03-25-2013 09:13 PM

للكاتب اطروحة ظل يحاجج بها ,في السنوات الأخيرة من عمر النظام الحاكم في السودان, بين المحيطين به وكذا ضمن دوائر محدودة, مفاداها انه لولا هامشية موقع السودان في الذهنية العربية, فان الفشل الكارثي لتجربة حكم الإسلامويين في السودان وما ترتب عليها من تقسيم للبلاد وحروب وكوارث, كان سيشكل بداية لإنحسار تيار الإسلام السياسي إقليميا سواء في وعي النخب او الجماهير الشعبية, مثلما شكلت هزيمة 1967 نهاية المشروع القومي التقليدي. والحال كذلك, فإنه يرجح عدم الإعتداد بهكذا تجربة ما لم يصل الإسلامويون الى السلطة في أحدي البلدان العربية المركزية (كمصر), وان يوصلوها الى ما اوصلوا اليه السودان او الى درك أشبه. من ثم يمكن أن تستقر في الوعي الجمعي حقيقة أن الإسلام السياسي هو المشكلة وليس (الحل) كما يزعم مروجوه. وإن الإسلامويين (وهذا هوالأهم) لايمتلكون في الواقع أي برنامح للحكم الرشيد غير أجندة وراثة الدولة الوطنية وتحويلها الي ملكية خاصة بالجماعة ومؤيديها بموجب فقه (التمكين) ومن ثم العمل على البقاء في السلطة بأي ثمن. مؤدي ذلك (على ضوء نتائج الإنتخابات الأخيرة في مصر وتونس) إن العرب في طريقهم لتجريب المجرب وتكرار الكارثة السودانية. وهدر المزيد من الكلف من عمر الشعوب وثرواتها - لايعرف مدي باهظيتها- في بلاد لا يستخلص العقل فيها عبر التاريخ الا من خلال رماد الهزائم والنكبات والكوارث غير الطبيعية.
السودان جنة الإسلامويين الموءودة
لا يوجد ما يبرر إنقلاب الإسلامويين على حكومة منتخبة كانوا شريكا أساسيا فيها. في الوقت الذي واجهت فيه التنظيمات الأصولية الإسلامية الحظر والمطاردة الأمنية في العديد من الدول العربية (مصر - الجزائر - سوريا -تونس الخ) شكل السودان ملاذا آمنا وجنة للإسلامويين في المنطقة. بالمقارنة مع القوى السياسية السودانية الأخرى, خاصة قوى اليسار, قضت هذه القوى معظم سنوات عمرها تحت الأرض كنتاج للقمع الممنهح الذي مارسته ضدها كل الأنظمة الدكتاتورية (سيطرت الأنظمة الدكتاتورية على أكثر من ثلاثة أرباع فترة ما بعد الإستقلال – حكم الفريق عبود 1958- 1964 حكم دكتاتورية نميري 1969- 1985 ودكتاتورية الإسلامويين 1989- ). بالمقابل تمتع الإسلامويون بالحرية الكاملة ولم يتعرضوا, منذ نشأتهم كتنظيم طلابي في الخمسينات وحتى تاريخ إغتصابهم للسلطة في 1989, لأي مضايقة أمنية بإستثناء مدة قصيرة جدا من عمر نظام نميري (1969 – 1977), وتلك كانت الفترة الوحيدة في تاريخهم التي وجدوا فيها انفسهم في جانب المعارضة. وجد الإسلامويون في بلاد السودان الحرية الكاملة لممارسة ليس فقط العمل السياسي والتنظيمي وإنما ايضا النشاط الإقتصادي المنفلت من أي قيود, وايضا تحت غطاء ذات الشعارات الإسلامية. أنشأ الإسلامويون - وبتمويل خليجي سخي - البنوك والشركات (الإسلامية) وكذلك المنظمات المتحجبة تحت ستار الدعوة الإسلامية والعمل الإغاثي الإسلامي, والتي كانت تتاجر وتسمسر في كل شيء, والتي تحولت الى قوة إقتصادية ضاربة في عقد الثمانينات. تم ذلك في إطار لعبة المحاور الإقليمية في حينها (محور الرياض – عمان) الذي انخرط فيه الإسلامويون تحت ذات الشعارات الإسلامية. والذي كان يتموضع ضمن الإطار الدولي الأكبر للمعسكر الأمريكي - الأطلسي في مواجهة المعسكر الشرقي - أثناء الحرب الباردة. ظل الإسلامويون كذلك طوال عمر تجربيتهم الإبن المدلل للقوى التقليدية والحليف الدائم لكافة الأنظمة الدكتاتورية العسكرية التي حكمت السودان. هذه التحالفات شكلت حماية ورعاية فريدة للإسلامويين. القوى السياسية التقليدية خصوصا حزب الأمة ونظام جعفر نميري اختارت التحالف مع الإسلامويين وتبني مواقفهم. شمل ذلك كمثال: طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان ديسمبر 1965- طرح الدستور الإسلامي 1968- إصدار قوانين سبتمبر 1983 المسماة أسلامية- إعدام محمود محمد طه ..الخ, وبالمقابل معاداة القوى اليسارية والعلمانية والتضيق عليها. وقد امتدت الرعاية الى حدود تنفيذ رغباتهم الدموية في تصفية والتخلص من خصومهم الآيديولوجيين ليخلو لهم الجو (إعدام محمود محمد طه). هذه الحماية والرعاية الكريمة من قبل الحاضنة الداخلية والدعم المالي والسياسي السخي من قبل المظلة الإقليمية والدولية هي التي ادت الى تحول الإسلاموين, خلال فترة قياسية لا تتجاوز العقدين من الزمن, من مجرد تنظيم طلابي محدود الى قوى سياسية رئيسية بالبلاد, ومهدت بالتالي الطريق لإنقلابهم على النظام الديمقراطي. بالنظر لحرية الحركة والتسهيلات وتلك الوضعية المتميزة التي تمتع بها إسلامويو السودان, وبالنظر للدمار الحالي الذي احدثته سنوات حكمهم الدكتاتوري في كيان البلاد ووحدة ترابها ونسيجها الوطني والإجتماعي وإقتصادها ومؤسساتها وسمعتها الدولية التي تمرغت بالوحل, والعقاب الجماعي الذي انزلوه بالسودانين قتلا وتجويعا وتشريدا وإذلالا دونما ذنب جنوه سوى مطالبتهم بالحرية, فإن أسلامويي السودان ينطبق عليهم مثل ذلك الذي وجد دجاجة تبيض ذهبا ولكن ,وبسبب من طمعه الأعمى, قرر ان يشق بطنها ليحصل على كل الذهب دفعة واحدة, غير عابيء بالنتائج المترتبة على فعلته. على ضوء هذه الحقائق فإنه لا يوجد ما يبرر إنقلاب الإسلاموين على حكومة ديمقراطية منتخبة كانوا شركاء فيها (كانت الجبهة الإسلامية شريكا في حكومة الوفاق الوطني التي انقلبت عليها والتي شكلها رئيس الوزراء الصادق المهدي (1988) , وادخل فيها الجبهة الإسلامية بالرغم من معارضة شركاءه من الحزب الإتحادي الديمقرطي). كذلك فان السياق السوداني يختلف كلية عن تجارب التنظيمات الإسلامية الأخرى - الجزائرية - المصرية - التونسية - السورية الخ (الصراع بين الإسلامويين والأجهزة الأمنية). الحقيقة التي لا مهرب منها هي ان الدافع للإنقلاب على الديمقراطية هو كفر الإسلامويين بالديمقراطية والتعددية وعقيدتهم الشمولية التي تؤمن بفرض رؤيتها على المجتمع بالقوة المسلحة. الشمولية هي المكون الأساس لأيديولوجيا الإسلام السياسي بحكم أدعاءها المصدر الإلهي ومن ثم إمتلاك الحقيقة المطلقة المكتفية بذاتها والعابرة لجميع الأزمنة والأمكنة. وبالتالي تعرف معارضتها ليس كإختلاف سياسي وانما ككفر - مروق - عمالة ..الى آخر القاموس الإسلاموي. والحقيقة التاريحية التي لا مهرب ايضا منها هي ان الدولة الدينية دولة شمولية بالضرورة, حيث لم يعرف التاريخ الإنساني منذ حكم الملوك الآلهة في مصر القديمة وحتى تطبيقات الدولة الدينية الحديثة (طالبان - السودان - إيران -الصومال) حالة واحدة لدولة دينية ديمقراطية. ركيزة الديمقراطية هي كفالة الحقوق والحريات العامة. والأخيرة تقتضي الإيمان بإنسانية الفرد بصفته صاحب عقل قادر على التميز بين الخيارات المتعددة وعلى إتخاذ قراراته دون وصاية من سلطة عليا. إيديولوجيا الإسلام السياسي تقوم بالمقابل على فكرة الولاية العامة (ثنائية الوالي - الراعي- الرعية). مفهوم الولاية يعني ضمنا ان المولى عليه هو إنسان قاصر وبالتالي فإن ولي الأمر هو من سيتولى إتخاذ القرارات نيابة عنه. مفهوم الرعية (كمعادل لمفهوم المواطنين في الدولة المدنية) يعني, أبعد من ذلك, الجمع من النعاج والخراف والتي يتولي (الراعي) تسير كافة شئونها. وفي التجربة السودانية أنشأ الإسلامويون أكثر الإنظمة دكتاتورية ودموية في تاريخ السودان والمنطقة. عدد القتلى وغيرهم من ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمال القتل والتعذيب وإنتهاكات حقوق الإنسان من المدنين, الذي يقدر بمئات الآلاف, يفوق ضحايا جميع الإنظمة العربية مجتمعة بما فيها النظام السوري (بلغ عدد ضحايا حرب النظام في دارفور وحدها أكثر من 300,000 قتيل) .وفي إعمال أحكامهم السلطانية تحت شعارات تطبيق الشريعة, لم يكتف (أمير المؤمنين) بإحتكار سلطة إتخاذ القرارات السياسية نيابة عن الرعية وانما شملت رعايته الكريمة إصدار القوانين التي تحدد لرعايا الدولة السنية مالا يجوز قراءته من مطبوعات او اكله و شربه من طعام او لبسه من ثياب وحتى نوع الغناء والرقص الشرعي الى آخر أخص خصوصيات الفرد, فلم يبق للرعية غير حرية التبول.
برنامج الإسلامويين وسياساتهم
اثبتت تجربة ال23 عاما التي انفرد فيها الإسلامويون بحكم البلاد, وبما لا يدع مجالا للشك, أنهم لايملكون اي برنامج محدد لحكم البلاد اوتنميتها, سوى برنامج وراثة الدولة الوطنية وتحويل مؤسساتها السياسية والإدارية ,القضائية, العسكرية والإقتصادية من مؤسسات عامة ومهنية الى أفرع حزبية مسيسة وملحقة بالتنظيم الإخواني, بموجب فقه (التمكين). ففي بلد غني بالموارد كالسودان, لم تطرح او تطبق خلال هذه المدة التي قاربت ربع القرن اي برامج للنهضة الزراعية - التصنيع - التنمية البشرية. على العكس يشهد الواقع الآن تراجع الإنتاج في القطاعات الإقتصادية المختلفة وإنهيار البنيات الأساسية في الزراعة والصناعة.. الخ بدرجة الإنهيار الإقتصادي التام. مفهوم (التمكين) عند الإسلامويين لايعني فقط إحتكار السلطة السياسية والعسكرية والأمنية وإنما ايضا يعني لديهم رخصة إلهية مخصوصة بالجماعة الإسلاموية للإستيلاء على الثروة القومية وقبضها بقوة السلاح غنيمة للحزب ومنسوبيه . يضاف لذلك الإستيلاء على الخدمة العامة وحتى تنظيمات المجتمع المدني. شمل ذلك في تجربة الإسلامويين في السودان تحويل الجيش السوداني من جيش وطني -مهني- محترف الى مليشيا حزبية عقائدية شبيهة بمليشيا حزب الله في لبنان. تم ذلك ببساطة شديدة من خلال طرد الآلاف من الضباط الوطنين من الخدمة. شمل الطرد ليس فقط الذين ابدوا معارضتهم للإنقلاب العسكري الذي نفذه الإسلامويون ضد الحكومة المنتخبة (30 يونيو 1989) وإنما معظم الضباط الذين لاينتمون لحزب الإسلامويين (الجبهة الإسلامية القومية). بعد تصفية الجيش من كافة الضباط المحترفين اعتمدت إستراتيجية (التمكين) والتي ترجمت في هذا الخصوص بجعل الإنتساب للجيش مقصورا فقط على منتسبي التنظيم الإسلاموي ومؤيديهم. تم كذلك إلغاء العقيدة العسكرية للجيش السوداني وحلت محلها العقيدة الإيديولوجية للإسلاموين, وشمل ذلك تغيير شعارات الجيش ورموزه. يضاف الى ذلك المليشيات العسكرية التي انشاءها النظام خارج إطار الجيش النظامي كالدفاع الشعبي. وكان طبيعيا أن يعمل جيش بهذا التكوين (طوال سنوات النظام) على شن سلسلة حروب أهلية شاملة ومتواصلة ضد مواطنيه تحت راية (الجهاد في سبيل الله), وأن يتجاهل كلية مهمته الرئيسية وهي الدفاع عن حدود البلاد ضد أي عدوان خارجي. شمل ذلك الحروب الجهادية في الجنوب ودارفور وشرق السودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق, والتي سقط فيها مئات الآلاف من القتلى والضحايا من المدنين العزل وارتكبت فيها العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية, واصبح رئيس النظام وعدد من المسؤولين مطلوبين بسببها لدي المحكمة الجنائية الدولية. واستمر هذا الجيش متفرغا لحروبه الأهلية الجهادية ضد مواطنيه في الوقت الذي احتلت فيه أراضي السودان من قبل دول الجوار بجهات الأرض الأربعة, حيث تم الإستيلاء على أراضي تفوق مساحتها مساحة فلسطين تحت بصر وسمع الإسلامويين. كذلك اصبح إنتهاك المجال الجوي للسودان والعمليات المتكررة التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في عمق الإراضي السودانية اشبه ما تكون بنزهة جوية بالنسبة للطيارين الإسرائليين. ذات التحولات اعملت بالتزامن داخل قوات الشرطة السودانية. اما جهاز الأمن والمخابرات فقد تأسس منذ البداية علي أسس عقائدية وحزبية خالصة, وكانت نواته الأولى هى الجهاز الخاص لحزب الجبهة الإسلامية. اخضعت الخدمة المدنية لذات التحولات حيث تم فصل الآلاف من الخدمة لأسباب سياسية. وبدل أن تلتزم الدولة السنية بواجبها بتوفير فرص العمل لمواطنيها, قامت بفرض العطالة والفاقة عليهم بقوة السلاح, غير عابئة بمصير أسرهم. كذلك لم يراع الإسلامويون او يشغلوا انفسهم بالتفكير في الآثار الإقتصادية المترتبة على قرارات طرد عشرات الآلاف من الكوادر التي انفقت الملايين من أجل تأهياها وتدريبها, والتي تشكل رأسمالا بشريا لايقدر بثمن, على إقتصاد كالإقتصاد السوداني. وبعد إكتمال مجزرة الخدمة المدنية تم قصر الوظائف العامة - خاصة الوظائف القيادية وتلك التي في المؤسسات الحيوية - على منسوبي الحزب الحاكم وأقرباءهم ايضا عملا بفقه (التمكين) الإسلاموي. القضاء السوداني – بسمعته وتاريخه الناصع إستقلالا ومهنية- لم ينج ايضا من سياسة التمكين حيث تم طرد القضاة المهنين من الخدمة وحل محلهم أعضاء الحزب الحاكم. وبطبيعة الحال لم يعد القضاء سلطة مستقلة ضمن عملية الرقابة المتبادلة والتوازن الدستوري مع السلطتين التنفيذية والتشريعية وإنما اصبح جزاء ملحقا بالسلطة التنفيذية وحزبها الحاكم. بضياع إستقلال القضاء ضاعت سيادة حكم القانون. ادى ذلك الى تكريس حالة الإفلات من العقاب وثقافة الحصانات التي تمترست خلفها الطبقة الحاكمة. النتيجة ان الطبقة الحاكمة اصبحت فوق القانون وترفض الخضوع لأي نوع او درجة من المسآءلة القضائية مثلما هي ايضا غير خاضعة لأي نوع من المسآءلة السياسية. نوع ودرجة هذا التسيس والإستتباع الحزبي لمؤسسات الدولة وأجهزتها في السودان يمثل تجربة فريدة وغير مسبوقة قياسا بتجارب الحزب الواحد الشمولية التي عرفها العالم او الإقليم, بالقدر الذي يجعل مهمة إعادة هذه المؤسسات لطبيعتها المهنية المحايدة كمؤسسات عامة لايمكن تصوره– في رأي الكاتب- إلا من خلال عملية إعادة تأسيس وبناء شاملة لهذه المؤسسات من جديد, على أسس مهنية ووطنية. سياسة التمكين, التي تتجلى فيها فرادة تجربة الإسلامويين و إستراتيجتهم الهادفة لإبتلاع الدولة الوطنية, لم تقتصر فقط على (التمكين) السياسي والأمني والإداري, من خلال خصخصة وإحتكار السلطة السياسية والعسكرية والأمنية وجهاز الخدمة المدنية, وانما شملت ايضا –وهوالأهم- التمكين الإقتصادي للجماعة ومنسوبيها كأفراد. في نسختها الإقتصادية, هدفت إستراتيجية التمكين الى قبض الثروة القومية وإحتكارها وقفا على الإسلامويين ومؤيديهم الذين شكلوا مع مرور الوقت طبقة رأسمالية طفيلية ضيقة شكلت بدورها القاعدة الإجتماعية للنظام. تكشف الأرقام الرسمية عن انه, وطوال سنوات عمر النظام, كانت تخصص أكثر من 70% من مجمل موازنة الدولة للأجهزة الأمنية. بالمقارنة فإن أقل من 5% من هذا البند كان يخصص للتعليم والصحة مجتمعين. كذلك ولأن الطبقة الحاكمة تقبع فوق القانون ولا تخضع لرقابة قضائية او سياسية, تحول الفساد والنهب المباشر للمال العام من جريمة جنائية الى سياسة رسمية ايضا تحت لافتة (التمكين). ونتيجة لسيرة الفساد العظيم اصبح السودان تحت حكم من سماهم فهمي هويدي (مجلس الصحابة) يتصدر لسنوات قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم, حسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية العالمية. ونشير في ذلك الي مثال واحد فقط وهو ملف البترول و صافي عائداته (التي بلغت حوالي 70 مليار دولار) ولا أحد يعرف اين ذهبت. هذه المليارات كان من الممكن ان تحدث تحولا في بنية الإقتصاد السوداني اذا وجهت للإستثمار في الزراعة ومشاريع البنية التحتية. في هذا الخصوص يرى الكاتب انه وبالنظر لموارد السودان - خاصة الزراعية - المعطلة (خاصة بعد تدفق تلك العائدات النفطية المليارية حتى تاريخ فصل الجنوب), والتي تكفي لأستيعاب عشرة أضعاف عدد سكانه الحالي, فإن ظواهر كالفقر المدقع والعطالة والمجاعة وإعتماد نسبة كبيرة من السكان بشكل كامل على الإغاثة الأجنبية, هي ظواهر مصنوعة صناعة كجزء من إستراتيجية أمن النظام. تلك الإستراتيجية القائمة على التمكين الإقتصادي للإسلامويين والتي تعني الإحتكار شبه الكامل للثروة القومية لطبقة الإسلامويين والفئات الإجتماعية المحدودة المرتبطة بهم. والتعامل مع سواد المواطنين من غير الإسلامويين (كأغيار) لاترى فيهم سوى مهددا أمنيا لبقاء النطام. وأنه طبقا لذلك يجب أن يبقوا فقراء ومستضعفين يمكن السيطرة عليهم وبرمجتهم بحيث لايشكلون اي تهديد جدي لأمن النظام. لذا لايريد الإسلامويون وفقا لنهج (التمكين) بناء إقتصاد تنفتح فيه آفاق الإنتاج والتنمية بما يوفر فرص العمل لجيوش العاطلين (من الأغيار) من حملة الشهادات الجامعية ويعيد الحياة للطبقة الوسطى. ذلل لأن هولاء الأغيار (وهم غالب أهل السودان من غير الإسلامويين) قد قرر الإسلامويون ان تضرب عليهم الفقر والفاقة والمسكنة. لأنه ولأسباب تتعلق بإستراتيجة أمن النظام فإن خروج نسبة مقدرة من هولاء (الأغيار) من دائرة الفقر يعنى- حسب العقيدة الأمنية للأسلامويين- جريان الدماء في عروقهم ونهوضهم لإسقاط النظام كما حدث لدكتاتوريتي الفريق عبود والمشير نميري. النتيجة, ووفقا لإحصاءات النظام الرسمية, اصبح حوالي 96% من السكان تحت خط الفقر.
كنتاج مباشر لسياسة التمكين التي احتكرت بموجبها طبقة الإسلامويين القابعة في المركز والفئات الرأسمالية الطفيلية المرتبطة بها الثروة القومية وهمشت بالمقابل كافة الفئات الإجتماعية الأخرى, خاصة في أطراف البلاد, وكنتاج كذلك لمحاولة الإسلامويون فرض رؤيتهم الأحادية في الدولة وعلاقاتها بالمجتمع, في بلد متعدد ثقافيا ودينيا وإثنيا كالسودان, على الجميع بقوة السلاح, ادخلت البلاد في سلسة من الحروب الأهلية لانهاية لها. تحت شعارات الجهاد, الذي اعلنته الدولة السنية ضد مواطنيها, تمت عسكرة الحياة العامة وإعتماد الحلول الأمنية ومنطق القوة المسلحة للتعامل مع جميع المشكلات غض النظر عن طبيعتها. وجد الإسلامويون - الذين تم تصديرهم من الجارة مصر – أنفسهم في بلد يتميز على سائر بلدان المنطقة بالخصوصية العالية لتنوعه العرقي والديني والثقافي. وبدل ان يدفع ذلك الإسلامويين لتغيير آيديولوجيتهم الدينية الأحادية لتتواءم مع واقع البلاد, قرروا فعل العكس: وهو ان يعملوا على قسر المجتمع المتنوع والمتعدد على ان يتواءم مع ايديولوجيتهم الإسلاموية. فكانوا كمن يقطع قدما ليدخلها في حذاء صغير, بدل ان يفعل الشيء الطبيعي والعقلاني: وهو ان يستبدل الحذاء بالمقاس المناسب. هكذا يتم تقطيع أوصال بلد يزيد عمره عن 7000 سنة ليتلائم مع ايديولوجيا الإسلام السياسي. واذا كان الإسلامويون قد استخدموا ورقة الدين, التي لايملكون غيرها, في حربهم (المقدسة) ضد جنوب البلاد والتي ادت الى فصله, وحولوا بموجبها تلك الحرب الأهلية من خلاف سياسي بين قوى وطنية كان يدور حول عدالة توزيع السلطة والثروة والحقوق الثقافية وإنهاء واقع التهميش الى جهاد مقدس ضد الكفار, فأن حروب الإسلامويين الجديدة في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق قد جاءت لتعلن الإفلاس التام (لدكان) الإسلام السياسي. ذلك ولأن إقليم دارفور يسكنه مسلمون 100%, ولأن الغالبية العظمى كذلك من سكان منطقتى جنوب كردفان والنيل الأزرق مسلمون, اسقطت ورقة الدين من ايدي الأسلامويين. لكن الكارثة التي حدثت هي لجوء الإسلامويين الى ما هو أسوأ من تسيس الدين وهو العنصرية التي نهت عنها جميع الأديان. فطفقوا يستنفرون لحرب العرب ضد (الزرقة). الأمر الذي وضع بشكل جدي وخطير ماتبقى من البلاد أمام إحتمالات التفتيت التام على أسس عرقية ودينية, تماما كحال يوغسلافيا السابقة.
الحصاد المر لمشروع التمكين: نتائج تجربة الدولة "الإسلامية" في السودان
- فصل حوالي ثلث مساحة البلاد وثلث عدد سكانها, فقط لأنهم لا يتوافقون مع آيديوجيا الإسلام السياسي ويشكلون عقبة – من منظور تلك الآيديولوجيا – أمام قيام الدولة الإسلامية الصافية. بتعبير ادق كان الجنوب يشكل خطرا يهدد إستمرار بقاء الإسلامويين في السلطة. ببساطة شديدة فضل الإسلامويون ذهاب ثلث الوطن بدل ذهاب سلطتهم. وعلى ضوء حروب النظام الأهلية التي لم تتوقف في الجنوب والغرب والشرق , فإن ذات مصير الجنوب ينتظر أقاليم دارفور- النيل الأزرق جنوب كردفان - شرق السودان, بما يعني التفتيت التام لما تبقى من السودان على يد الإسلامويين على أسس دينية وعرقية تماما كحال يوغسلافيا السابقة.
- الدولة الفاشلة: الخراب المؤسساتي والفساد الإداري (تعيين أهل الولاء وإبعاد أهل الكفاءة) مترافقا مع مسلسل الحروب الأهلية وما ترتب عليها من دمار ونزوح وفقدان السلطة المركزية القدرة على السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد, كذلك فشلها في تقديم ابسط الأساسيات الحياتية لمواطنيها, أوصل ذلك السودان الى درجة الدولة الفاشلة, حسب تصنيفات المؤسسات الدولية المعنية.
- الدولة الأكثر فسادا: نتيجة لإستشراء الفساد المالي والإداري (سياسة التمكين) تصدر السودان لسنوات القائمة بين الدول الثلاث الأكثر فسادا في العالم, حسب مؤشر الفساد الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية.
- الإنهيار الإقتصادي التام: خاصة بعد ان فقدت البلاد 75% من موارها النفطية نتيجة لفصل جنوب السودان. وتدهور قيمة العملة الوطنية من 12جنيه مقابل الدولار عندما نفذ الإسلامويون إنقلابهم عام 1989 الى اكثر 7000جنيه مقابل الدولار بسعر اليوم. كذلك بلغت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر اكثر من 95% من سكان البلاد وفقا لإحصاءات النظام الرسمية.
- فصل الدين عن الأخلاق: لأن "الناس على دين ملوكهم." ولأن "ملوك" السودان الإسلامويون, الذين امتهنوا الفساد وإنتهاك كافة الحرمات, قد قاموا عمليا بفصل الدين عن الأخلاق بدل فصله عن السياسة, ادى ذلك ,متضافرا مع عوامل أخرى كالفقر المدقع, الى إنهيار قيمي وأخلاقي واسع. تمثل ظواهر مثل إرتفاع معدلات الجرائم وعدد أطفال الشوارع الذين يطلق عليهم إسم "الشماسة" فقط قمة جبل الجليد لأزمة الأخلاق الطاحنة في دولة "الصحابة", التي وبأسم الأخلاق قضت على الأخلاق. كذلك نتيجة لحروب النظام الأهلية التي تشن على الهوية والدين والعرق تهتك النسيج الإجتماعي وتراجع الشعور بالوطنية وتصاعدت بالمقابل النعرات العنصرية والجهوية والعشائرية المتخلفة.
- حوالي ثلث السكان صاروا لاجئين او في معسكرات النزوح: كنتاج لحروب النظام وسياسة التهميش والقمع الممنهج هرب حوالي ثلث السكان من مواطنهم صاروا اما لاجئين خارج البلاد او نازحين في معسكرات نزوح داخلية او على الحدود, يعتمدون في قوت يومهم على الإغاثة الأجنبية التي تقدمها لهم دول (الإستكبار) حسب خطاب الإسلامويين, في الوقت الذي يتنافس فيه الإسلامويون في التطاول في البنيان وموديلات العربات الفارهة في الداخل والإستثمارات وملايين العملات الصعبة المهربة في حسابات الخارج.
- الرئيس مطلوبا أمام محكمة الجنايات الدولية: كنتاج لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وأعمال القتل والإنتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي ارتكبها النظام في مناطق النزاعات, خاصة في دارفور, ولأن القضاء السوداني (للأسباب التي اشرنا اليها) اصبح غير قادر او غير راغب في محاكمة المتورطين, صار رئيس النظام, مع عدد من المسؤولين, مطلوبا لدى المحكمة الجناءية الدولية. شكل أمر القبض الصادر ضد الرئيس السوداني (وهو مايزال في قمة السلطة) أول سابقة في القانون الدولي.
- تدهورت مكانة السودان الدولية وتلطخت سمعته بالوحل: اصبح إسم السودان في المحافل الدولية مرتبطا بأنباء الحروب والمجاعة والتشرد والتطرف الديني. واصبح المواطن السوداني تطاردة تهمة الإرهاب والأصولية اينما حل. وصار الوضع في السودان بندا ثابتا في أجندة مجلس الأمن الدولي, بما يتضمنه ذلك من تدويل وضياع للسيادة والإرادة الوطنيتين.

تبنى إسلامويو المنطقة الذين حملتهم الثورات الشعبية الى سدة الحكم في مصر وتونس وغيرها إستراتيجية (إنكار وجود) او التعامي عما يحدث في السودان. ويتعاملون, وفقا لذلك, وكأن التجربة الدكتاتورية "لإخوانهم" السودانين غير موجودة. وذلك تهربا من مواجهة مسؤلية تجربة كانوا لوقت قريب يستميتون في الدفاع عنها والترويج لها بإعتبارها التجربة الأولى للإسلام السياسي السني في المنطقة. على سبيل المثال بلغ الحماس والعصبية الإخوانية بالكاتب الإسلاموي المصري فهمي هويدي, وهو يكتب منافحا عن الإنقلاب في شهوره الأولى, حد وصف المجلس العسكري للإنقلاب بمجلس (الصحابة) الحاكم في السودان. كذلك شارك الكثيرون من إسلامويي مصر والمنطقة (اخوانهم) السودانين في الإستمتاع بغنائم وإمتيازات السلطة التي إغتصبها الأخيرون بقوة السلاح. فزعيم أخوان تونس راشد الغنوشي, على سبيل المثال لا الحصر, كان يتنقل لسنوات بجواز سفر سوداني الى أن طاب له المقام بمدينة أكسفورد البريطانية. لكن كما يقول المثل السوداني البليغ "الشينة منكورة." في الوقت الذي يتعامى فيه الإسلامويون عن التجربة السودانية وكوارثها يكثر الحديث عن النموذج التركي كمثال يحتذى. فيما يخص دلالة التجربة التركية بالنسبة لموضوع المقال, فإنه لامجال يتسع لقياس التجارب العربية عليها. فالمسحة اللبرالية التي تميز تجربة الإسلامويين الاتراك ليس مصدرها - في تقدير الكاتب - محددات الاسلام السياسي ومنطلقاته كايدويولوجيا ثيوقراطية وانما طبيعة وخصوصية التكوين التاريخي والثقافي للمجتمع التركي, كمجتمع شبه (أوروبي- صناعي). وطبيعة الإسلام التركي ذاته كإسلام تحقق فيه, بالنتيجة, قدر من الإصلاح الديني, خلافا للإسلام الأصولي العربي. ومن ثم فإن مغزى تلك التجربة هو ان درجة الدمقرطة و الإنفتاح الموجودة فيها هي نتيجة وليس سببا لإنفتاح المجتمع. ولذات السبب تأتي التوقعات التي ترشح النموذج التونسي لأن يكون الأقرب للنموذج التركي منه للسوداني. نتيجة لأن المجتمع التونسي, نسبيا, هوالأكثر حداثة وليبرالية مقارنة ببقية الشعوب العربية. وذلك كنتيجة مباشرة لإصلاحات أبورقيبة والتحديث الذي ابتدره في المجتمع, خاصة في مجالي نظام التعليم ومناهجه وتطوير أوضاع وحقوق المرأة التونسية. وليس نتيجة لعملية تحول ديمقراطي حدثت داخل عقل إسلامويي تونس. بالمقابل فإن أخوان مصر هم الأكثر شبها (بإخوانهم) السودانين من حيث إنغلاقهم وتطرفهم ومن ثم يرجح ان يكونون الإقرب لنموذجهم. وحدها طريقة وصولهم للسلطة وبالتالي أمد مكوثهم بها (قياسا بإخوانهم السودانين) هما العاملان اللذان قد يزيدا من حظوظ المصرين في توقع مخرجات مختلفة لنفس المدخلات وبالتالي تجنبهم المصير السوداني المظلم.


ناصف بشير الأمين

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 776

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ناصف بشير الأمين
مساحة اعلانية
تقييم
10.00/10 (1 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة