03-09-2013 11:40 AM



(بص الأهالي) مصطلح كان كثيرا ما يجري على السنتنا في زمن الطفولة، فقد كنّا ننعم بخط مواصلات، تربط بين حاراتنا في الثورة ومنطقة وسط أم درمان .. كانت باصات لها من اسمها نصيب فهي وكأنها من (الأهل)، نحبها وتحبنا .. قديمة مكركعة، حنونة محنة حبوباتنا، رزينة متريّسة بطيئة في حركتها، بصورة تجعلها تقطع البضع كيلومترات من بيتنا لـ (ود نوباوي) في ساعة أو أكثر، وعلى العكس منها كانت باصات (الشركة) أو (أبو رجيلة) التي كانت تسابق الريح على شارع الوادي، ولا تأبه أن تصفع وجوهنا بـ عجاج لساتكها، عندما تعبر محطتنا على عجل، يجعل قلوبنا (تفح) رعبا ومهابة مع صوت انغلاق بوابتها الاتوماتيكية الذي يحاكي العطسة (تسسس) !!
غريبة هي طريقة تعامل الذاكرة مع موروثاتنا اللغوية، فكثيرا ما نضبط السنتنا وهي تستخرج بعض المصطلحات من اعماق مخزون الذاكرة، نكون قد تعودنا على استخدامها دهرا، دون أن نفكر يوما في اعادتها لمحكمة التدقيق الدماغية العليا، لتفيدنا عن مدى دستورية استعمالنا لها دون التوقف عند دلالات معناها ..
من تلك الكلمات التي استوقفتني حديثا كلمة (أهالي)، فقد أجبرتني على مراجعة فهمي لدلالات الكلمة، فبالاضافة لاستعمال الكلمة كـ مضاف إليه يعرّف باصاتنا الحنينة وسكّرة، كنا نستعملها كضرب مثل في مقام المفاضلة بين الشيء المميز والعادي .. فعندما يستوقفنا موقف استعلائي من احدهم، أو نشعر بأن هناك من يرّكب مكنة زعيم، ويخول لنفسه سلطات ترفعه عن البقية .. نقول في ذلك (حكوووومة والناس أهالي) !!
حسنا يا جماعة، مع كثرة استخدامي للفظ على مر السنوات، لم اتوقف يوما أمام معناه، إلا بعد مطالعتي لمقال للأستاذ عوض محمد الحسن، نشرته صحيفة الراية القطرية ، فقد حكى عن اصابة والده بوعكة في عام 1978، مما ألزمه فراش المرض في مستشفى مدينة مروي، وعندما سافر أستاذنا يومها للاطمئنان على صحة والده وجده في شبه غيبوبة، ولكن ما أصابه بالهول كان ما قرأه في سجله المرضي الذي كان يعلق في حافة السرير، إذ جاء في خانة مهنة المريض انه: (أهالي) !!
سبب تهّول أستاذنا، والذي شرحه في المقال، كان فهمه لكلمة (أهالي) - ترجمة لكلمة natives الإنجليزية – وهي صفة كان الإداريون البريطانيون يُطلقونها على عموم أهل السودان، ممن هم خارج النُخبة المحدودة العدد من موظفي الحكومة والتجار والمهنيين، وكان امتعاضه من أنه وبعد مرور عقدين من الزمان – وقتها - على خروج المستعمر، أن يصف الطبيب السوداني الوحيد في تلك المنطقة، مهنة والده بأنها (أهالي)، وهو وصف – حسب الأستاذ - لا يختلف كثيراً عن كلمة (دهماء) أو (رجرجة)!!
تلك التداعيات ساقها الأستاذ عوض محمد حسن، في معرض حديثه الدبلوماسي اللبق عن (هوجة) مشاكل الاخطاء الطبية وقرارات وزارة الصحة الولائة، وذكر حكاية الـ (أهالي) ضمن حكيه عن التشخيص الخاطئ الذي اعتمده ذلك الطبيب الشاب، ربما تماشيا مع نظام طبي متعالي يعتبر المرضى مجرد (أهالي) !
ثم كان للصدفة الغريبة، أن راسلني أحد القراء ليتّهم المجلس الطبى، بأنه يكيل بمكيالين فيتستر على بعض اخطاء الاطباء، ويحاكم بل ويشهّر بالبعض الآخر، وحكى قصة والدته التي كانت ترقد بالقسم الاستثماري بأحد المستشفيات الحكومية، وكانت تتابعها طبيبة سمّاها باسمها، وكيف ان الطبيبة اياها قامت بتحويل والدته المرحومة الى مستشفى اخر، وهى تعلم انها جثة هامدة منذ اكثر من ساعة بسبب نقص الاكسجين، لعدم وجود جهاز تنفس صناعى، مع العلم بأنهم دفعوا فاتورة اشتملت على مبلغ 800 الف جنية رسوم جهاز التنفس الصناعي !!
يقول الأخ (محي الدين)، انه لولا فطنة احدى السسترات فى المستشفى الذي نقلت اليه والدته، لماعلم أنه كان ينقل جثتها !! فقد اتصلت تلك السستر بطبيب لا يعاني من متلازمة نقص النزاهة، والذي قام على الفور باحتجاز طاقم الاسعاف مهددا اياهم باستدعاء الشرطة، ثم ارسل ابن المرحومة مع سائق الاسعاف لاثبات حالة الوفاة فى المكان والزمان الصحيحين، الا ان الطبيبة المناوبة – للاسف - هربت واغلقت هاتفها فتطوع طبيب صغير بكتابة التقرير بناء على شهادة احد الممرضين، والذي أكد لهم بأنهم قاموا بنقل المريضة بعد وفاتها !!
قصة الأخ (محي الدين) التي – احسب – انها الان قيد النظر من الجهات المسئولة، والتي يتهمها بأنها تكيل بمكيالين في معالجتها لأخطاء الاطباء، ذكّرتني بشيء حدث معي شخصيا، ففي منتصف العقد الأول من الالفية الثالثة، استعانت بي رئيسة قسم الكيمياء الحيوية بكلية الطب في أحدى الجامعات الشهيرة، لتدريس كورسات معينة لطلابها، واكراما لاستجابتي فقد اخلت ادراج مكتبها من كل متعلقاتها وتركته لاستعمالي في ساعات وجودي بالكلية، وعندما فتحت الدرج العلوي لاضع دفاتري وجدت مجموعة اوراق مهملة .. اخرجتها وهممت بالقائها في سلة المهملات الا أن كلمة (سري جدا) اجبرتني على رفع الورقة الملقاة في اهمال وقراءة مافيها، وكان قرار بتكوين لجنة تقصي حقائق سريّة، عن ملابسات وفاة شخصية عامة اثناء اجراءه لعملية جراحية بسيطة .. اتت تلك الشخصية للمستشفى على قدميها، فخرجت بعد أقل من ساعة محمولة على اعناق المحبين .. يومها راودني شعور بالاحباط .. لماذا التستر والسرية ؟ ولمصلحة من تتم الغطغطة على اخطاء كم حرمتنا من أحباب ؟ وأين ذهب تقرير تلك اللجنة التي لم نسمع بأنها أوقفت طبيبا أو أغلقت مستشفى ؟!!
مخرج:
غايتو واقع الحال بيتماشى مع المثل، ويعطينا حق السؤال أن كانت الاخطاء الطبية تعالج وفق تقسيمات مرتكبيها .. دكاترة (حكومة) لا تخضع للمحاسبة، ودكاترة (أهالي) تهدر دماء سمعتها قرابين لرضى الساخطين !!



[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2206

خدمات المحتوى


التعليقات
#607016 [عجيبة الدنيا]
0.00/5 (0 صوت)

03-10-2013 04:52 PM
استغربت في البداية ياستاذه منى سلمان من عنوان القصة وتجاهلته في البداية لأرى أخبار أخرى قلت الأخت منى دي دخلت فى السياسة وللآ شنو ولأني أحب أن أقرأ وأرد لك دائماً عدت مرة ثانية لكى أقرأ القصة وهي كما تبدو لى مثل الأفلام الأمريكية التى تكشف عن القصة الواقعية التي تحكي بأنها حدثت مثلاً عام 1978 وفي نهاية الفيلم تم إكتشاف من هو قاتل الضحية وذلك عن طريق الكشف بالأدلةالجنائية حتى لو أدى ذلك الى نبش الجثة من الأرض لكي يتم محاكمة المجرم القاتل بالأعدام طبعاً بالكرسى الكهربائي عظة لغيره وأمثاله .
ولكن عندنا هذه الأشياء تمر مرور الكرام فكم من أجرى عملية صغيرة لوز قام قطع الحبال الصوتية وزائدة إنفجرت أوإعطاء أي نوع من المحاليل بدون الرجوع لتاريخ المريض وناهيك عن هذا كله وأهم شيء في إجراء أي عملية هو التخدير لو زاد ياغيبوبة أو موت وما تقولوا المعلق دا طبيب بس مشاكس .
والذين ماتوا الله يرحمهم رحمة واسعة ويصبر أهلهم ويجعل قبورهم روضة من رياض الجنة .


#606174 [MAHMOUDJADEED]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2013 05:57 PM
أنا من المتابعين لمقالاتك واسلوبك الرصين , لكنني أشتم رائحة دفاع خفي للدكتور أبو سن وهو ما تحسبينه ضمنياً من ( الأهالي ) أخشى أن يكون هناك تعاطف قبلي وجهوي .. وان شاء الله أكون غلطان يا استاذة .


#606093 [ابوعابد]
0.00/5 (0 صوت)

03-09-2013 03:41 PM
شكرا لك ياأستاذة وأنت في كل يوم تزدادي قربا من الغلابة والمهضومين وتلامسي بأسلوبك الرائع الممتع احاسيسهم ووجدانهم باعثة في القراء روح الاصالة ومعرفة لهم بمقومات الشخصية السودانية الأصيلة قبل أن تتغول علينا مستجدات العصر لتفقدنا هويتنا وملامحنا حتى تدحرجنا في كل شئ , التعليم الاقتصاد الزراعة الأخلاق وأنما الامم الأخلاق مابقيت ..فأن هم ذهبت أخلاقهم ذهبووووووووووووووووا. وبدون عوده


منى سلمان
منى سلمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة