04-06-2013 04:29 PM


كمجتمع نحن نتحرك دوما في دوائر متداخله ، نتحرك في دائرة الاقتصاد وكسب المعاش اليومي ، ونتحرك في دائرة علاقتنا الانسانية بمناسباتها الاجتماعية ، وعندنا دائرة الدين نتحرك فيها لممارسة شعائرنا الخاصة بكل دين، شعائر يومية وموسمية ، هذا الحراك اليومي نمارسه بطرق معينة خاصه بكل مجموعة وهي ما نسميه السلوك، وكل فترة بحصل تعديلات في سلوكنا المعين نتيجة لتغيير افكارنا وادواتنا في كل مجال ، والطريقة البنعمل بيها حاجاتنا دي بنسميها القوالب السلوكية ، وهكذا يصبح لدينا قوالب سلوك اقتصادية وقوالب سلوك اجتماعية وقوالب سلوك دينية ... الخ ، واجمالي قوالبنا السلوكية دي تشّكل ثقافتنا ، فثقافة الشعوب هي مجموع مفاهيمه عن الحياه وطريقته الخاصة لممارستها، وتتكون من اللغة والدين والاقتصاد .... الخ ، وطبعا اثناء ممارستنا للمناشط المختلفه تتولد لدينا مجموعه قيم وتبقى هي الاخلاق والتقاليد والاعراف الخاصة بنا ، واجمالي الحاجات كلها مع بعض يتحدد شكل ثقافتنا، ومن هنا جاءت فكرة اننا شعب متعدد الثقافات ، من منطلق ان شعوب السودان لا تمارس حياتها بنفس الطريقة فنحن مختلفين في شكل علاقاتنا الاجتماعية ومختلفين في طرق كسب عيشنا ومختلفين في لغاتنا وحتي الدين رغم ان معظمنا مسلمين لكننا مختلفين في شكل الشعائر وبالتالي في الاجمال نحن مختلفين في نظرتنا وفهمنا وممارستنا للحياة.
الازمات التي نعيشها هي بالأساس ازمة تتعلق بقبولنا لفكرة الاختلاف (الثقافي) بيننا ، بقبولنا بحق الاخرين (المختلفين في الثقافة) بالعيش المتساوي معنا في الحقوق والواجبات ، اشكالنا الحقيقي يكمن هنا ، مبدأ القبول بوجود ثقافات مختلفة عني واعترف لها بالحق في العيش والتساوي في الوطن بدون ان احاول فرض رؤيتي ووجهة نظري وسلوكي وديني (أي مكونات ثقافتي) عليها . ومن هنا يمكننا ان نفهم ونحلل لماذا وكيف بدأ الصراع في وطننا السودان ، وكذلك يمكننا ان نحدد وبكثير من الدقة الي اين يمكن ان يقودنا الصراع الدائر الان ، ما لم نستعيد شجاعتنا ورشدنا في مواجهة الخطر لتغيير المستقبل.
ازمة اختلافنا وعدم قبولنا ببعض لها مظاهر مختلفة ، مظهر ديني ، مظهر اجتماعي ، مظهر اقتصادي ، وبالتاكيد مظهر سياسي ، المظهر الديني كعدم قبولنا بالمسيحي كمواطن مساوي وعدم اعترافنا بعابد الكجور بحقه في الوجود، والمظهر الاجتماعي بائن في كامل علاقاتنا الاجتماعية كالزواج وغيره، والمظهر الاقتصادي يتمثل في احتكار فائض الانتاج (ارباح الاعمال الزراعة والرعي والتجارة ... الخ) لصالح ثقافة دون الاخرى ، وفي المجال السياسي بكون باحتكار السلطه واستخدامها لصالح ثقافة معينة . وهكذا تقوم الثقافة المسيطرة باحتكار السلطة والثروة ثم تحاول فرض مفاهيمها علي الثقافات الاخري . فتحاول طمس الثقافات الاخري بفرض لغتها ودينها وطريق كسب عيشها وكافة اشكال النشاط الانساني ، او نفيها وقهرها بممارسة الاستعلاء عليها وفرض واقع يقبل بوجودها كثقافة حقيرة واقل شأنا" .
واقع ان الثقافة المسيطرة في السودان هي الثقافة العربية ليس بسبب انها الغالبة عددا او انها افضل من الثقافات الاخرى ، وانما لسبب ان المستعمر فرض ان يكون مركز السلطة السياسية ومركز تجمع فوائض الانتاج هو وسط السودان ، بالتالي فان الثقافة التي سيطرت علي وسط السودان اثناء وبعد خروج المستعمر هي الثقافة التي امتلكت القوة لفرض سيطرتها علي الاخرين ، ولاسباب تاريخية تتعلق بعمليات الهجرة كانت ثقافة الوسط هي الثقافة العربية وعلي هذا الاساس نشأت احزابنا السياسية (جميعها تكون في الوسط) كمعبّر عن هذه الثقافة وليس عن كل السودان ، ولذا فاختلاف شكل الحكومات المتعاقبة (الديمقراطية والعسكرية ) لم يصنع فرق كبير في تحقيق وحدة قائمة علي احترام ثقافات شعوب السودان المختلفة ، وظلت رغما عنها تمثل وتحمي مصالح الثقافة المسيطرة. فانحصرت جهود الحكومات في التنمية – علي قلتها – علي المركز. مقابل تهميش بقية الثقافات الاخري وحقها في التنمية وهي ما نعرفه علي انه (ثقافات الهامش ).
بفهم حقيقة الصراع القائم بين الثقافة المسيطرة علي المركز (الثقافة العربية ) وبين الثقافات الاخرى لشعوب السودان نفهم عمق الازمة السودانية والتي تجلت بوصول الجبهة الاسلامية للسلطة عسكريا وتتحدث صراحة عن ما يجب ان يكونه السودان كدولة عربية اسلامية وهذه السلطة طوّرت ادواتها من ادوات سياسية سلمية الي ادوات باطشة مسلحه وهكذا تولدت معارضه حقيقية في الهامش المغبون عبارة عن حركات مسلحة تعبّر عن الهامش بعد ان تحرر من الارتهان للشكل القديم للمعارضه السياسية (الاحزاب القديمة) والتي لم تكن تعبّر عنه حقيقة.
باعادة دراسة اسباب ازمتنا ستتوضح سبل الحل ، وهو في رأينا وبحديث معمم – وغير مخل – ايجاد صيغة للحكم تحفظ بشكل متوازن ومتساوي لجميع ثقافات وشعوب السودان حقها وحريتها في التعبير عن نفسها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا .


[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 401

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




نادر محمود
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة