11-20-2010 11:28 AM

إعادة هيكلة نظام الحكم بعد الاستفتاء

د. حسن بشير محمد نور
[email protected]

من المفترض ان تكون اتفاقيات السلام الشامل بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية قد أنجزت هذا المطلب (إعادة الهيكلة)، لكنها وللأسف الشديد لم تفعل ذلك. لقد أوقفت تلك الاتفاقيات حربا مدمرة استمرت لعقود بين أبناء الوطن الواحد في الشمال والجنوب، كما أنها سنت دستورا ربما كان هو الانجاز الأفضل في النظام السياسي السوداني منذ الاستقلال، كما وجدت موافقة صريحة او بالأمر الواقع من الأحزاب السياسية المعروفة في السودان. لكن الدستور ظل مجمدا او بلا فاعلية كما ان مشاركة أحزاب المعارضة في السلطة التشريعية أو التنفيذية كان رمزيا ولم يتخطي تلك الرمزية لا في الحكم ولا في المعارضة خلال خوض الانتخابات الماضية وتحقيق اختراق مهم فيها، إذ حتي معارضتها كانت غير فعالة بحكم استناد الأحزاب المعارضة علي زراع الحركة الشعبية الذي ظل ملويا طوال السنوات الانتقالية الخمس.انعكس ذلك الواقع علي مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لكن أثره الاقتصادي كان مؤثرا جدا لدرجة جعلت حياة المواطن السوداني معلقة علي برميل نفط يتم إنتاجه ليصدر او ليضخ وقودا في الداخل.
يقول الواقع ان الانفصال آت لا مناص. يفرض ذلك الواقع إعادة هيكلة النظام السياسي والإداري العام في السودان شكلا ومضمونا. هذا الخيار سيكون في رأينا هو الحد الفاصل بين تماسك السودان المتبقي بعد انفصال الجنوب او تفككه الي دويلات غير معروفة العدد او الهوية. أطلقنا عبارة \"إعادة الهيكلة\" علي متطلبات تنظيم الحياة السياسية في السودان لأسباب عدة ، منها ان إصلاح النظام القائم بشكل يرضي المعارضين امر غير ممكن، كما ان تفكيك النظام او تحقيق \"سلم تسلم\" امر بدوره صعب جدا ويتطلب توفر ظروف موضوعية غير موجودة اليوم وبالتالي فان تكاليف الانتظار ستكون باهظة، وربما تذهب ريح الوطن كله قبل ان يحدث ذلك.
تتطلب إعادة الهيكلة التوافق السياسي بين الحكومة (المؤتمر الوطني) والمعارضة، كما يتطلب هذا أهلية المعارضة للفعل حتي تتمكن من فرض خياراتها علي الأقل علي طاولة الحوار وفي الشارع السياسي السوداني. المطلب الثاني هو الإصلاح الدستوري والقانوني الذي يعتبر المرجعية المنظمة للممارسة السياسية. كما تتطلب إعادة الهيكلة قلب ما يسمي بنظام الحكم الفيدرالي (الولائي) السائد اليوم الذي لا توجد فائدة منه، بينما عيوبه لا تعد ولا تحصي. اخطر تلك العيوب هو استنزاف الموارد بواسطة نظام سياسي وأداري متضخم، عالي التكاليف غير مفيد من الناحية العملية، اذا لم نقل انه وبشكله الراهن قد اثبت فشله في تحقيق أهم الأهداف الوطنية العليا متمثلة في تحقيق التنمية و الحفاظ علي وحدة البلاد وتجنيبها الحروب والتشرذم والاستقطاب الحاد من كل نوع.
الجانب الاخر في إعادة الهيكلة بعد استيعاب النظام السياسي لجميع المكونات السودانية وتاطير ذلك بشكل قانوني، هو إعادة هيكلة الحكومة المركزية وإعادة النظر في التقسيم الإداري للبلاد بشكل يحقق التوازن في قسمة السلطة ويمكن من توسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار خاصة التنموي ويحد من التكاليف الباهظة للنظام الولائي القائم اليوم.
إعادة الهيكلة ستنهي نظام الترضيات والتسويات السياسية التي جعلت المسئولين الدستورين في السلطات التنفيذية والتشريعية في المركز والولايات يتجاوز الثلاثة ألاف شخص في بعض الإحصاءات غير الرسمية. يتبع ذلك الجيش الجرار مجموعة من المستشارين والمعاونين والمساعدين والمدراء واللجان بشكل يزيد عن أعداد الخدمة المدنية قبل قيام نظام الحكم الحالي. حتي إعادة النظر في طبيعة الوزارات والمؤسسات والهيئات وتحديد وظائفها ضروري لضمان كفاءة النظام وضبط منصرفاته الذاتية. هذا من الموضوعات التي يجب بحثها لتفادي الدخول في دوامة جديدة من الصراع في الدولة المتبقية بعد انفصال الجنوب المتوقع بشكل كبير. سيحدث الانفصال، في حالة وقوعه شح في الموارد من جهة وزيادة في التكاليف، خاصة الأمنية من الجهة الاخري.
المعضلة الرئيسية في ما أطلقنا عليه إعادة الهيكلة تكمن في أهمية وخطورة وصعوبة فك الارتباط بين الدولة والحزب في القوات النظامية ، الخدمة العامة، بل وحتي في \"السوق\" عبر سيطرة الشركات الحكومية وشبه الحكومية علي النشاط الاقتصادي في عصبه مما جعل قوي السوق نفسها تابعة للحكومة. إذا استطاع الحزب الحاكم ان ينجز هذا المطلب سيكون قد حقق المستحيل الذي يمكن بواسطته المسك بمفتاح صندوق العصا السحرية للحل.
ما تحدث عنه المسئولين الاقتصاديين الحكوميين من ضبط للمصروفات الحكومية والاستمرار في أي مشاريع تنموية بتمويل حقيقي أو حتي استثمارية خاصة كبري، لن يتم إلا بإعادة هيكلة جديدة لمجمل نظام الحكم في السودان يمهد الطريق أمام الحلول السلمية للمشاكل القائمة خاصة دارفور والشرق ويوسع قاعدة المشاركة الشعبية ويمهد الطريق أمام الحريات العامة و التداول السلمي للسلطة. هذا في رأينا من الموضوعات التي يجب ان توضع علي طاولة البحث الشمالي - الشمالي في سبيل البحث عن بديل لدعاوي التشرذم والتفكك ومزيد من حقوق تقرير المصير التي أصبحت تتصاعد في الساحة السياسية السودانية. لا يملك حزب او جماعة او قائد سياسي ان يقرر مصير السودان ومن الأفضل ترك ذلك للشعب ليقر فيه عبر شكل نظامي دستوري متفق عليه. يمكن ان نبرهن علي ضرورة هذه الدعوة بشيء واحد هو فشل اتفاقيات نيفاشا في الحفاظ علي وحدة السودان بالرغم من أهميتها الاستثنائية وزخمها الدولي. بالتالي فان الانفصال إذا حدث فمن الأفضل أن يتحول الي عمل ايجابي (رغم سلبيته الظاهرة) يساهم في حل المشاكل العالقة في البلاد بدلا عن تعقيدها وإنتاج المزيد من المشاكل.
هذه ليست دعوه توفيقية ولا حتي دعوة للوفاق لان الأولي غير مطلوبة والثانية غير ممكنة إنما هي مجرد أمل في الوصل الي حل مرضي عبر تسوية سياسية تجنب البلاد الأسوأ ويدفع كل طرف من أطراف الصراع السياسي جزءا من فاتورتها يتوقف علي ما لديه من أوراق وما جنت يداه من أعمال. هذا ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية وشيء من العقلانية، وهذا هو الطريق المؤدي الي الاستقرار الاقتصادي الذي يمكن الناس من ممارسة وجودهم الحياتي بشكل شبه طبيعي، إذ من الصعب في هذه الظروف الحديث عن معني الحياة بمفهومها الدقيق.
إنه ممكن جدا مثلما استطاع تلفزيون السودان أن يبث سهرة كاملة مع الأستاذ الكبير (فنان المواقف المبدئية الشجاعة) الأستاذ ابوعركي البخيت، وتلك كانت أجمل برامج العيد قاطبة وذات رمزية مهمة.

تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1358

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#48071 [بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

11-21-2010 11:51 AM
الدكتور حسن بشير لك التحية وكل النقاط التي ذكرتها موضوعية وهامة في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ السودان والتي قد تؤدي بالبلاد والعباد إلى الهاوية؛واقول هل المؤتمر الوطني على إستعداد لقبول الرأي الأخر؟لا أعتقد ذلك..وبدلا\" من هذه التوافقية لماذا لايقوم نظام ديمقراطي حقيقي في السودان لايتحكم حزب واحد فيه في السلطة ويؤدي للخروج بنا من هذا النفق المظلم؛ وكل التجارب السياسية بما فيها شراكة الحركة الشعبية للمؤتمر الوطني تؤكد فشل هذه التوافقية مع حزب البشير بل تثير كثير من المشاكل والغلاغل ولابديل للسودان المتبقي إلا نظام ديمقراطي حُر ونظام لايقوم على الجهويات الحزبية والدينية وكان الله في عون المواطن المسحوق تحت ظل الأنظمة الإستبدادية...


#47899 [blackberry]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2010 06:15 PM
إقتباس :
تتطلب إعادة الهيكلة التوافق السياسي بين الحكومة (المؤتمر الوطني) والمعارضة،
-------------------------------------
بعدما فعله المؤتمر في البلاد والعباد تريد من المعارضة أن تضع يدها مع حكومة الفساد ؟
معني ذلك ليس هنالك حساب لهؤلاء المفسدين وأن هنالك أرواح كثيرة عذبت وقتلت وما مصير الإبادة الجماعية في دارفور ؟ إنها سياسة عفا الله عما سلف, تلك السياسة التي أقعدت السودان, فكل نظام يأتي بعده نظام ويفسد ولا يجد الحساب اللازم .
هل تريد أن يخرج هؤلاء من كل الجرائم التي إرتكبوها طوال عشرين عاما بهذه البساطة بحيث يحدث توافق سياسي بين الحكومة الفاسدة والمعارضة ؟
أي حزب سياسي يدخل في توافق مع هؤلاء المفسدين تعتبر نهايته للأبد.
يا هذا مقالك هذا فيه الكثير من الجبن وليس فيه حلاً عادلاً لمشكلة السودان , ما نريده لهؤلاء المفسدين أن يحاسبوا علي كل جرائمهم وفسادهم وإرجاع الأموال التي نهبوها من مالية السودان وإرجاع الحقوق لأهلها , نريد لهم إقامة المشانق بالأسواق حتي يشهد الشعب السوداني ذلك ويشفي بعض غليله.


ردود على blackberry
Sudan [د. حسن بشير] 11-21-2010 12:11 PM
اختلط عليك الامر وتحتاج لمن يشرح لك المقال، ارجو ان تفهم اولا قبل ان تطلق العنان لشتائمك (يا هذا غير المعروف)، هذا المقال لمخاطبة العقلانيين فقط الذين يسعون الي تغيير ايجابي، مع العلم بان الايجابية لا تعني الافلات من العقاب، ربما سمعت بما حدث في جنوب افريقيا وتشيلي وحتي فيتنام، ربما لم تسمع!


د. حسن بشير محمد نور
مساحة اعلانية
تقييم
3.29/10 (54 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة