المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
المناطق الحدودية بعد انفصال الجنوب ... خليها على البال
المناطق الحدودية بعد انفصال الجنوب ... خليها على البال
04-10-2013 10:41 PM

همنا تنبيه الدولة وتنوير الناس بمسالك للخروج من الأزمات الجهوية والقومية الخانقة باتجاه سلام واستقرار اجتماعي. ينصح هذا المقال، أن أعيدوا بناء دولة السودان التوافقية، بما يشمل نطاق سيادتها من حدود مؤكدة، ونظام حكم دستوري يحقق المساواة والعدالة الاقتصادية والاجتماعية. والتزام هويتها الآفرو-عربية، بروح جديد وصدق أكيد، لأن السودان بعد الانفصال فقد ميزات كثيرة في إفريقيا، ويلزمه إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وشعبها والاقتصاد. على أنه يتميز بمناطق حدودية حيوية واستراتيجية في "الهلال الأخضر"، ويسميه البعض "الهلال الأسود"، جاذبة لهجرة البشر من الجيران، لأنها تمتد لأكثر من خمسة آلاف كيلومتر من تشاد إلى إريتريا، عبر افريقيا الوسطى وجنوب السودان واثيوبيا. فهذه حدود يستحيل لدولة فقيرة إغلاقها "بالضبة والمفتاح"، لتصبح عصية على الاختراق. إذن، البديل أن تكون حدودا آمنة وسهلة المسالك، لتتفادى البلد أن تصبح حدودها مدعاة لهتك الكيان. تشكل المناطق الحدودية أرض السودان الخصبة ومهد غذائه، تجتذب نصف سكانه، وهي منبع أمنه المائي، وامن نظام الحكم فيه، ومكمن بتروله ومعادنه، ومباءة ثروته الغابية، ومراتع ثرواته الحيوانية الأليفة والوحشية التي ستميزه في الأسواق العالمية، إن أحسن رعايتها الصحية وحافط على غذائها الطبيعي. وبالطبع لن يتأتى له ذلك دون سياسة خارجية تصادق الجيران قبل الحبان، وتبني معهم عهودا تكاملية لتبادل المنافع بالمناطق الحدودية في التجارة الحرة السلسة برا ونهرا وجوا، والبنيات الأساسية المشتركة بما يشمل المؤسسات التعليمية والبحثية لتخريج كوادر فنية احترافية، تجمع وتحلل البيانات الدقيقة عن الموارد الكامنة المشتركة. ويجري تفاهمات حولها مع جيرانه في ضوء اتفاقاته السالفة حول الموارد المشتركة في أعماق البحر الأحمر. وأن يكون، فوق كل ذلك، برا بأهله بقوانين حكم ديمقراطي تعددي، تصون انسانيتهم وكرامتهم، وتعزز حبهم لوطنهم بتعظيم الانتماء إلية، كما يكون كلُ عزيزُ النفس.
إن المناطق الحدودية مؤهلة لتكون ساحة للبحث المتخصص ليخدم المصالح العليا للدولة، استخبارا وتنمية، وتعظيما لفوائد الاستثمار الكثيف، بدلا عن التدمير المتبادل، الآن. وهي ملاذ الثروة المعدنية التي يجب أن يضخ فيها ريع البترول استثمارا، وليس في جيوب الطفيليين، لتتجه البلاد إلى التصنيع الزراعي كمرحلة حاسمة لبناء التنمية الصناعية. فوجب أن نحث الدولة أن تضع المناطق الحدودية في حدق العيون. وتسعى لاستراتيجية حسن الجوار مع الجيران الخمس: اريتريا (605 كلم)، واثيوبيا (1600 كلم)، وجنوب السودان (2014 كلم) وافريقيا الوسطى (777)، وتشاد (300 كلم). تقول احصاءات التعداد الخامس (2008) إن المناطق الحدودية السودانية، يسكنها 15 مليون سوداني(47% من السكان) في عشر ولايات (البحر الأحمر، كسلا، القصارف، سنار، النيل الأبيض، النيل الأزرق، جنوب كردفان، شرق دارفور، وجنوب دارفور وغرب دارفور). ونضيف أن 36% من سكان جنوب السودان يسكنون الآن المناطق الحدودية في خمس ولايات (أعالي النيل، الوحدة، واراب، شمال بحر الغزال وغرب بحر الغزال). إذن في الحدود بين جيران السودان الخمسة يسكن أكثر من عشرين مليون فرد تقريبا. تلك قوة استهلاكية كبيرة للتاجر والمستثمر في التبادل السلعي وفي انتاج القوت أو في التصنيع الزراعي. ولكن بسبب كثافة الأمية بينهم فسكان المناطق الحدودية خارج سوق الطلب للتشغيل في الشركات الاجنبية العاملة في التنقيب عن البترول واستخراجه، في غياب نصوص تعاقدية قطعية تلزمها بالمساهمة في التنمية الاجتماعية للمجتمعات المحلية المضيفة. على أن موارد المناطق الحدودية تتبدى في ثلاث مستويات: أولا، مستوى موارد المياه بالهطل المطري، في المجاري المائية ومنها الموسمي والدهري، أو موارد المياه الجوفية؛ وثانيا، الموارد السطحية مثل الميزات النسبية للأرض الزراعية، وما ينتجه بطبيعة الحال الغطاء الشجري وأخشابه، والغطاء النباتي كمورد للمرعى الطبيعي الحر، ومصدر للغذاء من ثمار الغابة؛ وثالثا، الموارد الكامنة بباطن الأرض، كالبترول والمعادن النفيسة. ومن هذه الذهب بمنطقة الكرمك وحفرة النحاس، والكثير غيرها. وأخيرا الثروة المتنقلة موسميا بالمناطق الحدودية، وأهمها الثروة الحيوانية. وتقول الأرقام التقديرية إن بها أكثر من 60% من القطيع القومي في موسم الجفاف. السؤال: هل يستقيم حال التنمية البشرية لهؤلاء بدون تكثيف الصحة والتعليم، وخدمات مصرفية، وتجارة عابرة، تلازمها بنيات تحتية ملائمة من الطرق البرية والمسالك الملاحية النهرية والاتصالات الحديثة، ومعاهد للتدريب الحرفي والفني والمهني، وتنمية سياحية تفتح مجالات الحركة التجارية الآمنة، والتداخل والتمازج والتعايش السلميي والسفر عبر الحدود مع الجيران، مع سلاسة في اللوائح والقوانين عبر الحدود. ونذكر هنا أن اهل السلطة قد علموا من الهموم الأمنية قبل 2005 أن "فتحة الكرمك/الناصر" كانت الثغرة الأكبر لتسرب السلاح عبر اثيوبيا للمقاتلين في الحركة الشعبية. الآن بين يدينا "فتحة الردوم وقوز دنقو" باتجاه افريقيا الوسطى، وقد كانت معابر للعطور والحشيش، يستخدم الحمار لنقلها، وتهريب الصمغ العربي بالعربات. في الظرف الحالي قد يتسرب عبرها السلاح لجنوب دارفور وجنوب كردفان باستخدام الثور أوالحمار كوسيط ناقل. وما أكثر السلاح الفتاك الآن بأيدي المدنيين: فإلى متى نغمض العين اليمنى عن "امبورورو"، واليسرى يستعصي عليها البصر لما يجري خلف المرتفعات الفاصلة؟
الحاكم خالي البال هذه الأيام، يشغله الفساد الداخلي لبطانته، أكثر من انشغاله برعاياه الذين يموتون يوميا بنقص في القوت والثمرات بالمناطق الحدودية، سببه التضييق عليهم باستمرار الحرب، التي تحصدهم عُزَلا عن السلاح، حتى إن استجاروا بالمخابئ والكهوف. والحاكم عاجز عن سداد الدين الخارجي العام لأنه محاصر بالمقاطعة الدولية، وقد بلغ ستة وأربعين بليون دولارهذه السنة، (83% من الناتج المحلي الاجمالي)، سيترك واجب سداده لأجيال قادمة، إذا رفضت إلغاءهـ "مجموعة هيبك"، وقد تتصدع اقصاديا أذا تساوى الدين العام بالناتج المحلي الاجمالي (55 بليون دولار). وفي ملهاة سياسية، نرى الحاكم يشغل الناس بكتابة الدستور الذي يريد، أوتتمناه بطانته، وينادي على معارضيه أن يعدوا العدة لمنازلته في صناديق الاقتراع بعد عامين، ويطلق بعضهم من السجن توا ليأتوا "للحوار/التفاوض" معه صاغرين: مثله كالبالغ مفتول العضل، بملعب الحارة، يحاور صبيا ناحل الجسد لسوء التغذية. صحيح أن كتابة دستور يحترمه الجميع هي نقطة البداية لبناء دولة توافقية جديدة في السودان، ولكن هل هذا ما يدفع الحاكم للدعوة للحوار، أم هو تفاوض؟ لا يهم الحاكم إلى أي مدى سيساهم دستوره الذي يريد في بناء دولة يريدها الشعب أن تواكب القرن الحادي والعشرين. ولعله قد أخرج أهلها من تطلعات هذا القرن يوم أنقلب عليهم، ورماهم بقذفة واحدة في زمرة دولة القرن الثامن عشر، فلم يفيقوا بعد ليوحدوا مسارهم من شدة الصدمة والترنح بين مسارات الفونج وتقلي والمسبعات، تغزوها علوة والمقرة من محور الوادي، ولعله تأريخ غابر، يتجدد. تلك خمسة قرون مضت في مهانة شعوب وسط الوادي من أهل سافله، حيث كان استعباد البشر نمطا يمهد لكسب الثروة والجاه، وكان المتصوفة في خدمة الحاكم، وما زالوا.
بعد انفصال الجنوب أصبح أكثر من ثلثي مساحة البلاد صحرأء وشبه الصحراء شمال دائرة العرض (13 درجة)، لا تنتج الغذاء بما يسد طلب أهلها، في ظل تسارع وتائر السنوات العجاف منذ عقد السبعين من القرن الماضي. وأصبح ضروي تعظيم إنتاج الغذاء في المناطق المطرية بين الدوائر العرضية (9:30 إلى 12:30)، وذلك هو نطاق الحزام الحدودي حيث يضطرب الأمن وتدور الحروب منذ ثلاثة عقود. لذلك يصبح وقف الحرب ضرورة أولى لتحقيق السلام - قبل كتابة الدستور- وتهيأة مناخ مؤاتي للتفاوض، تزامنا مع الاتجاه للأمن الغذائي. كذلك أصبح السودان، بعد الانفصال، في زمرة الدول المهددة بالفقر المائي، إلا إذا أسرع الخطى باستراتيجية لحصاد المياه الموسمية في الوديان غير النيلية حيث يقدر المختصون حمولتها بأكثر من سبعة مليار متر مكعب سنويا في الريف وفلوات البوادي والفيافي، يصاحبها تجميع القرى وتنميتها وتنظيمها وتعزيز معاشها بخدمات اجتماعية قوية. فحصاد الثروة المائية غير النيلية يجعل للسودانَ مخرجا عندما ينبري له جنوب السودان، بعد حين، مطالبا بنصيبه في اتفاق مياه النيل، باعتبار أن نصيبه تستوفيه الدولة "الأم" التي خرج من رحمها، وإلا سيحتمي بتجمع الدول المناوئة للسودان في معارك "دبلوماسية مياه حوض النيل". إضافة، فإن حصاد الثروة المائية غير النيلية يفتح فرص المستقبل لملايين الثروة الحيوانية لتستشرف عهدا جديدا، يفك عنها قيود البيئة الطاردة جنوبا حيث المخاطر الأمنية بالمناطق الحدودية. ويبشر الرعويين بخيارات جديدة تحررهم من اسلوب الرعي الترحالي ذو النقلة البعيدة، من مشارف الأبيض شمالا إلى الليري ثم فشودة في الجنوب، بحثا عن الماء والكلأ. ويمهد لهم تجريب خيار الرعي باسلوب النقلة القريبة - دائرية أم بيضاوية - ويعيدوا ترتيب اسلوب معاشهم الترحالي بحيث يمكنهم تلقي خدمات اجتماعية أفضل في الصحة والتعليم، ويجعل لهم مدخلا في مسالك الاقتصاد المختلط، ليجمعوا بين فوائد إنتاج مؤونتهم من الزراعة المطرية، ومن الزراعة المروية بحصاد مياه الوديان، كبيرها وصغيرها: القاش وبركة (200 – 800 مليون م3)، وادي هور (700 م.م3)، وادي أزوم (500 م.م3)، والوديان الهابطة على بحر العرب غير المحسوبة حمولتها، بالاضافة لوديان جنوب كردفان مثل وادي أبوحبل (160 م.م3)، وشلنقو (107 م.م3)، الغلة (90 م.م3) أمبرمبيطة (90 م.م3)، البرداب (51 م.م3). وهنالك مئآت الوديان الصغرى والمجاري الموسمية الأصغر التي تذهب مياهها هدرا، وهي صالحة لحصاد المياه لفائدة المستقرين في القرى الصغيرة، إلا أن مردودها السنوي غير معلوم، لتوقف الرصد السنوي منذ العام 1983.
بعد انفصال الجنوب أصبح ثلاثة أرباع بترول السودان في أرض الجنوب. ومعلوم أن المناطق الحدودية هي مكمن الثروة البترولية المكتشفة. فالحاكم مشغول هذه الأيام باستعادة ريع البترول ليجري في جيوب بطانته، وقد فقده بانفصال الجنوب، ليجدد قدرات نظامه في القهر والتقطيع من خلاف، وتعميق الحروب الداخلية، اكثر من إنشغاله بضرورات وقف الحروب، أوهموم إدراك السلام أوبناء قاعدة قوية لانتاج القوت، الذي ظل السودان يستجدية عونا إنسانيا منذ سبعينات القرن الماضي. ذلك لأن بناء قاعدة انتاج قوية، تتجاوز الانتاج الكفافي، يقتضي تنمية موارد المياه، وتنمية موارد الطاقة، وتنمية الطرق للمواصلات والنقل والاتصالات الحديثة. بذلك ينفتح المجتمع لتلقي جرعات من التفاعل والتواصل مع شعوب وحضارات أخرى، والكسب من تجاربها وخبراتها. فالشعوب المنعزلة والمنغلقة على ذاتها لن تتقدم، ولن تتراكم تجاربها ومعارفها، أو تزداد عندها تراكمية العلم و تجريبيته. والتحول من الانتاج الكفافي للقوت، إلى تصنيعه بكميات تفوق طلب الناس عليه، هو المدخل لأن تتهيأ القاعدة الاقتصادية لتَقَبُل بنيةٍ تحتيةٍ متقدمةٍ، تمهد لتنمية مستقلة. وليس بين يدي التأريخ أمة تقدمت على الأخريات دون انتاج قوتها؛ وليس بين يدي التأريخ الحديث دولة قامت على التنمية "الكلامية"، بل التقدم بالتنمية الصناعية. وإذ يجري مزيد من استكشاف وتطوير حقول االبترول في مربعات متاخمة للجنوب، أغلبها في حوض بحر العرب، وجب أن يكون تعزيز الأمن بالتنمية المتصلة من أول أوليات بناء السلام. لأن مقدمته وقف الحرب الدائرة بالمناطق الحدودية، والتفاوض لحفظ حق أهلها ونصيبهم العادل في موارد تجري تحت أقدامهم، وحمايتهم من التلوث والآثار الجانبية الضارة لصناعة البترول. فإن تناست الدولة وأغمطت حقوقهم، زادت من شكوك شبابهم، وقذفت بالمزيد منهم في الحروب الدائرة بالمناطق الحدودية، بقيادة مالك عقار والحلو والحركات المسلحة في دارفور (الحركة الثورية السودانية). إن الميزات النسبية للعمليات الحربية للحركة الثورية السودانية المتمثلة في "حرب الغابة ومخابئ الكهوف" تجعلها مواجهة ليس فيها غالب أو مغلوب. ومعلوم الآن أن قرابة العشرة آلاف مقاتل من شتى مناطق غرب كردفان يتوزعون مناصفة بين الدفاع الشعبي والقوى المنضوية تحت حروب الغابة. فاليحذر الحاكم اتحاد قوتهم قبل الوصول لسلام تفاوضي. ولعل الدليل على شراستهم القتالية يأتي من كثافة العنف والعدوان الجسدي الذي ظهر بينهم عند تنازع بطون المسيرية في منطقة الفولة، فراح ضحيته المئآت بين يناير ومارس 2013. وتقديرنا أن حروب المناطق الحدودية لن تتوقف، ما لم يُقَدِّم الحاكم مبادرة جادة يقبلونها. ذلك لأن معين التزويدات البشرية والغذائية للمقاتلين لن ينضب: فالغذاء يأتيهم من ثمار الغطاء الشجري في أوراقه وأليافه وجذوره. أما المقاتلون فتلدهم "حواء السودانية"، وتَرْفُدُهم اجيالا متعاقبة من أبناء الرعاة والمزارعين في الريف والفلوات، تتلقفهم حياة الطريق المسدود بالشظف والفاقة والفقر، فلا يجدون التعليم أوالعلاج أو فرص التشغيل الكريم، فتتعهدهم أسباب الموت. يلجؤون لخيار العدم: التجييش المفتوح على مصراعيه في حروب الغابة أوالدفاع الشعبي أو القوة النظامية، أو الموت مجانا في مغارات تنقيب أهلي عن الذهب. وكأني بهم يهزجون: "تعددت الأسباب والموت واحد"؛ فهل هكذا تدار شئون الدولة؟
بعد انفصال الجنوب، حيث سبقت الحروب لصفعة على خده الأيمن، يَعُضُ السودانُ بنانَ الندمِ ويَصْفَعُ خَدَهُ الأيسرَ، حسرة على اخطاء استراتيجية ارتكبها قادته في إدارة شأن الدولة منذ بواكير الاستقلال، دون امعان التفكير في خطلِ مواقفٍ استعلائيةٍ قصيرةِ البصرِ اتخذتها قياداته، كانت تفتقر لاسترايتجية كلية لبناء الدولة، انتهت بفقد السودان ثلث أرضه وربع سكانه للجنوب. وتبين السودان أن إهماله تنمية المناطق الحدودية، أفقده تصالح أهلها مع الخط العام لتفكير القيادة الأعلى للدولة. ولعل عزوف الأهالي عن التصالح مع خط الحاكم، وهم الأغلبون، جعلهم يتوافقون بالنقيض مع قياداتهم المحلية ذات النوازع المطلبية البسيطة، التي تحولت بالتدريج إلى جماعات مسلحة في الغابة تتحدى السلطة القومية، وتنظيمات حضرية تساندها. فبنت منابر سياسية متحمسة ومتعاطفة مع المطالب الجهوية: سوني، الاتحاد العام لجبال النوبة، اتحاد شمال وجنوب الفونج، مؤتمر البجا. ومن قياداتهم العشرة الأوائل، أغلبهم مدنيون تعلموا حمل السلاح، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر: وليم دينج، فيليب عباس غبوش، يوسف كوة مكي، جون قرنق، خليل إبراهيم، محمد إبراهيم دريج، مالك عقار، عبد العزيز الحلو، مني أركو مناوي، عبد الواحد محمد نور. استمرت المواجهات، كرا وفرا، دون غالب أو مغلوب لمدة ستة عقود، تخللتها اتفاقات هشة لم تصمد طويلا، تنهار قبل أن يجف مدادها، فتعود المواجهة بسبب عدم الثقة بينهم، وتعارض المصالح، وسوء المقصد، وعدم الصدق في تنفيذ الاتفاقات المبرمة. الحصيلة ثلاثة ملايين قتيل لأسباب ترتبط بالحرب. وبسبب حروب الأعوام الستين، يفشل السودان في بناء جيش قوي أو اقتصاد قوي، أو إنسان قوي، أو مجتمع متماسك بالهوية والانتماء. ويكفينا دروسا في هشاشة الدولة، قصف ليبيا الإذاعة السودانية، وقصف أمريكا مصنع الشفاء، وقصف أسرائيل بورسودان مرتين، وقصفها مصنع اليرموك للعتاد الحربي بالخرطوم، دون أن تشهد أي من تلك الحادثات ردة فعل تصدها، كما يفعل صبي برميةِ حجرٍ على طريقة انتفاضة فسطين. برزت، في الأثناء، مصطلحات تبرر العنف بالقوة النظامية تصديا للفعل المناوئ في حروب الغابة، مثل "التمرد، الخوارج، الخونة، العملاء، وأخيرا المارقين، أو المتفلتين". الآن نرى أهل الحكم يكررون أخطاء الماضي الاستعلائية، إذ يرددون من جديد – دون اعتبار لحساسية الأقاليات - إن السودان بعد انفصال الجنوب أصبح مسلما 95%، وبناءً على ذلك يَخْلُصُوْنَ إلى حل مفوضية حقوق غير المسلمين، ويحذفون من الدستور المواد المرتبطة بها، و بالتالي يسقطون عن دستور الشراكة مع الحركة الشعبية الكثير من حقوق المواطنة، كان يكفلها للأقليات. يقول أحد المختصين بالقانون، في شأن الأقليات الدينية: "لقد ضمنت اتفاقية السلام الشامل حقوق حماية مؤقتة للأقليات الدينية في الشمال والجنوب. لكنها انتهت، الآن. بالتالي، قد تصبح العلاقات بين الأديان مهددا للأمن والتعايش السلمي، في القريب العاجل. السبب، إنه لم تعد هناك ضمانات دستورية متفق عليها للاعتراف بالتعدد الديني، وبنفس القدر لم تعد هنالك ترتيبات محددة تنظم الوضع القانوني للأقليات. إذن، تتبلورمشكلة وضع الأقليات الدينية في محورين: أولهما، كيف نضمن حقوقا سياسية واجتماعية للأقليات الدينية؟ وثانيهما، كيف نمنع أن تتحول المشاحنات بين الأديان من شحن متبادل، إلى عنف، إلى كراهية؟ عند فرض الشريعة وتطبيقها بصرامة، سيصبح أهل الذمة مواطنين درجة ثانية في بلدهم. ستتأثر حقوق المواطنة بالنسبة لهم، حيث تنزع عنهم أهلية تولي مناصب تنفيذية حكومية عامة أو في القضاء. سيحرمون من المشاركة الكاملة في عمليات سياسية ترتبط بحكومة وطنهم" (د.محمد عبد السلام بابكر، 2010، الأصل باللغة الانجليزية ويتحمل الباحث أي زلة غير مقصودة عند الترجمة للعربية). عند بواكير التسعينات أنتجت تلك التحيزات وواكبتها، جماعات التكفير، مثل "فتوى تكفير يوسف كوة مكي ومن والاه" بواسطة علماء المسلمين في الأبيض بقيادة الشخ/عبد الباقي، والشيخ/مشاور جمعة سَهَل، عندما كان اللواء بحري/سيد الحسيني عبد الكريم، حاكما لكردفان، يفرض أتاوات الأنعام وخمسين من الصبيان الأشداء، بدعوى أنها مشاركة في دعم القوات المسلحة لقتال "الكفرة"، يقدمها زعماء العشائر قرابين لرضائه عنهم. وكنتُ شاهد عيان، على قرابين الإبل ترعى في جبل أم شجيرة، على بعد عشرين كيلومتر جنوب الأبيض. ونرى الحاكم قد ترك شمال كردفان لحالها بعد أن قضى وطره منها، تعاني العطش وضيق الرزق ونقص القوت. وترنو بعين الحسرة لآزمان كانت "كردفان الغَرًة ... أم خيرا برة"، حيث تنتج مشاريع هبيلا - سلة غذائها - 65000 طن من الذرة كل موسم. ولعل تلك المواقف والأفعال، خاصة بعد تقسيمها (شمال كردفان/جنوب كردفان) في العام 1994، تركت شرخا غائرا في جسد علاقات كانت وشيجة بين شطري كردفان. فمضى جنوبها يقاتل منفردا، وشمالها يحرق البخور للحاكم، ويدق الطبول ويجهز الرجال والعدة والعتاد لقهر المقاتلين في حروب الغابة، طبعا حسب طلب الحاكم، على خلفية "فتوى تكفير يوسف كوة مكي ومن والاه". بل كانت زبانية الحاكم تحارب والد يوسف كوة في رزقه، حيث كانوا يمنعون عنه وقود الديزل الذي يدفع قيمته ليصرفه "بكرت التموين"، ليحرك به طاحونا صغيرا لطحن الذرة في الحي، كمصدر وحيد يعيش منه، حتى أضطُرً لبيعه. ويقول مقربون منه، إن الزبانية دعوه ليتبرأ من إبنه، فمات حسرة. وأخيرا كسبت جنوب كردفان استحقاقات دستورية في اتفاق نيفاشا للمنطقتين. وهاهو الحاكم يريد جرجرة المقاتلين لذلك الاتفاق من جديد، بعد أن مات في نفوسهم، ليجعل منه قاعدة يبني عليها استراتيجيته للتفاوض مع قطاع الشمال في نيفاشا الثانية في أديس أبابا برعاية الاتحاد الافريقي. ومعلوم أن حسن النية ليس أحد قواعد التفاوض بين أي طرفين متحاربين.
لا أظن أن الحاكم يتذكر اليوم أن دَيْنَ كردفانَ عليه، أن يلملم أطرافها لتوحيدها في العهد البترولي المرتجى للسودان، وهي محور الوسط الجامع غير المفرق، وألا يمزقها بدعوته لخلق مزيد من الولايات، تبعثر جهدها ومواردها، وتشحذ الفرقة بين أهلها، وهي محور الوسط الفلكي/الجغرافي للسودان، عند ملتقي دائرة العرض 15:30 مع خط الطول 30:00. فإن يسعى الحاكم الآن لتوحيدها في إقليم واحد، بالخطوات التالية، يكون الحل أقرب إليه من حبل الوريد: أولا، أن يدعو علماء الاسلام في كردفان ليجتمعوا توا على فتوى جديدة، تنقض فتوى التسعينات بتكفير يوسف كوة مكي ومن والاه. علما بأن كثيرون في فئة "من والاه" مازالو على قيد الحياة، ومنهم عبد العزيز الحلو وتلفون كوكو أبوجلحة. بنقض تلك الفتوى يفتح الحاكم الطريق لتبييض النفوس، ويُمَكِن لكردفان بيئة التحام أخوي، ويفتح فرص اقتسام ثرواتها الظاهرة والكامنة، يتقدمها بترولها كثروة جديدة مستحقة لأجيال سبقت في عهد تقلي والمسبعات. ومعلوم أن جبال النوبة، حيث تدور الحرب في قممها، لا تنتج البترول لأنها صخرة صماء في أغلب حرزها. وتصبح القسمة العادلة وتكامل مواردها في تنمية سهولها الخصبة عند مفالق الجبال والهضاب هي الطريق المقبول لجميع أهلها، مقاتلين أم قاعدين. ومنهج يرتضيه الجميع، لتكون كردفان، والحزام الحدودي بأكمله، سلة الغذاء لما تبقى من كيان البلد. ولكون كردفان الإقليم المنتج لأكثر من 95% من ثروة البترول في السودان الآن، فذلك أقوى سبب لاستعادة وحدة كيانها وأهلها في اقليم قوي موحد، من قدير إلى شيكان. ثانيا، أن يبادر الحاكم ويخصص لهم عشرين بالمئة من صافي عائدات انتاجها من البترول. ثالثا، أن يعفى أهلها من كافة الأتاوات والضرائب القومية والولائية لثلاثة عقود، نسبة لمعاناتهم ثلاثين سنة من حروب استنزفتهم، ليس فيها غالب أو مغلوب. فإن يخصص لهم النصيب العادل، يوقف عنهم تبعا لذلك، كل التحويلات المالية الدورية من المركز. إن يحدث ذلك بصدق صديق وعزم أكيد، كأساس لعهد جديد من العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الحدودية، سيفقد مقاتلو حركة "كاد" بشمال كردفان في الحركة الثورية السودانية، وغيرهم، مبررات استمرار القتال، لأن ليس من بينهم انفصالي أو متطرف. وسيلتفت عبد العزيز الحلو لضم أخية الحاكم والزعيم، معتصم ود زاكي الدين، مثلما كان يعانق أحمد هرون قبل الفُرْقَةِ، لدرجة أن بعض منسوبي الحزب الحاكم كانوا يرددون قولهم "الحلو ما ببقى مُرْ"، إلا أنه أصبح حنظلا في حلق الحاكم، بعد الفُرْقَةِ. بمثل هذا الاقتراح، لمبادرة رئآسية استباقية، يصبح التفاوض سالكا "تحصيل حاصل" لحفظ ماء وجه الأطراف، وبناء اقليم كردفاني قوي، حتى وإن نالت كل قبيلة فية ولاية.



د. عبد الباسط سعيد – مستشار اقتصادي متفرغ
[email protected]
0918076906-0125132214) -9 أبريل 2013 )





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 999

خدمات المحتوى


د. عبد الباسط سعيد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة