المقالات
السياسة
الاستقلال و الديمقراطية تزاوج لم يكتمل
الاستقلال و الديمقراطية تزاوج لم يكتمل
01-09-2016 12:38 AM


يختلف الناس في تعريف الديمقراطية، اختلافا لمرجعياتهم الفكرية، و أيضا يختلفون في تقيمهم لعدم تزاوجها بقضية الاستقلال، و يرجع ذلك لاختلال توازن القوة في المجتمع، علي ثلاثة مستويات مختلفة، و هذا الخلل في توازن القوة، كان لابد من أن يجر المجتمع للعنف بدلا عن الحوار، و ربما يعود لآن النخبة السودانية المتعلمة هي نفسها كانت متنازعة، بين هذه القوة المتباينة في المجتمع، و الاستقلال أنجزته ذات النخبة عندما توحدت كلمتها، و لكن ذات التوحد لم يتحقق في قضية الديمقراطية، و يرجع ذلك لاختلاف المصالح. رغم إن القوي التي تولت إدارة حكم البلاد، إذا كانت في النظم الديمقراطية رغم فترتها القصيرة في الحكم، هم من الطبقة الوسطي، الطبقة الحديثة المتعلمة. أو إذا كانت من النظم العسكرية الشمولية التي سيطرت أربع أخماس الفترة الزمنية، أيضا هم من ذات الطبقة التي كان من المفترض أن تصنع التغيير و التنوير في المجتمع، و لكنها فشلت في ذلك فظل الاستقلال دون دعامة تحققه اجتماعيا و سياسيا، بتوطين عري النهضة و الحداثة في المجتمع.
من المؤكد إن النخبة استطاعت أن تصنع التغيير المحدود، في إزالة الأنظمة الشمولية من خلال ثورة 1964 و انتفاضة عام 1985، و لكنها فشلت في الحفاظ علي النظم الديمقراطية. و تغييرات في نظم الحكم من خلال انقلابات عسكرية ، و أيضا فشلت في صناعة النهضة و السلام في السودان. فالتغيير ظاهرة مستمرة، و لكن حدث جمود في عملية التنوير، لأن النخبة في المحورين لم تكن تملك الأدوات التي تؤهلها لصناعة التنوير، و الذي يعد الأساس لأية شعب يتطلع للنهوض، و التنوير نفسه يحتاج إلي بيئة صالحة لكي تساعد علي نمو الفكر و انتشاره، و هذا النمو الفكري يؤسس للحوار بين المدارس الفكرية المختلفة، و يؤسس لإنتاج الثقافة الديمقراطية، كما يتضح إن النخبة السودانية لم تقرأ تاريخ نهضة الشعوب في العالم قراءة جيدة، تساعدها في بناء نهضتها.
فإذا رجعنا لمشروع النهضة الأوروبية، و النظر في كيفية بناء الديمقراطية في المجتمع الغربي، نجد إن التنوير لم يأتي من فراغ، أو من المؤسسات الأكاديمية و النخب خارج دوائر الكنيسة. بل إن الصراع و الإصلاح في الحياة السياسية كان من داخل الكنيسة، و الذي حدث منذ القرن الثالث عشر، و استمر حتى القرن الخامس عشر بداية عهد التنوير و الحداثة. فالإصلاح داخل الكنيسة التي كانت تسيطر علي المجتمع باعتبارها ظل الله في الأرض، و توزع صكوك الغفران، كما كانت تعطي السلطة التنفيذية و الدولة شرعيتها، فكانت الكنيسة تسيطر علي المجتمع و الدولة، هذه السيطرة جعلتها هي التي يقع علي عاتقها إنتاج الثقافة التي تحدد القيم و السلوك في المجتمع. كانت الكنيسة محتكرة العمل الثقافي و العلمي، و غير مسموح بإنتاج المعارف من خارج الكنيسة إلا ما تسمح به، لذلك بدأت دعوات الإصلاح من داخل الكنيسة، و من قسيسين في الكنائس المعروفة، أمثال جون ويكليف و جون هوس و مارتن لوثر في القرن السادس عشر، و هؤلاء أنجزوا أهم قضايا شكلت حجر الزاوية في النهضة الأوروبية، و أنتجت الطبقة الوسطي التي قادت عملية التنوير و تحقيق الديمقراطية، و تمثلت في الأتي:-
1 – دعا مارتن لوثر في أطروحته الإصلاحية، إن العلاقة السوية في العبادة أن تكون العلاقة مباشرة بين العبد مع ربه، دون أية وساطة من أية جهة كانت، و ليس لأية جهة أن تتدخل في هذه العلاقة. هذه الدعوة و ما أتبعها من تحقيق، إلي تحرير المجتمع من قبضة الكنيسة، الأمر الذي نقل ثقل القوة الاجتماعية من الكنيسة إلي المجتمع المدني.
2 – مبدأ التطهر في المجتمع، و هو مبدأ اعتبر إن الحياة المسيحية يجب أن تخضع الأهواء إلي رقابة عقلية، و و يجب علي المواطنين الاهتمام بمدخراتهم و دخولهم الخاصة، مع حث الناس علي عدم الكسل و استثمار أوقاتهم، و قالت هذه من واجبات المسيحي، أن يستفيد من المواهب التي أعطاها الله له، هذا المبدأ أوقف عملية التبذير و إهدار المال علي اللذة و الشهوات، و أصبح هناك مال مدخر عند الأفراد ساعد علي النهضة الزراعية و التوسع فيها، ثم كيفية حفظ هذا الإنتاج الكبير الذي زاد علي حاجة المجتمع قاد للعملية الصناعية، الأمر الذي أنتج الطبقة الوسطي التي قادت عملية التنوير في المجتمع.
3 – تحرير الثقافة و الإنتاج المعرفي من قبضة الكنيسة، حيث كانت الكنيسة تحتكر الثقافة و الإنتاج المعرفي، يقول جون هرمان راندال في كتابه "تكوين العقل الحديث" (اتسعت حلقة المثقفين واسعا بعد أن كانت مقتصرة في السابق علي الكهنة إلي حد كبير، و أصبح في حيز الإمكان تحقيق ذلك الانتشار السريع للمعرفة و الاعتقادات الذي نسميه عهد التنوير) أتساع الثقافة و انتشارها أعطي قوة للمجتمع المدني في المجتمع و زاد في الكم المعرفي، و أصبح المجتمع منتج للثقافة و المعرفة بعيدا عن الكنيسة.
4 - تحرير العقل الإنساني من سيطرة الكنيسة التي كانت تتدخل في شؤون الأفراد، و هنا تأتي قول إيمانويل كانط في تعريفه للتنوير " هو خرج الإنسان من مرحلة القصور العقلي و بلوغه مرحلة النضج العقلي" و القصور هو عجز الإنسان عن استخدام المعارف و الفكر و اتخاذ القرارات السليمة و حتى الضعف الإيماني.
إن العوامل التي ساعدت علي التغيير في المجتمع الأوروبي، قد أنتجت الطبقة الوسطي التي قادت عملية التنوير في المجتمع، و أنتجت المعارف و العلوم، و استطاعت الطبقة الوسطي أن تستقطب سلطة الدولة في محاصرتها للكنيسة، و أخرجتها عن دائرة الفعل السياسي للدولة، و فرض قيود عليها، و في مرحلة تاريخية أخري، حتى لا يقوي عود سلطة الدولة و تصبح فوق المجتمع، بدأت النظر في كيفية تقييد سلطة الدولة، أيضا من خلال معادلة سياسية استقطبت فيها الكنيسة في صراعها مع سلطة الدولة، و نجحت في فرض عقد اجتماعي و وضع الدساتير و القوانين التي قيدت سلطة الدولة، و أصبح المجتمع المدني هو الذي يقود عملية التغيير في المجتمع دون منازع و كانت الديمقراطية هي ثمرة هذا الصراع الذي بدأ داخل الكنيسة.
و إذا نظرنا في تجربتي للديمقراطية في اسبانيا و تركيا، فمثلا في اسبانيا، حيث كانت المؤسسة العسكرية هي المسيطرة علي الوضع، و تساند الحكم الشمولي، فجاء نقد المؤسسة العسكرية من داخل المؤسسة نفسها، و اعتبروا إن مساندة مؤسستهم إلي الدولة الشمولية، هو الذي أدي إلي تأخرها عن بقية الدول الأوروبية، هذه الانتقادات كان لها وقعها في التحول الديمقراطي، و أيضا في تركيا التي كانت المؤسسة العسكرية تفرض عليها قيودا لعدم الخروج من "الاتوتركية، استطاع الطيب رجب اردوغان و رفاقه، أن يخوضوا معركة الديمقراطية، من خلال إحداث تغيير في ميزان القوة في تركيا، حيث استطاعوا أن يقوا المجتمع المدني و تعبئة الجماهير حول برنامجهم، الأمر الذي أدي إلي تحول حقيقي في قضية الديمقراطية، دون فرض شروط عليها غير الدستور، و كلها تجارب في العالم تختلف حسب النخب، و قدرتها علي إدارة الصراع و التحول الديمقراطي.

في السودان بعد الاستقلال، كانت هناك فرصة كبيرة جدا إن تلعب نخبة مؤتمر الخريجين دورا مؤثرا في عملية التغيير في المجتمع، باعتبارها الفئة التي كانت تقود عملية التنوير في المجتمع، و لكنها خانت رسالتها بعد الاستقلال، حيث جعلت الصراع علي السلطة هو أولوياتها، و ابتعدت عن إنتاج الثقافة و المعرفة، و التي كانت قد سعت إليها من خلال جمعياتها الأدبية، و جعلت لها مساحة في قمة هرم المجتمع، و دخلت في صراع سياسي بين قوتين في المجتمع، هي التي تشكل ميزان القوة، " الطائفية التي تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة في المجتمع، و المؤسسة العسكرية التي تمتلك قوة السلاح غير المتوفر للآخرين، إن عملية الاستقطاب داخل المجتمع لم تكن عملية تقوم علي خيارات بين برامج سياسية مطروحة، إنما كان الحاسم فيها هي القوة، لذلك فرضت القوة شروطها في اللعبة السياسية، و هي بعيدة عن شروط المعرفة و التنوير، الأمر الذي أدي إلي الأزمات المتواصلة.
إن النخبة السودانية و الطبقة الوسطي، التي بدأت تفقد قدرتها علي المبادرة، بسبب التدهور الاقتصادي، الذي بدأ في خط تنازلي منذ العهد المايوي، و اكتمل معالمه بالإنقاذ التي صعدت عمليات العنف إلي أقصي درجة ممكن، من خلال التعبئة العسكرية، الأمر الذي أضعف الطبقة الوسطي، و غابت معالم التنوير في المجتمع، و في الجانب الأخر المعارضة التي ذهبت في ذات الاتجاه، حيث ساد عقل البندقية، و هو عقل لا يساعد علي صناعة النهضة، لأنه عقل غير منتج للمعرفة و التنوير، و بالتالي لا يستطيع أن يخرج من دائرة الأجندة الأمنية، و هي أجندة لها أولوياتها غير عملية الحوار، فكان لابد أن تجر معها نزاعات.
إن تراجع دور القوي المدنية، و عدم قدرتها في إعادة توازن في القوة، كان لابد أن يخلق قواعد جديدة للعبة السياسية، فالشمولية و المؤسسات التي تسندها، تتسيد علي الوضع السياسي، عندما تفشل القوي المدنية في دورها، و تعجز في خلق البرنامج السياسي الذي يجذب أكبر قطاع جماهيري مساند لها، و تعيد توازن القوة لمصلحة القوي المدنية، بما يضمن استمرار النظم الديمقراطية في التطور التاريخي، كان لابد أن تحدث تطورات تعيد تشكيل المجتمع، حيث أتساع رقعة التعليم و الوعي، و انتشار وسائل الاتصال، و توفر المعلومة، كان ذلك خصما علي البناءات الطائفية، التي بدأت تتراجع، و تفقد دورها الذي كان في الماضي، فأصبحت المبادرات تأتي من خارج دائرة الطائفية، فأصبحت المؤسسة العسكرية هي صاحبة السطوة، و لكنها لم تستطيع أن تستفيد من هذه المعطيات الجديدة، و لا استطاعت أن تؤسس مؤسسات معرفية قوية، تساعدها علي تجاوز مشاكلها و تحدياتها، و لا استطاعت أن تؤسس لتسوية سياسية مع النخب الأخرى، لكي تخلق معادلة جديدة في المجتمع، أصرت علي الذهاب بالأجندة الأمنية لنهاية الشوط، الأمر الذي جعلها تفقد الكثير من سطوتها، بسبب انتشار العمل العسكري الموازي، لذلك كان لابد من وقفة للمراجعة و التقييم، و النخبة المدنية ما تزال متأخر في تصوراتها، و عجزت أن تقدم مبادراتها، و يعود لأنها أهملت الفكر كأساس للعملية التنويرية في المجتمع و في تغيير التصورات القديمة و إلي نقد السلبيات و إعادة النظر في كل التجربة السابقة، و ظلت مصرة علي شعارات سياسية فشلت في خدمتها لكي تنزلها للواقع.
الملاحظ إن القوي السياسية علي مختلف انتماءاتها، و مدارسها الفكرية، لم تقوم بدراسة منطقية علمية لمسيرتها التاريخية، الكل يجنح للتبرير لفشلهم في العملية السياسية، التي جعلت السودان يتأخر عن بقية الدول التي نالت استقلالهم، فالدعوة للديمقراطية تتطلب معرفة العوامل التي حالت دون استمرار الديمقراطية، و دون جعلها كثقافة في المجتمع. و لا تستطيع هذه النخبة بعقلياتها القديمة ان تحدث تغييرا في الواقع إلا بتغيير هذه العقليات و تغيير المناهج التي تتبعها. و نسال الله التوفيق. نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
zainsalih@hotmail.com





تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 1571

خدمات المحتوى


زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة