في



المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ومن قَبـْلُ ما فَرَّطُم في يوسفَ
ومن قَبـْلُ ما فَرَّطُم في يوسفَ
11-14-2010 09:33 AM

(صواع الملك)

\".. ومن قَبـْلُ ما فَرَّطُم في يوسفَ\" !

فيصل عبد اللطيف
faisal3000@gmail.com

هل يجدي البكاء، وإظهار الحسرة على ضياع الجنوب؟ ..الإجابة عن هذا السؤال جاءت من امرأة .. عبارة مشهورة ، في لحظة تاريخية حاسمة، ودولة تتفكك، وآمال تضيع: \" أبك كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال \" ثماني كلمات قيلت عند آخر حلقة من حلقات الانهيار الكبير لدولة، أو دويلات أسست على التسامح، والمساواة، ورفعت لواء المعرفة عقوداً .. وعندما أضاعوا هذه المبادئ، ودب الخلاف، وشاعت النعرات، وبدأ الكيد، والاستعلاء.. وهنوا ، فما استطاعوا دفع المصائب التي لم تأتهم فرادى، فأرغموا على تسليم دويلاتهم ومدنهم واحدة تلو الأخرى ..

ولم يكن أمام الحاكم الأخير لغرناطة ـــ آخر دويلات الأندلس ـــ وهو يسلم مفتاح المدينة غير أن يبكي ويجعر ويشق الجيوب، ويعض بنان الندم .. وبينما \"العبرة تطعن في الحلق\"، والدنيا تضيق، وتسودّ ، وتختلط الرؤية، ولا من يستشار فيشير.. انفضت من حوله البطانة، وذهب الجلساء، حتى أقرب الناس ( أمه ) لم تتعاطف معه، ولم تواسيه، أو تشد أزره، و لم تحاول أن تعيد إليه بارقة أمل يشعر معها بإمكانية استعادة ما ضاع.. بل أرته الحقيقة كما هي ، فزادته ألماً وحسرة ، وفجرت في وجهه تلك العبارة التاريخية المؤثرة .. التي صارت قولاً مأثوراً .. وللأسف قليل من يتمثلها.. ويقرأها بتمعن.

اليوم نرى ونسمع مسؤولين من أقطاب الحكم يبكون وهم يرون الجنوب يضيع، وحلم الوحدة يتطاير، والانفصال بات حقيقة .. مواقع إلكترونية تتناقل صوراً لعيون دامعة خلال أحاديث عن الوحدة والانفصال. بعض الظرفاء علق على تجمع نسائي خاطبه أحد المسؤولين الكبار في الحكومة وفي حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ووصف تلك اللمة بـ \" بيت البكا \". رجال ونساء يعزي بعضهم بعضاً.. وكان وصفه في الصميم. وخبر البكاء جاء في عناوين صحفية عريضة.

دموع الندم،، أم استغفار، أم اعتذار دامع ؟.. ولكن هل الدموع تشفع ..؟ ألا تنطبق على ذارفي الدموع أمام الكاميرات مقولة تلك الأم الحكيمة، التي وبخت ابنها لإضاعته ما كان بمقدوره المحافظة عليه؟

البكاء لا يجدي .. وإن كان لا بد منه، وليس بالاستطاعة حبس الدموع ، حزناً، أو حتى تصنُعاً للحزن على الجنوب الذي قد علم مصيره، فلنبكي السودان.. نبكيه حتى \" تبيّض العيون\"، ونسأل أنفسنا : ما مصير بقية الأقاليم ، ما استعداداتنا لئلا يمضي إقليم آخر ــ دارفور مثلاً ــ على خطى الجنوب، ويلّوح لنا من بعيد: لكم سبلكم ولنا سبيلنا، ثم آخر \" يتبع سببا\".

نقول بذلك ولأحداث في قضية الاستفتاء أسرع من أن تتابع، والتصريحات أكثر من الإلمام بالتفاصيل والتعقيدات، وبعضها يحتاج ( فك شفرة) لنتبن حقيقة المواقف، خاصة في موضوع ( أبيي)، ومستقبل هذه المنطقة التي أصبحت قضية القضايا، نتحدث عنها حديث المقتنع بأمر لا حيلة له فيها. . وهناك القيل والقال عن ( صفقات) .. وتنازلات.. وليس لنا قوة ندفع بها سوى دموع اللحظة، أو التهديد بحرب لا تجف بعدها الدموع ..
الدموع التي تذرف الآن لن تطهر، ولن تعيد ما ضاع، ولذلك فهي لا تفيد، سواء كانت الكارثة من صنعنا أم صنع الغير. لقد ذهب أخوة يوسف إلى أبيهم \" عشاء يبكون\" .. وهم قد حبكوا جريمة الجُب والقميص والدم الكذب للتخلص من يوسف.. ولكن بعد سنوات ، عندما رأوا أنهم في طريقهم إلى أن يفقدوا أخاً آخر بقصة ( الصواع ) المعروفة في القرآن الكريم، وأن الأسرة مهددة بفقدان أبنائها واحداً بعد الآخر، وسيأتي الدور عليهم، قال قائلهم: ((.... ومن قَبـْلُ ما فَرَّطُم في يوسفَ\"..)). وأقسم أن يظل حيث هو لا يبارح مكانه، لعله يكفر عن أخطائه، أو يجد سبيلاً..

في هذا الموقف لم يذرف أخوة يوسف الدموع، ولم يتصنعوا البكاء، مثلما فعلوا ( ليلة الجُب والقميص الملطّخ ).. هل كانت لحظة صدق مع النفس.. أم عودة الوعي ؟ لحظة استيقظوا فيها واستيقنت أنفسهم الحقيقية، فنسوا أحقادهم، ومؤامراتهم، ومحاولاتهم إقصاء أخوة ليتسنى لهم الاستئثار بـوجه أبيهم : \" اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِين \" . لقد عادوا إلى الصواب بعد ما كانوا يوصمون بالضلال من يرى غير رأيهم : \" لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ \" . هذا الانقلاب في الموقف تفسيره أنهم وجدوا أنفسهم أمام حقيقة داهمة، وهي أنهم مهددون في ذواتهم.. وفي تلك القصة القرآنية \" حصص الحق \" أكثر من مرة ..

على أي حال قصة يوسف، بتفاصيلها التراجيدية والدرامية، تدخلت فيها العناية الإلهية إلى أن مكن الله ليوسف في الأرض وعوضه.. ولكن للأسف انتهى زمن الأنبياء والمعجزات .. والسودان يهوي في جب بلا قرار له.. ولا دموع تفيد الآن؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

faisal3000@gmail.com





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 988

خدمات المحتوى


التعليقات
#47374 [moh_alnour]
0.00/5 (0 صوت)

11-18-2010 11:07 AM
حقيقي أعجبني المقال لأنه لمس وتر الحقيقة في كثير من المواضع
و لن أزيد على القول ( لا يُفيد البكاء على اللبن المسكوب )


فيصل عبد اللطيف
فيصل عبد اللطيف

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة