في



الفجر الجديد.. لا شيء جديد
02-23-2013 12:47 AM

لقد وقعت بعض القوى الوطنية خاصة التي تعارض النظام عسكرياً على اتفاق في كمبالا سمى «الفجر الجديد»، ولكن بعد لحظات تنصلت منه معظم القيادات الحزبية في الداخل ما عدا الحزب الشيوعي وبعض القيادات من القوى الصغيرة، وقبل أن نتحدث عن الاتفاق لا بد من الاشارة إلى تنافر الأحزاب السودانية فيما بينها سواء في السراء أو الضراء، لقد اختلفت قيادات الأحزاب قبل أن تسجل أحزابها في عام 1945م، لقد اختلفت هذه القيادات منذ أن عرف السودان بأشكاله الفيدرالية، مملكة النوبة، مملكة العباسية تقلي، مملكة سوبا، مملكة دارفور، وبعد الغزو التركي أيضاً اختلفت حوله القوى السودانية، فمنها من هادن الغزو لضعفه، ومنها من رضي بالخدمة تحت مظلته، بل إن البعض كان يمسح حذاء المستعمر عندما يركل هذا الحذاء أحد السودانيين فقط لأنه لم يستطع دفع الضريبة الباهظة، أما لماذا يمسح هذا السوداني هذا الحذاء؟ يمسحه خشية ألا تتعلق به أوساخ «المركول» !! ومن القوى السودانية من ناجز الاستعامر بكافة أنواع المناجزة، ومعروف تمرد القوات السودانية في كسلا أو انتفاضات سنار، وأخيراً وبعد أن لحقت دارفور بحكم المستعمر التركي ناضلت مع الثوار حتى ظهرت المهدية، وأيضاً اختلفت حولها بعض الشرائح الدينية لاسيما المراغنة، فقد كانوا ضد المهدية رغم كل مبرراتها، فهذه الاختلافات عاشت في رحم الأحزاب السودانية قبل أن تولد وبعد أن شبت عن الطوق. ولم تلتئم هذه الأحزاب في بوتقة واحدة إلا عام 1953م، وهذا الانجاز هو الذي حقق استقلال السودان، فمتى تعرف قيمة الوحدة، ولولا هذا الاتفاق لما تحقق الاستقلال. ولكن سرعان ما عادت حليمة إلى قديمها. ونتأسف لأية امرأة عظيمة اسمها «حليمة»، وليس هناك أعظم من حليمة السعدية مرضعة خير البرية، ولكنه مثل اعتدنا عليه.. وعلى العموم رجعت الأحزاب إلى مشاكساتها وهي السبب الأساس في دخول الجيش في السياسة، فقد كان الجيش متمثلاً في قياداته زاهداً في التعاطي مع السياسة، ولكن حسد الأحزاب فيما بينها هو الذي أغرى الجيش بالتدخل في الحكم. ومنذ ذلك التاريخ «نوفمبر 1958م»، لم تجد الأحزاب عافية التصالح فيما بينها. وكلما دخلت أمة لعنت أختها حسداً من عند أنفسهم، ضاربين بمصلحة البلاد والعباد عرض الحائط، حتى أصبحنا أضحوكة العالم بعدما كنا زهرة يستنشقها المحبون، ويتخيل جمالها الشعراء ويتغنى حولها الفنانون، كنا الثمار ويأتي النحل ليرتشف رحيقها، وهو بدوره ينتج عسلاً شراباً طهوراً للآخرين، وحتى لا نسترسل في تاريخ الأحزاب وتناقضاتها مع نميري لتحارب ثم تحالف ثم تخالف، واختلافها في الديمقراطية الثالثة، وتوقيعاتها مع الحركة الشعبية ثم «توضيحاتها» بعد بتوقيع، حتى هبت ريح أشبه بريح الأحزاب يوم أُحد فاقتلعت الخيام، فجاءت الإنقاذ، ومع ذلك كانت الأحزاب تراهن على أن هذا النظام لا يصمد لأكثر من ستة شهور، فجاءت الستة وكثرت الستات، حتى ستات الشاي لا يحصى عددهن من كثرة اختلاط الحابل بالنابل في هذا الوطن القتيل.
أما بالنسبة للفجر الجديد فهو لا يختلف كثيراً عن توقيعات القوى المعارضة مع الحركة الشعبية قبل سقوط نظام نميري، ولكن ما أن حانت الفرصة لقوى الداخل عند قيام الانتفاضة حتى نسيت كل ما وقعته مع الحركة الشعبية، فقط كانت نظرتها متى تحكم، فضيقت الفترة الانتقالية للمشير سوار الذهب، وقبل الاستعداد للانتخابات، وقبل الاتفاق على برامج وطنية، وقبل الوصول لاتفاق جديد مع الحركة الشعبية الشريك الأساس في النضال لاسقاط نميري، فكان للأحزاب ما أرادت، فأقامت الانتخابات على استعجال، ونفض الشريك الاساس لها في النضال يده من الانتفاضة ونعتها بأنها «مايو تو»، وعمل ضدها حتى ساهم في إسقاطها بعد اختلافها على اتفاق «الميرغني ــ قرنق». واستمر اختلاف الأحزاب فيما بينها حتى استغلتها الحركة الشعبية أسوأ استغلال في التاريخ، بعد ما كانت هي تستغل آباء قيادات الحركة الشعبية أسوأ استغلال في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وهكذا تدور الدوائر. فمن ظواهر اختلاف الأحزاب أن وافقت المعارضة على تقرير المصير للجنوب في مؤتمر أسمرا للقرارات المصيرية عام 1995م، فهذا القرار كان صدمة للإنقاذ بل اعتبرته كفراً بواحاً، ولكن نسبة للمزايدات والاختلافات بعد فترة قليلة ركبت الإنقاذ موجة تقرير المصير للجنوب، ولكن بفهم غير فهم المعارضة، ومشت إلى نهاية الشوط، وانفصل الجنوب بعد ما أعطي حق تقرير المصير، وكانت الإنقاذ تريد أن تسحب البساط من تحت أقدام المعارضة، ولكنها بهذا السلوك سحبت البساط من تحت أقدامها هي، ومازالت الحركة الشعبية وبعد أن صارت دولة تتلاعب بالأحزاب حاكمةً ومعارضةً كما تلاعبت بها منذ أن جاءت الانقاذ للحكم، فهي وراء مؤتمر كمبالا «الفجر الجديد» لأنها هي التي وقفت مع الحركة الشعبية قطاع الشمال، وهي التي تدعم الحركات المسلحة ولم لا، والحكومة تعمل كل ما في وسعها لإضعاف الحركة الشعبية «ما فيش حد أحسن من حد»، «والعندو مقدرة على أولاده يدخلهم بيته»، ولكن إذا ما تركت أسرتك أو إخوتك في الشارع فلا تستبعد أن يتخطفهم الناس من حولك، وهذا مدعاة للإنقاذ أن تلم شعثها وشملها، وتلتفت للقوى الوطنية لتتفق معهم على كلمة سواء، ولأن القوى الوطنية في شلل تام فلا نستبعد أن تقع في أحضان جهة دولية أو إقليمية، لتقرر مصير جهة أخرى غير الجنوب، ونكون كمن فقأ عينه بيده.
والفجر الجديد عقد ضرار، ليس إلا، وعبارة عن غضب مبعثر في كل مكان، وتسديد لكمات في الهواء وفي الظلام ربما تصيب وربما تروح في الهواء، ولا أهتم بتفاصيل الفجر الجديد، ولكن أهتم بكلياته:
1 ــ إن الأحزاب السودانية غير صادقة مع الحركات المسلحة، فما أن تلوح لها في الأفق سانحة الانقضاض على الحكومة حتى تتنكر للحركات المسلحة وتحاربها كما حاربتها الإنقاذ، لأن طموح الحركات المسلحة في ازدياد بعدما استندوا على دولة شابة ثورية كدولة الجنوب.
2 ــ الرؤى الفكرية الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الدينية والعسكرية مختلفة تماماً بين الأحزاب والحركات المسلحة، ودمج هذه الاختلافات في بوتقة واحدة صعب جداً، وسيصبحون كالفرقاء المتشاكسين إذا ما ركبوا في سرج حكم واحد.
3 ــ إن الحركة الشعبية لها رؤية محددة في هذه الأحزاب السودانية القديمة، ولا أعتقد انها ستدعم أي توجه فيه هذه الأحزاب، فالسودان الجديد الذي نادى به جون قرنق مازال هو المنفستو للحركة الشعبية، ومازال قرنق يحكم الحركة الشعبية من قبره، فسلفا كير رجل وديع وطيب يحترم مقدراته، ولن يستطيع أن يصنع مقدرات وكاريزما تجعل الناس ينسون ولو جزئياً مقدرات جون قرنق.
4 ــ في الداخل هنا وهناك رؤى غير ظاهرة ترنو إلى التغيير الشامل، ولا ترى خيراً في الإنقاذ ولا في الأحزاب، فهذه القوى لها تأثير قوي خفي ربما يلقي ظلاله على أطروحة «الفجر الجديد».
5 ــ إن الإنقاذ التي منذ أن قامت تعيش على رزق اليوم باليوم، لا تفتأ تسعى إلى تكسير أجنحة «الفجر الجديد» سواء بالترغيب أو الترهيب، ولن تسعى إلى فجر جديد حقيقي يبزغ خيراً للجميع، ولو فعلت ذلك لقلبت الطاولة على الكل وجعلت من الأحزاب معولاً يحطم الأصنام ويعبد الله الواحد الرحمن.
وفي النهاية انتهى «الفجر الجديد» بتنصل الأحزاب، وستظل المراوغات كما كانت حتى انفصل الجنوب، وقبل أن تسقط الإنقاذ سيبدأ انهيار جدار آخر من الوطن لنتبارى في تقرير مصيره، ولن تزول الإنقاذ، ولن تتفق الأحزاب حتى يُمحى اسم السودان من الوجود.

abdoelec2@gmail.com





تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1697

خدمات المحتوى


التعليقات
#594345 [علي موسي]
2.44/5 (5 صوت)

02-24-2013 08:01 PM
السيد عليو كم عدد ابناء الرزيقات داخل السجون بسبب الاتجار بالحشيش ولماذايتاجرون وهل حبا في ذلك اخي مدينه قارقة في الظلام لماذا لاتكتب عن حالة المدينة التي تعيش اوضاع البؤس السرمدي


#593813 [فوراوي]
2.32/5 (5 صوت)

02-24-2013 10:32 AM
أخي محمَّد عيسى عليو، أنا أحترم مقالاتك بشدة و أحترمك قبلها، و قد تجدني مُختلفاً معك بعض الشيْ، بالنسبة لنا فأنت من حكماء دارفور، و مؤخراً ظهر الأخ/ حكيم دارفور بلا منازع الدكتور عبد الحميد موسى كاشا، و من الشواهد على حكمته أنَّ بعض أهل المركز قد نسبوه إلى قبيلة الفور، و ذلك عندما خرجت "كلمة" عن بكرة أبيها تطالب بإعادة الوالي كاشا...و الذي برغم الأحقاد و الضغائن ما استطاع أحدٌ أنْ ينال منه و يثبت أنَّه جنجويدي...ما نرجوه هنا هو فقط التركيز على ما يجمع شمل أهلنا و ليس ما يفرقهم، فمقالك هذا عن الفجر الجديد كان من المفترض أن يكتبه شخص آخر، أنت منذ اليوم و أحسب أنَّ لي عليك حق أرجو أن توافق على التركيز فقط في الجوانب الناصعة لمجتمعنا في دارفور...و هذا الطلب موجَّه للأخ/ عبد الله آدم خاطر أيضاً، و الأخت مريم تكس...وكل قامات دارفور الصحفية...
أخي عليو: لا تكتب عن الرزيقات و حدهم، و لا عن الفور أو الزغاوة أو غيرهم، و لكن تحدَّث عن وحدة دارفور...مثلاً تحدث عن لماذا سُميَّ الناظر مادبو ـ رحمه الله ـ بهذا الاسم الفلَّاتي ـ؟ لماذا تزوَّج مادبو من المعاليا، لماذا تزوَّج علي دينار من كل قبائل دارفور الكبيرة، لماذا تزوَّج الناظر دبكة الله يرحمه وزوَّج بنته لفوراوي، لماذا تزوج المقدوم ـ الفورواي ـ من برناوية؟ لماذا يتزوج قادة الإدارة الأهلية في دارفور دائماً من خارج قبائلهم؟ ولكم جزيل الشكر و التقدير...


#593239 [lwlawa]
1.47/5 (7 صوت)

02-23-2013 05:08 PM
هنالك مثل عامي يختص اكثر بالرعاة يقول فيما معناه : -الجفلن خلّهن ،أقرع الواقفات-..؟!..وأدلى الكثير من الكتاب والمفكرين بدلوهم في اطار هذا المعنى، ولو كان بالانقاذ رجل رشيد، لإلتقط القفاز وصنع فجرا جديدا لما بقي من السودان. فجر يبدد هذا الظلام الحالك الذي نسير فيه . ولكن لا حياة لمن تنادي . فلن يصنعو فجرا ولن يدعو الفجر يبزغ،وهذا مستحيل ...؟!


#593090 [snamaka]
2.38/5 (4 صوت)

02-23-2013 02:51 PM
كلما طالعت نص الفجر الجديد، أجدني محتاراً حول كل هذا الزخم الذي منح لهذه الوثيقة، بل وحتي الهجوم المستمر الذي قابله به المؤتمر الوطني وفي رأيي المتواضع أن المؤتمر الوطني لو تمعن في هذه النصوص لهلل لها وكبر، فهي لا تنشئ معارضة، ولا تقدم حلاً ولا حلولاًُ لأزمات الوطن أو تجد سيراً نحو ديقراطية مطلوبه، الفجر الجديد يصلح ليكون برنامج إنتخابات المؤتمر الوطني لإنتخابات 2015، فهو أبقي علي كل ما شيدته الإنقاذ وبني علي ما اقامته، فو الله أنا محتار من هذا المياق وهذه الوثيقه.


#592795 [سودانى%]
1.00/5 (1 صوت)

02-23-2013 09:33 AM
كلام فضفاض مائع مفبرك يدل على نفسية مهزوزة ماقادرة تحدد موقف ثابت ورائ شجاع فى الواقع السياسي الراهن وعامل فيها محللاتي كبير قال بشخص التاريخ السياسي للاحزاب.


#592641 [اسمر]
4.00/5 (3 صوت)

02-23-2013 01:36 AM
يااخى مامتشوف ليك شويه فول مدمس امشى استمتع بيهو فى تكيه سيدى المهدى

مالك ومال الفجر الجديد والهلال الخصيب .ماكلمتنا عملتو شنو فى قضيه هندوسه؟


محمد عيسي عليو
محمد عيسي عليو

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة