أوجاع جنوبية
04-16-2013 02:24 AM



الدنيا ترحل في لولب سكران ، يترنح بالخُطى ، ويرشح بالوجع.

(1)

مقدمة :

نحن نتفق ، أو نختلف ، فكثير منا تكاثروا خلاسيي الملامح . وفي البدء كانوا يغنّون بلسان ويصلون بآخر . ورثنا الجينات البيولوجية وجينات الثقافة التي تتخلق . وتبقى هيّ تعاني أوجاع الفراق وقساوة الظُلمات المجتمعية التي عمّقت الجراح ، خاطت الأورام وفي داخلها الصديد ، وتحلم بالبرئ ، فكيف يكون ذلك ؟!
لسنا بصدد إنشاء محاكمة أو نصب مشانق للذين يحيون حياتهم كيفما اتفق ، يرضون غرائزهم في حيّز الممكن من الشرائع التي توفرها البيئة ، ولا يكترثوا أن أفعالهم لها ما بعدها ، أبعاد قد تشوه الطيبة والسكينة والتعايش ، ويظهر القيح في مُقبل الأيام .
نُزيح المزلاج ونفتح بوابة الألم الدفين ، ونقبض على واحدة من بنات القص المُضيَّع ، ونأتي بها من دم الواقع المذبوح ونترك للسادة الكرام وللفضليات أن تتسع صدورهم ، ويرقبوا نبضات قلوبهم حين يلبسون أجساد شخوص القص الواقعي ويسألون أنفسهم عن مصائر حيوات ذهبت حكاياتها المؤلمة في صفحات تاريخٍ عصيّ أن يندثر .

(2)

رجعت بي الذاكرة الى ديسمبر 1972 . سنوات مضت . كان قد مضى على اتفاق "أديس أبابا" تسعة أشهر . في الجنوب قوتان مسلحتان مختلفتان وبينها روابط الاتفاق، ترابضان أمام مداخل ما كانت تسمى حينها بمدن جنوب الوطن ، فقد توقفت الحرب تماماً بعد الإتفاق السياسي ، وجاء سلام حقيقي .

(3)

رحلة إلى الجنوب قمنا بها خلال العطلة الشتوية ، وكنا حينها في الصف الثالث في شعبة هندسة العمارة بكلية الهندسة جامعة الخرطوم . عنوان الرحلة الدراسية ( المسكن في جنوب الوطن ). توقفت الحرب وخرج المشروع الدراسي الحُر الى العلن وتمكنا من انجازه آخر المطاف . وقف الجميع تضامناً معه بالمعينات ووسائل النقل والإقامة وهو يتخفف من الصرامة الأكاديمية ، ويلبس ثوب النزهة والترفيه ، ويرصد الحقائق على الأرض .
القوات المسلحة وفّرت لنا رحلة بطائرة ( انتينوف ) روسية الصنع نقلتنا من الخرطوم الى جوبا .ووقّعنا جميعاً قبل صعود سلم الطائرة على مسئوليتنا الشخصية عن سلامة أنفسنا، لأنها طائرة نقل عسكرية . كُنا نيّف وعشرين طالباً ومن ضمننا طالبة واحدة. رحلة تقلبت خلالها كل مناخات الصحارى والسافنا والاستوائية قبل وصولنا " جوبا". أول مرّة نلامس الوجه الآخر من الأرض البكر . كم هذا الوطن كان فسيحاً .

(4)

في جوبا كان مسكننا الأول داخليات " المدرسة الثانوية " ( جامعة جوبا في تاريخ لاحق ). إنقسمنا الى فرقتين ، لغرب النهر " غرب الإستوائية " ولشرقه " شرق الإستوائية " . تتكون الفرقة الواحدة من أحد عشر فرداً ، وكنت ضمن فريق شرق الإستوائية ،و معنا بعض رفاق العمر الجميل : منهم يوسف ، بكرى ، جليلة ، والسراج وشخصي وعلي مادبو و" غالب بُر " من وزراة الثقافة والإعلام حينها وآخرين ، يقودنا مشرف الرحلة الأستاذ " حسن شريف "وهو أحد أساتذة الكلية ورئيس وحدة المباني بجامعة الخرطوم آنذاك .
القرى وأشباهها في شرق الإستوائية هي المقصد . على سيارة النقل العسكرية الألمانية الصُنع " المجروس " إنتقلنا عبر الطريق البري شرقاً بعد عبورنا النهر . وكانت العبّارة النهرية هي التي أقلت الناقلة والمتاع لشرق النهر ، فجسر جوبا لم يكن حينها الا حلماً . وجبل " الرجاف " شاخصاً في الأفق البعيد ، فأطلّت علينا من الذاكرة قصيدة " ود الرضي " الغنائية
" من الأسكلا وحلا " :
صب يا دمعي لا تكون جَاف
وياقلبى البقيت رجّاف
البدر الخفا الانجــــــــــاف
اليوم شرّف الرّجاف

(5)

ديسمبر الشتاء في الشمال ، غيره في جنوب الوطن . هو أقرب الى الصيف . خضرة الشتاء هناك في "جوبا "غبراء ، غير التي في المناطق الأخرى. ريح طيبة مسالمة ، أفق رحب وأرض غنية . جبال متفرقة متوسطة الارتفاع . سهول ونباتات وبسمة الترحاب في أوجه الريفيين حين نلقاهم. تلقاك إشراقة مفرحة ما عهدناها أبداً . سقطت إلى غير رجعة ، تلك النظرة الجافية وخيفة التوجُس من أثر ما سمعنا من أقاصيص عن الحرب .واكتشفنا الودُ في عالم بريء ينضح إنسانية :
أيها الغريب القادم من الشمال ، ترمُقك نظرة الإعجاب ، وبسمات بيضاء تلوّن الأوجه ، تقول لكم تفضلوا . تلمس جلالاً وهيبة ، ترمقنا كأن تاج الملوك في محيّانا ، أو وضاءة الصلاح تعلوا جباهنا .
بدأت أستعيد حكاوي صديقي الراحل " عبد الله موسى " وذكريات الستينات عندما كان طالباً في مدرسة " رومبيك الثانوية " . غزل المدارس ، ومحلِّية لغة عربي جوبا . وطرائف العالم البريء الساحر ، قبل أن تصبح المدرسة معسكراً حربياً :
( كانت صدور الفتيات مكشوفة إلى الخواصر ، ونبال الصدور ممشوقة القوام . كنا نعجب أن لم نعتد الرؤية ، وعرفنا أن الحياة بحريتها هي مسلك عادي ، لا يثير الغرائز ، ولا تنفتح العيون لدهشة الإبهار . الفارعون في الطول و الفارعات من أبناء وبنات الوطن جنوباً ، أجسادهم حسنة السبك. سلسة التقسيم ، نديّة ، ليّنة طريّة ، وقوية البنيان . فيها الوصف وفيها نقيضه .)

(6)

لم هذا الترحاب يفيض حتى تحمّر الخدود من الخجل ؟. أين نحن من النظرة الجافية ، التي تقول :
أيها الغريب من أنت وماذا تريد ؟
أيعقل أن يكون لهيب نار الحرب الأهلية من صُنع الصفوة منذ القدم ! .
إنه الشعب الطيب المضياف في كل ركن وكل ضاحية وحيّ ورهط وقرية أو حزمة أكواخ ، إذ أنتَ تعبر من جوبا الى الضفة الأخرى شرقاً . سلاسل من جبالٍ خضراء ، وسهولٍ على مدّ البصر . قرى متناثرة هنا وهناك ، كأن عيون أهلها حين تبصرنا تقول بلغة القلوب :
- أهلاً و مرحباً . قدمتم أهلاً وحللتم سهلاً .

(7)

( تصميم البيت في جنوب الوطن ) هي الدراسة المبتغاة . ووسيلتها التعاطي الحُر و دخول الأكواخ ورسم مخططاتها والواجهات ، نحاول نقل ما لم يكن في الإمكان نقله من بيئة وحجر وشجر وإنسان وحيوان . جولة داخل مكوّنات أي من الأكواخ والبيوت تتلمس تنوعاً اجتماعياً ، واختلافاً بيّناً عن بيوتنا في الشمال . نتفحص مواد البناء وطرائق التنفيذ . نرسم التفاصيل باليد ، وصور ضوئية يلتقطها رفيق لنا مختص ، قدم معنا من وزارة الثقافة والإعلام . فأصبح للمشروع ثماراً للثقافة وللدراسة الجامعية وللترفيه وللرصد الثقافي والسياحي أيضاً .

(8)

الأكواخ ضيّقة المداخل لتحجُب الساكنين عن الضواري . لأول مرة تفهمت أن حبوب ( البَفْرة ) المطحونة مع الماء والمخمّرة هي وجبة غذاء ، بما تحويه من فيتامينات صنعها التخمير ، و عند إزاحة الغطاء عن الحاوية ،ترى الرغوة وتشمّ الروائح . إنها من الضرورات التي يتعين توفيرها في كل حين . ( للبَفْرة ) مفعول كمفعول السِحر . من حبوبها بعد الطحن اليدوي تُصنع (العصيدة ) . و من دقيقها المطحون مع الماء والخميرة الطبيعية يصنع النبيذ البلدي .ومن أوراق ( البَفَرة ) يُصنع الطبيخ في النار .

وصلنا " توريت " ، تفقدناها شبراً شبرا . بيوتها والأكواخ ومنازل بناها الإنجليز للخاصة. و مقابر الذين دفنتهم الحرب الأولى فوق ترابها . كُنا نلتف حول أكواخ القرويين ، و نتسلل عبر الأعشاب الباسقة لنشهد " نُقارة الخميس " .شاركهم صديقنا " يوسف " في الرقص الجماعي المشترك بين الجنسين ونحن نشهد الفرحة الشعبية الأسبوعية . كانت " توريت " أكثر أمناً من أي شقة فيها تنام في دولة متحضرة . شهدنا احتفالات عيد الميلاد في الكنيسة التي تقع في جانب الطريق العام خارج "توريت " . تحف بها ايقاعات الطبول وملابس القرويين الملونة ، والقادمون من قُرى الأطراف للحفل السنوي بميلاد يسوع المسيح . كانت الكنيسة داراً للرحمة ، فيها التعليم وفيها الرعاية الصحية ، وفيها الخبز والكساء للفقراء ، تنتهج طريقاً هادئاً صبوراً للتبشير .

(9)

بإصرار صديقنا ورفيقنا ( بكرى ) قررنا زيارة ( كَتَري )، التي تقع في أعالي السلاسل الجبلية التي تمتد إلى " كينيا" . هنالك حامية عسكرية صغيرة أعلى الجبال ،على رأسها ضابط في القوات المسلحة النظامية ، كان أحد زملائه أيام الثانوية . وهي تبعد مسيرة ثلاثة ساعات عن ( توريت ) بالسيارة على الطريق البري .

(10)

عند اقترابنا من ( كَتَري ) بدأت السيارة الصعود من قبل عدة فراسخ على طريق ترابي ، تميل التربة فيه الى الإحمرار . أشجار الصنوبر العملاقة تغطي الطريق من الجانبين وتملأ الآفاق .
تغيرت ملامح الطقس ونحن نصعد ، تحس برداً وسلاماً من حولك . أنت تدخل المشاهد الخلابة التي شربت من روايات القص الكلاسيكي التي كنت تقرؤها منذ زمان ، وهي الآن بين يديك نضرة مُبهجة . بيئة الإنسان حين ابتدأ حياته الأولى نبيلاً .
سلسلة من الجبال المتصلة ، تكسوها الخضرة بكل احتمالات ألوانها . تتمايل جيوشها بين سطوع الشمس و ظلال داكنة من تحت البواسق من الأشجار . الشمس قرصٌ مُستدير ، ترى لونها أبيضاً قمراً بلا حرارة . السُحب من حولنا تراها من تحتك . على مشهد يستحلب الجمال كأننا في مدائن الأحلام ، ترى من البعيد شلالاً يهبط ماءه العذب من قمة الجبل ، رغوته بيضاء من سرعة الهبوط . ترقد القرية على جانب من سفح التل ونحن نصعد .

(11)

هذا وجه ( محي الدين ) المشرق عندما التقيناه . الأحضان وفرحه الذي لا ينتهي ، فحياة العسكر تفتقد الدفيء ، إذ هي تنأى بنفسها عن العامة . فما بالك إذ وجدت اليوم صديقاً من الصبا الباكر ؟. كانت فرحته بنا فوق كل احتمال . استأذن برهة وهمس لأحدهم ، ثم سرنا برفقته خمسين متراً حيث مسكنه . وأستقبلتنا سيدة الدار ، زوجه . لم أزل أذكر تلك السيدة الكريمة ، جميلة الملامح وفق ما تسمح به نُبل الرؤية وسلامة العين التي ترى بنفسٍ صافية من الكدر. هي نيلية السواد بثوبها الشمالي الذي ترتدي . جلال وجمال يُجبركَ أن تنحني احتراماً ولا تتفرس الملامح . وترحاب أهل البيت العامر بالدفئ الحنون على القلوب يضيء ولو لم تمسسه نار . النظرة من وراء خفوت . للسيدة الكريمة كل طبائع أهلنا في الشمال ، كثيرة الترحاب وقليلة الحديث .

(12)

سألنا عن النبع أعلى الجبل ، فقيل لنا نصف الساعة تكفي للوصول إليه . لم نترك السانحة ، وصعدنا جميعنا ، نتتبع ممشى جبلياً بدون عوائق تذكر . وصلنا قمة الدهشة حيث بحيرة الماء العذب في شبه دائرة قطرها حوالى خمسة عشر متراً ، وعمقها نصف المتر . تطُل الأشجار المتشابكة عليها في حلقة تشبه حفاوة الطفولة باللعب وتماسُك الأيدي . عند دخولك الماء تجد الينبوع الصاعد من تحتِكَ يداعب بطن قدميك ( حمّام جاكوزي طبيعي ) . للطبيعة طرائق مبدعة في إعادة تركيب الأشياء التي نقف عاجزين دوماً أن نفُك ضفائر أسرارها .

(13)

عدنا من رحلة الجبل ، وكنا على موعدٍ مع طعام الظهيرة .( جليلة ) أعدت مع سيدة الدار المائدة من بعد الذبائح ، وفق المتعود من النهج والسلوك الموروث عندنا مع الإسراف . المائدة المضيافة ونكهة الطعام على مائدة فاخرة ، فندقية الملامح ، حتى تحسب نفسك قد استأنست مع أحد مردة النبي سليمان، وقد جلب لنا كل مُتع الدنيا من الطعام ، في قرية تنام في الجبال البعيدة في شرق الإستوائية ، لكن بطبخ سيدة الدار . جمعتنا المائدة جميعاً . طفلٌ في الثانية وطفلةٌ في عامها الأول ، يتجولان بيننا ، يداعباننا بلطف ورقّة . اختلطت الملامح ، وورثا لون أمهما ، وملامح أبيهما .
- هذا محمد ، وتلك فاطمة .
هكذا أكمل ( محي الدين ) تعريفنا ببقية الأسرة .
في ذلك اليوم انعتقنا في كل القيود ، زرنا ( ورشة الأخشاب ) التي أقامها الإنجليز في ثلاثينات القرن الماضي ، بتوليد طاقتها الكهربائية بواسطة طوربينات صغيرة تتحرك من أندفاع شلال الماء العذب الهابط من أعلى قمة الجبل . مياه الشرب تذهب لخزان المياه مُباشرةً من ذات النبع ، يفسح الدفع التثاقُلي للتغذية من الصنابير . لقد شُيدت عدة مساكن على أحدث الطُرز الهندسية في الثلاثينات . الحمامات ذوات المغاطس ، وأحواض غسيل الأوجه ، وأحواض غسيل الأواني في المطبخ، والقيشاني يُجمل الأسطُح . غرف النوم والمعيشة تأثثت من خشب صنوبري ، صقلته أيدٍ ماهرة . الباحات والغرف أفسح مما نرى اليوم .
للحديث دفيء أعذب مما تحتمل أنت رقته وبشاشته . المرح بكوؤسه الثرّة ، الحكاوي بتفاصيل وشيّها ، الضحك المجلجل يهُز الأبدان ويغسل النفوس . أعذب من الدنيا كلها العواطف الغزيرة ، المتدفقة من صدورٍ حانية . هكذا كانت ضفيرة الوطن تغزل من الأنفس نسيجها ، فتلتقي الوشائج بالمحبة وبالتنوع العرقي واللغوي والثقافي ، وفِعل المدّ الذي يجري في الخلايا بالنماء الخُلاسي متنوع الإزهار ، مُتعدد الأهواء . ينام مقيلنا على قمم فارعة ، تصل العالم من سارية تلتقط شفرات العسكر من كل صوب .

(14)

أوائل التسعينات من القرن الماضي :
بالأحضان على الطريقة السودانية ، التقيته :
- جنابو ( محي الدين ) !
- زمن يا عبد الله ، الدنيا صغيرة جداً ، مشتاقين ، كيف الحال...وين إنتَ ؟
عرّفنا بعضنا ، والزوجات . داعبنا الأطفال قليلاً .معه طفل وطفلة : أربعة سنوات وخمس سنوات ، وانا معي طفلتين . تركنا الأطفال في رقابة الوالدتين ، ومن ثم المفاضلة بين أي الأماكن أنسب في متنزه المقرن العائلي آنذاك.
سألت :
- المدام قريبتك ؟
- أيوه من أهلنا ناس شندي .
- كيف أحوالك ، ما رجعت الجنوب تاني ؟ .
تنهد عميقاً ثم قال :
- والله يا عبد الله بعد زيارتكم ديك ، وإتنقلتَ من ( كَتَري ) ، ما رجعت تاني .
- والأسرة في (كَتَري ) ؟
تنهّد ...
- طبعاً رحّلتهم لأهلهم ، وقلت ليهُم عندي مأمورية في الشمال وسأعود. خليت ليهم مصاريف كويسة . وإتنقلتَ نهائي من الجنوب .
- وما رجعتَ ؟
- لأ ما رجعتَ ... الموضوع إنتهى زمان ، أوع المدام تسمع كلامنا . ما في أي حد من الأهل عَارِف .
عندها أصبت بما يشبه الدوار ، أمسكت برأسي .
- مالك يا عُبد !
- مافي حاجة ... أصلوا أنا اليوم مرهق من الصباح .
خرجت الكلمات ، وأنا لا أدري . أبدَى هو تعاطفاً :
- أنا معاي عربية ، ممكن أرجعكم .
- أنا برضو معاي ، أحسن الأطفال يلعبوا شوية ،ما في مشكلة ، أنا بخير .
تركني برهة ، وخاطبني عقلي متعجباً:
( الدنيا بالفعل ترحل في لولب سكران ، يترنح بالخُطى ، ويرشح بالوجع ) .

من غصة في الحلق تداعت ،سألته بعد برهة وأنا استيقظ من هذه الحقيقة التي بدت كالحُلم :
- أخي " محي الدين " ، كيف يا تُرى تنظر الآن لتاريخك ، وأنت ترى المروج والأودية والسهول التي أنبتت خُضرة إنسانية مورقة ؟ . هنالك الآن قطعٌ من دمك ومحبتك الغابرة ، وقد نَمَت على أطراف الأرياف البعيدة بدونك ، فوطن الأم هو خير ملاذ وقد هجر الأب فلذات كبده بأكذوبة وقطع ودّه وشرايين دمه بفأس صدء .لماذا ؟
- أحنى رأسه مُطرقاً ولم ينطق بحرف .

(15)

الطفولة المعذبة التي تشتاق في أيامها الأولى ،أين هي من بعد كل تلك السنوات ؟.كيف يهجد جسدك سيدي للنوم ، وصرخات ألمها وضجيج أفراحها كانت ترن في أذنيك في كل يوم من أيام و سنوات هجرك الأولى، رغماً عنكَ ؟.
مضى الزمان ، ودارت دورة التاريخ برهةً في الكون الفسيح . تنتقل الآن الحيوات بنضارتها الى دفة كتاب من القص المنزوع من لحم الواقع ويقطّر دماً ،يحكي أثراً كتبه التاريخ ، وحفره في الأجساد وسجله النسيان !.
مَنْ الجلاد يا تُرى ومَنْ الضّحية ؟
وهل آن لعلم الإجتماع أن ينصُب منصة ليقتص للعدالة ؟ .
لمأساة علائقنا بالجنوب وأهله أوجاع أكبر من الكتابة ، طمرتها الصدور . جينات أكبر من كل دعاوى الإنقسام والفرقة . ماذا يا تُرى فعل كثير منا ليبقى الجنوب ولُحمته ضمن الصدور الحانية ؟ . تركنا لهم الفواجع نازفة وفررنا ، بل أرسلنا أرتالاً للحروب والموت ، حتى جاء الإسلاميون بفؤوس البتر والتكفير ، ونفد الجنوب المورق الطيّب بجلده يحاول أن يصنع وطناً آخر بعيداً عن عذاب السنين. ولما تزل فؤوس البتر تفعل فينا فعلها ،كأنها تقتص من تاريخنا.

عبد الله الشقليني
13/04/2013

[email protected]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 858

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد الله الشقليني
مساحة اعلانية
تقييم
0.00/10 (0 صوت)





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة