04-15-2013 09:47 PM

مجددا تعود أقدامنا المتعبة لأعتاب رصيفها القديم، لتعد بلاطه البارد وتلقي على القطارات التي لا تتوقف عند برودة مفاصلنا نظرة يأس قديمة. ومرة أخرى نكتشف عرينا كمن سقط من ساحات الفردوس إلى منتجع التكفير ليمارس طقوس التوبة عن حماقته الأولى. لكننا اليوم لا نجد في فلاة الوطن ما يغطي عرينا، إذ نسي كاتب سيناريو المؤامرة أن يترك أي خرقة تواري سوءاتنا ونحن ننسحب أمام الجميع عراة كما لفظتنا أخلاقنا من مربع الحياء إلى مربعنا الصفري الكبير.
لا تثريب اليوم على كاتب فصول المهزلة، لأنه نجح بامتياز في انتزاع قهقهاتنا الماجنة من مرابض التشفي في صدورنا الضيقة. ثم، ما ذنب لص حوله تاريخ الصراع الدموي بين قابيل الوطن وهابيله إلى مؤلف وسيناريست ومخرج يشار له بالبنان؟ ألم تتورم أكف المشاهدين وهم يقفون فوق آلامهم يصفرون لمهرجي السيرك الذين اعتلوا خشبة أحلامهم دون أن يكلفوا أنفسهم بالرجوع إلى الوراء قليلا لينظروا إلى أقفية الجالسين إلى جوارهم ولو مرة واحدة؟
أي هزلية تلك التي خلطت بياض فجرنا بسواد نوايانا فأنتجت فنا رخيصا أدمناه حد البلاهة وتعاطيناه حتى احمرت أعيننا ودارت من الثمالة رؤوسنا؟ ما الذي أغرانا ببراءتنا حتى ضاقت صدورنا الكئيبة بنسائم أول ربيع يمر فوق أرضنا اليباب؟ نعترف أننا حمقى سيرك نجحت الأحداث المتسارعة وغير المترابطة فوق ساحاتنا السياسية في تحويلنا إلى قرود تقفز تارة لتَأكل وتقفز أخرى لتؤكل في شبقية مدهشة. ونشهد أننا خلعنا مروءتنا عند أول عاصفة، واستحللنا النظر إلى عورات من عصفت الرياح بأسمالهم دون أن نحصن مؤخراتنا ضد العواصف السياسية المتتابعة.
ونعترف أننا حضرنا إلى المشهد متفرجين، وتحولنا بفعل ما يعتمل في صدورنا من غل وما يعبث برؤوسنا من حماقة إلى كومبارس هزيل يجيد ترديد كلمات أي ملقن، وأننا فقدنا براءتنا القديمة ودماثة أخلاقنا، وتحولنا إلى مثقفي شوارع وكتاب شوارع وسياسيي شوارع وإعلاميي شوارع، وأدمنا البذاءة في اللفظ والفكر والعمل. لهذا نستحق أحكام التاريخ وجلداته، ونستحق سخرية الشامتين ولمزهم، ونستحق التيه في فلوات الوطن حتى نعود طيبين كما كنا، ونحرق عجول الأنانية وننسفها في يم المواطنة نسفا.
في كوميدية مارك ويتلي السوداء "ثقيلون كاللصوص" يقف اللص التائب ساخرا من النظارة ليقول: "حين أدرت ظهري لعالم الجريمة، أدركت أنني أجيد فن القص. وما زلت أسرق الناس، لكنني لا أسرق اليوم تلفازا ولا مذياعا، بل أسرق حكايا الناس وذكرياتهم وأحولها إلى مسرحيات، وأسرق ما في صدور الناس لأحولهم إلى قصص تروى".
لهذا لا أتوقع أن تنتهي مسرحياتنا الهزلية في الأمد القريب، بعد أن تحولت خشباتنا السياسية إلى سوق لتعلم فنون السرقة - سرقة الأحلام والمشاعر والذكريات. ولا أتوقع أن نطالب بسقوط المهرج الذي حول ربيعنا المنتظر إلى رعود وبروق لأننا ببساطة لم نعد نعرفه. وسوف يظل الرجل واقفنا فوق خشبات همجيتنا يسخر من عقولنا الصغيرة ومن صراعاتنا الدامية. ويوما، سنبكي على خطايانا التي لا تعد ولا ترد، ونبكي على جنة أخرجتنا منها ثمار الأنانية المحرمة يوم عصينا فطرتنا وتبرأنا من تاريخنا الواحد وربنا الواحد، وصفقنا ملء أكفنا عند إسدال الستار على ذكرياتنا الجميلة ومشاعرنا النبيلة.
عبد الرازق أحمد الشاعر
أديب مصري مقيم بالإمارات
[email protected]

تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 861

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#639887 [عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2013 09:29 PM
نستحق التيه فى فلوات الوطن


اظنك تقصد التوهان وليس التيه فالتيه يعنى الزهو والكبر


#639787 [سودانية مقيمة فى الخليج]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2013 04:15 PM
اول مره اشوف مصرى لايعانى من النرجسية ...ويصف حال مصر اليوم بكل شفافية وحياد وتجردوصدق ويضع يده على موطن الالم بقوة وجراة وشجاعة اثارت اعجابى ...اطمئن ولا تحزن يا اخى مصر لسة بخير والدليل على ذلك هو انت وان مصر ستظل بخير مابرحت تنجب امثالك...ولن ينفذ الخير والطيبة من مصر حتى ينفذ الطمى من النيل .. ليت ال90 مليون مصرى يكون فيهم الف بس يفكرون كما تفكر ويقفون ولو للحظات ليتأملون فى حالهم كمافعلت انت


#639539 [عبدالقادر التجانى]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2013 11:54 AM
احيى رمزيتك و كنت متأكدا أننى لن أجد تعليق من القراء و ليس هذا ادعاء بالذكاء و كل يفهم بما يريد


عبد الرازق أحمد الشاعر
عبد الرازق أحمد الشاعر

مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة