينتهي أجله بالانفصال، لأن هناك نصفاً انفصل. مما يستوجب التوافق القومي على دستور دائم يبلور مفهوم الأمة، لا يمكن أن نتحدث عن مفهوم الأمة دون التوافق حول جدلية الهوية والسلطة والثروة وتوزيعها والاتفاق حول مكانة الدين من الدولة، ليرى أي فرد ينتمي إلى تراب هذا الوطن نفسه من خلال نصوص الدستور القادم.
ولكن حقائق الواقع تحدُّ بصورة عملية من هذا التوافق، نتيجة لما تمخضت عنه نيفاشا من تعقيدات في مناطق النزاع على وجه التحديد، وبأي حال من الأحوال ونحن نتحدث عن الجهود السلمية لدفع العملية السياسية، لابدَّ من التطرق لما ظل يتداول بين الفينة والأخرى عن مبادرة السيد جعفر الصادق الميرغني مساعد رئيس الجمهورية للمؤتمر الجامع وتشكيله للجنة حكماء السودان بين السودان ودولة الجنوب، والتي كانت بمثابة مدخل لحل المشكلات المرتبطة بالصراع بين الدوليتين في مناطق النزاع، بل وامتدت بمليء يدها للنخب المختلفة من مثقفين وقادة رأي وكتَّاب وغيرهم تناشدهم طرح الرؤى، وتعمل من أجل صهرها في مشروع موحد، وبالرغم مما يقوله القائمون عليها، من أنها تجد القبول، إلا أن كثيرون يرون أن الدولة لم تستفد منها الاستفادة الكاملة، فقد ظلت المفاوضات الثنائية هي سيدة الموقف.
وقد تنبه مولانا السيد محمد عثمان الميرغني إلى هذه الحقيقة باكراً، وقبل التوقيع النهائي على اتفاقية نيفاشا أن يخاطب طرفي الاتفاقية بأنه لم يأتِ إلى أديس أبابا بحثاً عن مقعدٍ ثالث للتجمع الوطني الديمقراطي ولا للحزب الاتحادي الديمقراطي ولا لشخصه، ولا مانع لديه في التوصل إلى اتفاق لوقف الاحتراب بين أبناء الوطن، ولكن يجب مشاركة الشعب السوداني ممثلاً في أهل الحلِّ والعقد والقيادات السياسية والكيانات الدينية والاجتماعية؛ لأنَّ حاضر ومستقبل البلاد يجب أن يكون توافقاً بين جماهير الشعب السوداني على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعقدية والعرقية.
ولا يمكن تحقيق أي انجاز وطني إلا من خلال إجماع وطني مع توفر أرضية صالحة للتفاهم والثقة المتبادلة. ولانلقي هذا الحديث على عواهنه، وإنَّما التجربة العملية في إنجاز اتفاقية "الميرغني-قرنق" تقف شاهدة على ما نحن بصدده، والذي كان يمكن أن يمثَّل جداراً عازلاً للتدويل الممنهج لما تلاها من اتفاقيات وعهود ومواثيق، ولكن حظوظ النفس والكسب الحزبي أطلَّ بوجهه على خارطة الوطن عنواناً بارزاً يزين صفحات المشهد السياسي في الصراع المهموم بين الفرقاء.
ففي كتابه"السودان وأهل السودان-أسرار السياسة وخفايا المجتمع"،في طبعته الأولى في العام2003م، مطبعة الشروق المصرية، ذكر الصحافي المصري يوسف الشريف:"وهكذا استقبلت الخرطوم السيد محمد عثمان الميرغني في مظاهرات شعبية تنمُّ عن ارتياح الشعب السوداني لاتفاقية السلام، فها قد آن الأوان لادخار الأرواح واستثمار تكلفة المجهود الحربي الذي كان يستنزف زهاء خمسة ملايين جنيه يومياً في إعادة البناء والتنمية، ولكن على ما يبدو أن الدكتور حسن الترابي أوغر صدر الصادق المهدي من النجاح السياسي الذي تحقق للحزب الاتحادي وتصاعد شعبيته عندما انفرد بتوقيع اتفاقية السلام نيابة عن الحكومة الائتلافية والأمة السودانية!".
ولنتجاوز الموقف الشعبي ونتوجه صوب الموقف الرسمي من الاتفاقية بحسب إفادات الدكتور منصور خالد في كتابه"النخبة السودانية وإدمان الفشل" في جزئه الثاني لينقل لنا غيض من فيض المحاولات التي جرت لإجهاض الاتفاقية في مهدها فيقول "شيء واحد استبدعه الناس يوم ذلك الحدث العظيم؛ إغفال أجهزة الإعلام المرئي لذلك الحدث الهام، في الوقت الذي كان فيه هو الخبر الأول في محطة الإذاعة البريطانية، وإذاعة صوت أمريكا، وراديو مونت كارلو، وإذاعات أديس أبابا ونيروبي وكمبالا. حسِبَ الناس أن وراء الأكمة ما وراءها، وما وراءها هو موقف رئيس الوزراء المحيِّر من الاتفاق. خرج رئيس الوزراء على الناس بحديث مفاده بأنه يقبل الاتفاق مبدئياً إلا أنه يريد أن يفاوض بنفسه في جزئياته، هنا استبدت بالناس الظنون فأخذوا يبحثون عن تفسيرات لهذا الموقف المربِك".
ولكن يظل التاريخ حاضراً بمواقفه ووقائعه ليقدم لنا الأستاذ يوسف الشريف في كتابه المذكور آنفاً تفسيراً لهذا الموقف المربك:"وهنا أروي بأمانة ما حدث عشية عقد جلسة استثنائية للجمعية التأسيسية حول اتفاقية السلام وإجازتها، حينما اجتمعت الهيئة البرلمانية لحزب الأمة مساء في فناء منزل الصادق المهدي بأم درمان حيث وجَّه النواب للتصويت غداً على إجازة الاتفاقية، و فجاءة وصلت سيارة الدكتور حسن الترابي وصحبه الصادق إلى مكتبه بالدور الثاني واستغرق اجتماعهما ثلاثة أرباع الساعة وبعدها غادر الدكتور الترابي المنزل في سيارته، ومرت ربع ساعة حين هبط الصادق من مكتبه، ووقف على سلم منزله. وخاطب أعضاء الهيئة البرلمانية بصوت متهدج النبرات قائلاً بلهجة آمرة:غداً تصوتون على رفض الاتفاقية..لقد استخرت الله وهداني إلى أن وراء الاتفاقية مؤامرة مصرية أمريكية.. ودون أن يمنح نواب حزب الأمة فرصة إبداء الرأي أو الاستفسار عن الأسباب وراء تغيير موقفه من الاتفاقية، تقدَّم نحو سيارته التي انطلقت به إلى مكان مجهول بينما النواب يضربون كفاً بكفٍ في حيرة ودهشة وإحباط شديد!".
ماذا يفعل النواب في حيرتهم وإحباطهم وهم يدركون أن الإمام الصادق المهدي لايلتفت إلا لنصائح صاحبه!، على الرغم من أن الاتفاقية كانت فرصة تاريخية قدمها مولانا الميرغني على طبقٍ من ذهب للسيد رئيس الوزراء باعتباره رأس الجهاز التنفيذي بحسب تراتبية النظام البرلماني في الحكومات الديمقراطية، وبرزت شخصيات أخرى متنفذة أسهمت بدور فاعل فيما يليها، فأكملوا المهمة بدقة يحسدون عليها، كالأستاذ عبدالله محمد أحمد وزير الثقافة والإعلام الذي تمَّ مكافأته بالمنصب ذاته في الحكومة التي تلت الديمقراطية الثالثة!.
وذهب نواب الحزبين في اليوم التالي إلى الجمعية التأسيسية ليس لخدمة الشعب وتحقيق الآمال الملقاة على عاتقهم لتدعيم خطوات السلام وقطع الطريق أمام المغامرات التي بدأت تلوح في الأفق، وإنَّما كان الأمر يتعلق بإيجاد مسوق قانوني لإجهاض الاتفاقية من خلال التصويت المباشر والنتيجة محسومة بداية... هكذا تنسج المؤامرات في مطابخ السياسة السودانية ويظل الوطن نهباً للطموحات الفردية والتطلعات الشخصية، ونظل مجرد متفرجين في مسرحية ليست لها نهاية، "والساقية لسه مدوره"!.
يبدو أن السيد محمد عثمان الميرغني أراد أن يمسك بزمام المبادرة للتعامل بحسم مع الملفات السياسية والاقتصادية بمبضع الجراح وليس بمسكنات "البندول" المنتشرة في صيدليات النظام التي بدأت تظهر آثارها الجانبية على جسد المجتمع السوداني المثخن بالجراح، عطفاً على خطاب الاستقلال: "لن نركن إلى الاستسلام والضعف، بينما الدماء تسيلُ كل يومٍ، والجراحُ تزدادُ عمقاً، والضائقة الاقتصادية التي تمر بها البلادُ جعلت الغالبية العظمى من أبناء شعبنا، يعيشون تحت خط الفقر، وضاق عليهم الوطن بما رحب، وبلادنا تزخر بالموارد التي تكفيهم، لو تمَّ استعمالها بالتدبير اللازم، وقطعت يد الفساد التي تنهب قوت الفقراء، وتسرق اللقمة من أفواه الجياع، وردٌّ لكل صاحب حقٍ حقه، فالمواطن السوداني صاحب حق أصيل في موارد بلده، وفي توزيعه العادل على بنيه كافة، دون جور واحتكار،اهتداءً بقوله تعالى:ولا تأكُلُوا أموَالَكُم بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وتَدلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ لتَأَكُلُوا فَرِيْقَاً مِنْ أَموالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
فالمدخل الحقيقي للانهيار الاقتصادي جاء عبر سياسة التحرير التي ابتدرها طيب الذكر السيد عبدالرحيم حمدي الذي أرَّخ لعهده بأكبر كارثة في تاريخ الاقتصاد السوداني عندما تمَّ تطبيقها على عجالة دون وضع الضوابط التي تحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، لتصبح مؤسسات القطاع العام سلعة مستباحة في ظل سياسة التمكين والتمكُّن، التي أوجدت ما يعرف بـ"فقه السترة". في غياب آليات المحاسبة الرادعة التي تعمل بشفافية لإنزال المشروع الحضاري على أرض الواقع بفهم المقاصد الكلية من النصوص الشرعية كمنهجٍ يمشي بين الناس في حياتهم ومعاشهم ومعادهم لتحقيق العدالة والمساواة ونشر قيم الفضيلة في المجتمع المسلم.
ونتيجة لذلك أصبحت الأنشطة التجارية والاستثمارية حكراً على فئة دون سائر خلق الله، في ظل الحماية والامتيازات التي تجدها بعض مراكز القوى في هذا الشأن، ومارافق ذلك من فشل السياستين النقدية والمالية وغياب المؤسسية والعلمية والشفافية في إدارة النشاط الاقتصادي بتأثير البيئة السياسية للحزب الحاكم بشكل عام. إضافة إلى تكلفة الحرب والسلام والتفاوض التي كانت إفرازاً طبيعياً لسياسات الدولة خصوصاً بعد خروج النفط من الميزانية.
وهناك ما هو أخطر من ذلك ممثلاً في قابلية العقل الجمعي للسيناريو الأسوأ في ظل التدخلات الأجنبية في الشأن السوداني، اعتماداً على المعرفة المتحصلة من المشهد العام التي تؤكد بصورة لاتقبل التأويل على أن المواجهة الثقافية والأيدلوجية والاجتماعية بين النخب السياسية والمجموعات الإثنية مع السلطة المركزية تجاوزت الخطوط الحمراء والإشارة بدأت تتلون باللون البرتقالي، والذي يعود بشكل قاطع إلى غلبة مفهوم القوة وفرضيات الواقع التي أوجدتها النظرة الإقصائية للآخر المختلف في هيكلة مؤسسات الدولة وفقاً لما يؤدي إلى ديمومة استمرار الأوضاع على ماهي عليها، والاستئثار بالسلطة والثروة التي تحكمها الانتماءات السياسية قرباً وبعداً من النظام، لتأتي خصماً على التوافق الشعبي والأمن النفسي للمواطن جنباً إلى جنب مع تضاؤل فرص كسب المعيشة في حدها الأدنى، وازدياد معدلات الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي الصارخ.
ووفقاً للخلفية المعرفية بمـآلات الأمور يرى مولانا الميرغني أنَّ أي إصلاح حقيقي لا يستوي على سُوقهِ إلا بالوفاق الوطني الشامل "ورتق الفتق الآخذ في الاتساع، والذي لو لم نتداركه سيضيع الوطن..ونهدم بمعاول التفرق مجدنا ونحرق بنيران العداوة زرعنا وضرعنا". ولكن مما يؤسف له أنَّ السير على صراط الحكمة والاستماع إلى صوت العقل لبلوغ الأهداف الوطنية في الاستقرار والسلام والتنمية محفوفٌ بجحيم الأجندة الخارجية ونزوات السلطة الزمنية"ولن يتحرر الوطن من كبوته إلا بعد أن نسموا جميعاً على ذواتنا، ونتخلص من استعلائنا ورعونتنا".
وعلى غير ما يظن الكثيرون عن مراتب النفس السبعة ليست لمسميات مختلفة ومتباينة؛ بل هي مراتب للأمارة بالسوء،...ومثال ذلك:إذا تخلف عن الأمارة اللامبالاة واستصغار الكبائر والمجاهرة بالفسخ وأصبحت تشعر بخطر ذلك عليها وتأنف من هذه الأشياء التي كانت تعتادها وترتادها، إذا وقع في شيء منها أنَّبها الضمير فإن تلك النفس قد صارت لوامة... وهكذا يتخلف في كل مرتبة جزء إلى النفس الكاملة وهي درجة الصديقية وفي تلك الدرجة العليا يتخلف آخر صفة من صفاتها، وهي حب الرئاسة والتسلط وهي أخطرها وأشرها وتستأثر بها إلى درجة الصديقية، فانظر يرحمك الله في خطر هذه النفس"، كما يقول الإمام الشيخ علي زين العابدين بن عوض في كتابه"تاج الأولياء والأولياء". فكيف السبيل لنسمو بأنفسنا ونترفع عن الصغائر لخدمة شعبنا وأمتنا؟!.
في اعتقادي أن رؤية السيد محمد عثمان الميرغني في خطابه الواصف للصراع السياسي، والاحتقان الاجتماعي، وما يعتري الوطن من نزيف متواصل للزرع والضرع والبشر، يحتوي على كثير من المحاذير كما يحتفل بالكثير من الموجهات العامة التي يدركها الطرف الآخر جيداً إذا تدبرها في خلق مسارات آمنة للحلول الوطنية وبقناعة راسخة، حتى يخرج النظام من الحلقة المفرغة التي نسجتها الأجندات الخارجية حول عنقه وبصورة تؤشر إلى ارتفاع مناسيب التوتر إلى حده الأعلى، بوضع الحزب الحاكم تحت الضغط المتواصل، مع تقليل مساحات التحرك والمناورة السياسية.
وإذا وضعنا في اعتبارنا صيغة التحالفات البراغماتية بين القوى السياسية والمندرجة تحت حسابات الربح والخسارة في عملية توزيع المناصب وتقسيم المغانم بالتوازي مع المغارم التي يجنيها الشعب من تلك الصراعات، أدخلت العملية السياسية بمجملها في دوامة لعبة الكراسي دون تحسبٍ لتداعيات الصراع على الصعيدين السياسي الاجتماعي.
إضافة إلى ظهور وسائل الإعلام الموازية للإعلام الرسمي من خلال الصحف الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي التي أضحت مظلة خارجة عن وسائل الضبط التقليدية لتقديم وجهات النظر المعارضة للنظام القائم وتشكيل الرأي العام والتي تذهب إلى درجة التطرف أحياناً، من خلال تناولها للأحداث المتلاحقة من وجهة نظرها التي ضاقت بها مواعين الإعلام الرسمي وتقرأ في سياق تصريحات الدكتور أحمد بلال وزير الثقافة والإعلام الأخيرة، وخصوصاً مع بروز الخطاب الأيدلوجي الحاد الذي يسهم بشكل سلبي في تأجيج المشاعر المُستَفَزة "بفتح الفاء"، وتحفيز العنف الكامن في مخيلة أطراف الصراع السياسي.
ومع تداخل الثقافات وظهور موجات التحرر من قيم المجتمع السوداني والخروج عن المألوف في المنهج والمسلك في عصر الفضائيات المفتوحة وشيوع ثقافة الإثارة الذي تلازم مع الخطاب الديني المتطرف أحدث خللاً في البنية الفكرية للشباب الناهض وهشاشة في التفكير الناضج، وغياب الأوعية الثقافية والسياسية التي تستوعب الطاقات المهدرة بصورة تسمح بحرية التعبير والتنظيم، ومع تراجع المؤسسة الصوفية عن دورها في رفد المجتمع بالثقافة الدينية التي شكلت سياجاً وحصناً منيعاً في مواجهة الاستلاب الفكري، لما تعانيه من ضغوط نفسية لدفع استحقاقات العمل الدعوي من خلال تأييد سياسات النظام إلى جانب شغلها بمعارك إنصرافية في مواجهة جماعات التطرف الديني.
فإن محصلة كل ذلك ما نراه من قدحٍ في العقائد وانتقاص من الذات المحمدية عليه أفضل السلام وأتم التسليم، والاجتهادات المفارقة للاشتراطات المعروفة عند علماء الأصول لعدم أهليةِ مَنْ يتصدرون الواجهات الدينية باسم التفكير والتجديد أحياناً أو باسم السلف الصالح في أحيانٍ أخرى. إضافة إلى الفتاوى الدينية التي أصبحت ميداناً جديداً لتصفية الحسابات السياسية والفكرية في سوق السياسة وبالتقسيط المريح، والتنصير المنتظم لمن نشئوا في بيئات مسلمة، أضف إلى ذلك هجرة الكفاءات ونزيف العقول التي أسهمت بخبراتها في نهضة البلدان التي هاجروا إليها، إلى جانب تنامي ظاهرة الذئاب البشرية في شوارع المدينة والمؤسسات التربوية الذين أصبحوا يختالون براءة الأطفال والاعتداء على الحرمات، مع ارتفاع معدلات الجريمة النوعية، ورفع رايات القبيلة والموازنات الجهوية في إطار التنافس السياسي حتى داخل أسوار المشروع الحضاري، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟!.
فالآلية المتحكِّمة في التعاطي مع الشأن العام والسلوك المتبع في إدارة المجتمع والدولة تنبني بصورة راصدة على معطيات متناقضة من خلال التضييق الممنهج للأحزاب السياسية ذات الثقل الجماهيري التي تعدُّ الأوعية الشرعية والآليات المعتمدة في الأنظمة الديمقراطية بوسائل تفتقر إلى الأسس المتعارف عليها، وينسحب الأمر على مراكز الإشعاع المعرفي والبحوث الأكاديمية، ناهيك عن أي تجمعات أخرى حتى إذا كانت جمعية أدبية لأخوان الصفا وخلان الوفاء، يجب أن تدار تحت أي لافتة من لافتات الحزب الحاكم ذات الذراع الطويلة في شتى مناحي الحياة السودانية، في الوقت الذي يطلب فيه النظام من الأحزاب والمجموعات المختلفة الالتزام بقواعد اللعب النظيف في إطار التدافع السياسي!!.
حيثُ الكتابة رحلةٌ
بين الشظية.. والشظية
حيثُ اغتيال فراشةٍ في حقلها
صارَ القضية...
تأسيساً على المقدمات الماثلة أمام العيان والنتائج المحتملة من انسداد الأفق السياسي "من المهم أعمال الحكمة والتروي والرؤية الايجابية ليكون التغيير وفق التطلعات المشروعة والحيوية لأهل السودان وطبيعتهم ومزاجهم ووعيهم الذي يرفض الغلو والشطط والتسلط والعنف. ويتوق دوما إلى التسامح والتحاور وقيم الخير والقبول والاحترام المتبادل"، بحسب رأي مولانا الذي دفع بثقله السياسي ورمزيته الوطنية لمجابهة التحديات التي تواجه البلاد والعباد حتى لا نفقد الوطن الذي نختلف حوله، وفي مخيلتنا كلمات الشاعر المهجري الياس فرحات:"فِيْمَ التَقَاطُعَ والأوطانُ تَجمعُنَا؟... قُمْ نَغْسلَ القَلبَ مما فيهِ من وَضَرِ"!.


د. أسامة خليل
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 767

خدمات المحتوى


التعليقات
#591876 [محمد علي بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

02-21-2013 11:53 PM
يا راجل انت بجدك
دا باع قضية الخلاص الوطني بثمن بخس
شرد كوادر الحزب وشردهم في استراليا وكندا وأمريكا وكل انحاء العالم
واخرتها شارك في النظام بأضعف الناس واقلهم علماً وخبرة ومعرفة
خسارة القروش الاتصرفت في تعليمك


د. أسامة خليل
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة