01-08-2016 08:15 PM

image


يظل الجميع مبهور، بالإنتصارات التي تحققها الاحزاب اليسارية الجديدة في اوروبا، والتي يطلق عليها الإعلام الإمبريالي، إسم الاحزاب( اليسارية الريديكالية)؛ وهي أحزاب نشأت تحديداً في دول (الحلقة الضعيفة) في منطقة الإتحاد الاوروبي، وتحديداً حلقتها الاضعف (اليونان) في حالة حزب سيريزا-ذو التوجهات اليسارية-ولاحقاً إسبانيا كما في حزب بيدوموس (أي قادرون بالعربية)- اليساري- أيضاً، وهي في جوهرها كانت وليدة حركات رافضة للتقشف، وللجشع الرأسمالي، الذي فرضه الإتحاد الاوروبي علي هذه الدول بعيد أزمة الراسمالية في العام 2008، وليست تحول هوي الجماهير في الغرب نحو اليسار واقفاً علي هذين الحزبين-وإن كنا سوف نخصص كلمتنا هذه لهم- فهناك الآن حملة جماهيرية كبيرة مناهضة للرأسمالية والعولمة، بدأت بحركة ( إحتلوا وول إستريت) الامريكية التي نشأت في عام 2011 محتجة علي جور الإقتصاد الرأسمالي، ومن المهم ان نؤكد إنه، وإن قمعت السلطات الامريكية تلك الحركة الرافضة لعسف الرأسمالية بزيفها وخداعها وإمبرياليتها، إلا انها كفكرة –اي إحتلوا وول ستريت- كامنة في أحشاء المجتمع الامريكي وتحديداً الطبقات المهمشة والضعيفة فيه، والتي فيها كثير من المهاجرين، الذين تقع عليهم شتي صنوف الإضطهاد من الرأسمالية ممثلة في احزابها الحاكمة في الغرب الآن، وهو بركان سوف ينفجر في أي لحظة، طالما ان جماح الإقتصاد الرأسمالي يقتل الألاف بدون كابح ولا رقيب، الشاهد انه يدور جدل كثيف حول طبيعة هذه الاحزاب ودورها ومنشأها السياسي والإجتماعي، ومألآت نجاحها او إخفاقها:
(1)
اولاً لابد من التأكيد علي ان هذه الاحزاب والتحركات والجمعات تشكل حلقة من حلقات، مسلسل الرفض الشعبي للرأسمالية والذي في حلقته النهائية يمثل نهايتها، ربما ليس اليوم او غد ولكن في النهاية سوف ينتهي المسلسل هذا بنهاية الرأسمالية والتي ما تزال الان تتمتع بقدر كبير من المناورة، التي سوف تضيق فرصها حتي تصل لمرحلة العدم. ولابد أيضاً من أن نؤكد علي ان هذه الاحزاب بطبيعة تكوينها وطبيعتها الطبقية غير المنحازة بالكامل للطبقة العاملة ينفي عنها صفة اليسار الماركسي، حيث ان الحزب الماركسي هو حزب الطبقة العاملة، صحيح أن الطبقة العاملة تموج بالتطورات الكبيرة في داخلها، حيث لا يمكننا الآن ان نختصر الطبقة العاملة (البروليتاريا) كما في كلاسيكيات الماركسية، أي هي : (عمال الصناعات والزراعة المباشرين، والذين يعملون بأيديهم ويبيعون قوة عملهم بصورة فجة ومباشرة والتي تتحدد بوقت العمل الذي ينتج سلعاً مادية واضحة) طبيعي ان هولاء هم جزء أصيل من قوي الطبقة العاملة، لكنها الطبقة هذه أضحت الآن تتسع وفقاً للتطور الإنساني بحيث انها في معناها الحديث أضحت تشتمل علي كل القوى المأجورة والتي بالطبع لا تملك أصولاً إنتاجية، وتبيع قوة عملها كانت سلعة او في صورة يدوية او ذهنية، هي جزء من قوى الطبقة العاملة، إذا بهذه المقدمة أردنا ان نحاكم الاحزاب الجديدة إذ هي كانت منحازة لهذه القوى الواسعة ومعبرة عن تطلعاتها وتحمل أمالها، فإننا هنا يمكن ان نسميها احزاب يسارية ماركسية، وإن كان غير ذلك فهي احزاب إصلاحية ذات طابع نضالي محدد، وبرنامج محدد ينتهي باجل محدود.
صحيح ان لهذه الأحزاب والحركات الإجتماعية دور في مناهضة الرأسمالية ومدخله الآن هو رفض سياسة التقشف التي يفرضها الإتحاد الاوروبي علي دوله لإنقاذ نظامه الإقتصادي؛ لكن يبقي المعيار الرئيسي الذي يحدد بقاء ونجاعة حلولها وكسب مؤيدين، هو ما تمتلكه من برنامج إستراتيجي، ذلك ان احزاب اليسار الماركسي –أي الاحزاب الشيوعية والعمالية- تمتلك برنامج متكامل ذو مراحل تضيق وتتسع وفقاً للتطور الإنساني والعلمي، وفوق ذلك وفقاً لخصائص أي بلد. ومنذ فترة طويلة توصلت الاحزاب الشيوعية والعمالية، إلي ان الوصول للإشتراكية ثم الشيوعية، لا يمكن ان يكن بضربة لازب ولا يمكن ان يكن كل العالم إشتراكي في لحظة، وتوصلوا إلي ان الطريق إلي الإشتراكية يمر عبر بوابة النضال الوطني الديمقراطي، وفقاً لخصاص ومميزات كل بلد، وهنا في العالم الثالث تبلور الامر في حركات التحرر الوطني التي كانت في مجملها رافضة للإستعمار والتوسع الإمبريالي وداعية لإستقلال بلدانها سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً، وكانت طروحاتها في تلك الفترة تتركز في إقامة حكم وطني ديمقراطي يفتح الطريق امام التحول الإشتراكي. وقد ناهضت هذه الحركات الإستعمار الغربي وناضلت وما زالت تناضل ضد الدوائر المرتبطة بالإمبريالية في بلدانها، والآن فإن الاحزاب اليسارية –الجديدة- وهي أيضاً تناضل ضد الرأسمالية وفسادها، وليبراليتها الجديدة، في ميدان يسع اي شخص طالما انه رافض لسياسة الإستغلال الرأسمالية، وهذه الاحزاب إذ تناضل مع شعبها ضد الرأسمالية فإنها تمثل حركات تحرر وطني في محيطها، وفي إطار سياسي وإقتصادي وإجتماعي محدد بمقاييس الحاضر، وليس الماضي، وإن تحميلها اكثر من ذلك هو مغالاة ليس لها داعي او محض تفاؤل ساذج. ولكن هناك عدة خطوات إذ أقدمت هذه الاحزاب علي فعلها فإنها يمكن ان تكن حصاناً رابحاً يصلح الرهان عليه.
والآن فإن هذه الاحزاب وهي وليدة ظرف سياسي وإقتصادي وإجتماعي معين. فإنها قد نشأت في خضم الصراع ضد التقشف، مثال حزب (بوديموس) تأسس في بداية عام 2014 بعد الإحتجاجات الشعبية الكبيرة التي خاضتها حركة (غاضبون) ضد سياسة التقشف التي فرضتها علي الشعب الحكومة اليمينية الممثلة في الحزب الشعبي وحلفاؤه، لمواجهة أثار الازمة الإقتصادية، وأسس الحزب الجديد خطابه علي مهاجمة الفساد المالي الذي ميز الساسة الإسبان، ونبعت الفكرة وتبلورت في بيان وقع عليه كتاب و أكاديميون ونقابيون وحقوقيون من اجل تحويل الغضب الشعبي لحركة سياسية إجتماعية تعمل علي التغيير السياسي.
(3)
إن نشوء هذه الأحزاب ما هو إلا رد فعل طبيعي ومنطقي، للسياسات التي تنتهجها السلطات في الإتحاد الاوروبي، ضد شعوب هذه الدول. وللغرابة فإن دول اليونان وإسبانيا، دخلت الإتحاد الاوروبي كتكل سياسي وإجتماعي وإقتصادي، ظناً منها انها سوف تحتمي به، ولكن تحول الإتحاد في النهاية ل(مُغتصب) لتلك الدول وشعوبها. مع العلم أن الدخول في هذا الإتحاد فرضته علي شعوب هذه البلدان حكوماتها اليمينية البرجوازية، وقد إكتشفت شعوب تلك المنطقة في النهاية انها ما هي إلا (تروس) فقط لتدير ماكينة الإتحاد التي تقودها الدول الكبري في المنظومة، وتستأثر بخيرات الشعوب، وهذا ايضاّ جزء من أزمة الإمبريالية الإحتكارية في فترتها المعولمة هذه.
ولعله من ناقلة القول أن الأزمة الرأسمالية، في تطورها الذي وصل قمة الذروة في 2008 أنتج حركة عالمية واسعة متعددة الإهتمامات والجنسيات تقاوم مظاهر العولمة بطرق مختلفة، ويتجه قطاع ‏واسع منها للوحدة كحركة أممية جديدة ترفع شعارات جديدة تشمل إلغاء ديون الدول الفقيرة، صيانة البيئة، ‏مقاومة الفقر وزيادة المساعدات والتحويلات للتنمية. ولكن يجب أيضاً ان لا ننسي ونغفل عن حقيقة هامة يجب ان ينتبه له كل المعاديين للرأسمالية والامبريالية، أن الرأسمالية لا زالت تمتلك القدرة علي المناورة والقدرة علي تجديد نفسها، وبسيطرتها علي المال والإعلام والسلطة في عالم اليوم فإنها تظل خصماً عنيداً وشرساً، هذا بالطبع لا يعني ان تناقضاتها وإختلالاتها البنوية قد إنتفت، ونقول إن حركة (احتلوا وول ستريت)المعادية للرأسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية ، قد خلبت الباب جماهير واسعة في العالم وقد تجاوبت مع دعواتها للتظاهر ضد النظام العالمي الجديد الملايين من سكان كوكبنا، وما زالت أحشاء جميع المجتمعات هذه حبلي بجنين رافض لغلواء الرأسمالية. وفي نفس الوقت عادت الحركات العمالية والمنظمات النقابية والأحزاب اليسارية والشيوعية والعمالية للنهوض من جديد لمقاومة سياسة الليبرالية الجديدة الساعية لتحطيم دولة الرفاهية في البلدان المتقدمة وتشريد العاملين وزيادة البطالة وزيادة استغلال الطبقة العاملة بتجميد الأجور وتغيير قوانين وشروط العمل مثل الضمان الاجتماعي ورفع سن التقاعد. وهو ما ينبئ بحركة شعية وعمالية واسعة ضد الرأسمالية يتسع نطاقها يوماً بعد يوم تساعدها في النمو والتطور أزمات الرأسمالية المتلاحقة وإزدياد حجم الفقر في كوكبنا، وتركز الثروة في أيدي القلة، في وقت يعاني الغالبية من فقر مدقع، وحروب إمبريالية تُشعلها لتبيع أسلحتها، وسط أزمات المناخ من جفاف وتصحر وإحتباس حراري وغيرها من الامراض والعلل التي تُساهم فيها الإمبريالية. (نواصل).

اليوم التالي





تعليقات 3 | إهداء 1 | زيارات 1564

خدمات المحتوى


التعليقات
#1397638 [فكرى]
0.00/5 (0 صوت)

01-09-2016 02:25 PM
الرأسمالية فى الغرب تفتح (نفاج) مؤقت لولوج أنفاس الغاضبيين ثم تعاود إغلاغة فى حالة الركوض والإستكانة أما فى مجتمعات (من يحكمنا) فهى لأتبالى وإن قتل أطفال المدارس بالخطة (ب) لأجل إله الظلم والبرجوازية (البنك الدولى) !!
شكرا أيها النبيل إسماعيل حسن ولا عزاء لبعض المستكتبيين الذين إذا نظرت لشكل صورهم فى الراكوبة يخيل لك بأنك أمام قائمة شهداء الحركة الإسلامية منذ نشأتها دون ترك إنجاز ملموس فى حياتهم البئيسة ..


#1397430 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2016 10:24 PM
نعم مسئولية كل الشرفاء ابراز وول استريت اعلاميا وعند كل سانحة وغير سانحة.
نحن 99في المية من شعاراتها.
(الحل هو ثورة العالم)شعار عظيم.
(The Only Solution is World Revolution)

(ونقول إن حركة (احتلوا وول ستريت)المعادية للرأسمالية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية ، قد خلبت الباب جماهير واسعة في العالم وقد تجاوبت مع دعواتها للتظاهر ضد النظام العالمي الجديد الملايين من سكان كوكبنا، وما زالت أحشاء جميع المجتمعات هذه حبلي بجنين رافض لغلواء الرأسمال,)

مقال ممتاز استاذ أسامة حسن عبدالحي, فالامل حتما يتجدد وستنهار الراسمالية. وستنهض وتحيا العولمة المضادة:
(The Only Solution is World Revolutio)


#1397412 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

01-08-2016 08:45 PM
مقال رائع جداً
العالم مقدم على عدة كوارث اقتصادية كبرى سوف تعضض هذا المقال.
مع مودتي


أسامة حسن عبدالحي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة